الثلاثاء 16 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كيف أثرت وقدمت «سارة برنار الشرق» للعالم العربى روائيًا وصحفيًا عظيمًا؟ الأم فاطمة والابن إحسان عبدالقدوس عشق وقسوة وخلافات فى العمل.. وأشياء أخرى

كما كانت الأم مختلفة ومميزة فى كل شيء (غير عادية) صحفيًا وفنيًا وسياسيًا.. فقد أنجبت وقدمت لنا شخصية غير عادية أيضًا وهو الكاتب والصحفى والروائى الكبير إحسان عبدالقدوس صاحب الـ600 رواية.. فعلاقة الأم بالابن كانت لها خصوصيتها وطبيعتها المختلفة، بدأت منذ الأعوام الأولى لـ«سانو» كما كانت تحب أن تناديه الأم روزاليوسف.



وإلى بداية النشأة.. فقد ولد إحسان عبدالقدوس فى 1 يناير عام 1919 ووالده هو محمد عبدالقدوس الذى كان مؤلفًا وممثلًا، أما والدته فهى فاطمة اليوسف اللبنانية التى عرفت باسم روزاليوسف والتى كان لها أصول تركية وكانت تعمل كممثلة ثم تركت التمثيل وأصدرت مجلة روزاليوسف الفنية والأدبية والسياسية عام 1925 ثم أصدرت جريدة روزاليوسف بعد ذلك والتى كان يكتب بها كبار الكتاب مثل عباس العقاد ونجيب محفوظ.

 الكتابة باسم مستعار

درس إحساس عبدالقدوس الحقوق فى جامعة القاهرة، وبدأ حياته العملية كمحامٍ بالفعل ولكنه لم يستطع أن يكمل هذا المشوار حيث كان يرى أنه لا يجيد فن الحوار والمناقشة بما يجعل القضاة يقتنعون بما يفنّده، فترك سلك المحاماة وأراد العمل فى الصحافة، وبالفعل أرسل مقالًا باسم مستعار إلى والدته فى جريدة «روز اليوسف» فوافقت عليه ونشرته.

فتوجه إليها إحسان عبدالقدوس ليصارحها بأنه الكاتب الحقيقى للمقال وكان يعتقد أنها ستشجعه على ما فعله، ولكنها غضبت منه وقالت له إنها تعبت من مهنة الصحافة ولا تريده أن يكون صحفيًا لأنها تخشى عليه، إلا أن ذلك لم يُثن إحسان عبدالقدوس عن قراره وأكمل مشواره فى مجلة «آخر ساعة» وتعرض لبعض المضايقات من عمله بالصحافة حيث تم سجنه بعد نشره لمقال يطالب فيه برحيل الإنجليز.

عندما رأت روزاليوسف إصرار ابنها إحسان عبدالقدوس على العمل فى الصحافة وعندما لمست موهبته فى الكتابة، عينته رئيسًا للتحرير وكان أصغر من نال هذا المنصب، حيث لم يتعد عمره حينها 26 عامًا فقط، وأوصته التمسك بقول كلمة الحق ومواجهة الظلم والمطالبة بحق المظلومين، وبالفعل وعدها إحسان عبدالقدوس بذلك، وبمرور الوقت استقال من هذا المنصب متنازلًا عنه لأحمد بهاء الدين ومتوليًا منصب رئيس التحرير فى جريدة أخبار اليوم والتى لم يمكث بها طويلًا أيضًا، حيث استمر من عام 1966 إلى عام 1968 فقط.

قراءة بين السطور 

وما بين السطور السابقة كانت هناك كواليس كثيرة فى علاقة الأم بالابن، وهو ما ذكره الكاتب الكبير محمد توفيق فى كتاباته عن فاطمة اليوسف وإحسان عبدالقدوس، وأوضح أن إحسان بمجرد ولادته وجد أن المسرح يُقاسمه حب أمه التى ظلت تقف على خشبته طوال فترة حملها، بل إنها بمجرد أن استعادت عافيتها بعد أن وضعت مولودها، عادت إلى المسرح مرة أخرى، وأحضرت لابنها مُرضعة تسهر على رعايته، لكنها اضطرت أن تبقى بجواره 35 يومًا حين مرضت تلك المرضعة، وأخبرها الطبيب أن الابن بحاجة إلى رعايتها.

وحين اطمأنت فاطمة أن إحسان بخير، عادت إلى المسرح، وخاضت واحدة من أكبر معاركها الفنية مع الفنان الكبير «يوسف وهبى»، وقررت أن تعتزل الفن، وهجرت خشبة المسرح إلى الأبد؛ لكنها لم تعتزل الشغف، فقررت أن يسمع «يوسف وهبى» اسمها يتردد فى كل مكان، وما كان يتحقق لها ذلك إلا إذا أطلقت اسمها على مجلة فنية ينادى عليها باعة الصحف «اقرأ روزاليوسف»، لكن ربما لم يخطر ببالها أن باعة الصحف سيظلّون يُنادون عليها حتى اليوم وأن اسمها سيصل إلى مسامع أحفاد يوسف وهبى!.

 تأسيس المجلة

وقبل أن يتم إحسان عامه السابع، كانت أمه «روزاليوسف» قامت بتأسيس مجلة تحمل اسمها، وخرجت المجلة من المطبعة فى يوم الإثنين السادس والعشرين من أكتوبر، وشارك فيها عددٌ كبيرٌ من كبار الكتاب، والشعراء، والفنانين من بينهم: إبراهيم عبدالقادر المازنى، أحمد رامى، وزكى طليمات، وعبدالوارث عسر، ومحمد التابعى.

كبر إحسان عبدالقدوس وكبرت مجلة «روزاليوسف»، وصار إحسان بمثابة الشقيق الأكبر للمجلة التى تشاركه قلب أمه فاطمة، وقبل أن يدخل إحسان عامه العاشر، قررت فاطمة أن تصبح مجلتها سياسية بعد أن كانت فنية (ولم يكن يعلم إحسان وقتها أنه سيدفع ثمن هذا القرار حين يكبر) ولكن الجهات المعنية رفضت طلبها، فذهبت فاطمة إلى رئيس الوزراء أحمد زيوار باشا، واحتجت على قرار المنْع، فابتسم «زيوار باشا»، وقال: «اعطوها الترخيص.. خلوها تاكل عيش»، وانصرفت والترخيص فى جيبها.

 انشغال فاطمة اليوسف 

ولم تنصرف فاطمة إلى بيتها، بل انصرفت إلى المجلة، وصارت لا تغادرها إلا للنوم فقط، وتركت ابنها إحسان لعمته «نعمات» تتولى رعايته، عاش إحسان سنوات طفولته بين بيت جده العالم الأزهرى الشيخ «رضوان» الذى غضب على ابنه «محمد» لأنه تزوج من ممثلة، وبين بيت والدته الفنانة وصانعة الصحف «فاطمة اليوسف» التى يُعد بيتها بمثابة صالون ثقافى يزوره كبار الشعراء، والأدباء، والفنانين، والسياسيين أيضًا.

كان الانتقال بين هذين النقيضين يصيب الطفل الصغير بـ«الدوار الذهني» - على حد تعبيره - لكنه دربه على ثقافة الاختلاف، قبل أن يعرف معنى تلك الكلمة.

ومرت السنوات، وإحسان ينتقل بين بيت أمه، وبيت جده حتى كبر، وصار شابًا، وذهب إحسان إلى كلية الحقوق، وبدأ يتدرب فى مجلة روز اليوسف، وبمجرد أن أنهى دراسته ظن أنه قد صار رئيسًا لتحرير المجلة، وعلى أمه أن تستريح، وتُفسح له الطريق.

لكن فاطمة فاجأت إحسان بأنه ليس مؤهلًا لتلك المهمة الصعبة جدًا، وأن عليه أن يتعلم أولًا أصول الصحافة، ويجلس على بلاط صاحبة الجلالة لعله يصلح لهذا المنصب فى يوم من الأيام.

ورغم حب إحسان الشديد لأمه تمنَّى ألا تكون زوجته مثلها، ورفض أن يكتب قصة حياتها للسينما رغم كثرة الإغراءات التى عُرضت عليه، وتزوج دون علمها، فلم تحضر فرح ابنها الوحيد.

 خطاب جمال عبدالناصر

كانت فاطمة هى المدرسة التى تعلم فيها إحسان سر صنعة الصحافة، ورغم ذلك كانت الخلافات فى وجهات النظر موجودة (على مستوى العمل) وهو ما تمثل فى الواقعة الشهيرة حين قامت ثورة يوليو لم تغض فاطمة الطرف عن أخطائها، ولم تلتفت إلى أن جمال عبدالناصر هو صديق ابنها إحسان، بل كتبت خطابًا عنيفًا إلى عبدالناصر قالت فيه: «إنك بحاجة إلى الخِلاف تمامًا كحاجتك إلى الاتحاد، إن كل مجتمع سليم يقوم على هذين العنصرين معًا، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وأنت تؤمن بهذا كله لا شك فى ذلك، وقد قرأتُ لك غير بعيد حديثًا تطالب فيه بالنقد، وبالآراء الحرة النزيهة، ولو خالفَتْك، ولكن أتعتقد أن الرأى يمكن أن يكون حُرًا حقًا وعلى الفكر قيود؟».

وواصلت فاطمة حديثها قائلة: «لا تُصدق ما يقال من أن الحرية شيء يباح فى وقت، ولا يباح فى وقت آخر، فإنها الرئة الوحيدة التى يتنفس بها المجتمع ويعيش، والإنسان لا يتنفس فى وقت دون آخر، إنه يتنفس حين يأكل، وحين ينام، وحين يحارب أيضًا».

لم يتحمس إحسان لإرسال هذا الخطاب إلى صديقه «جمال»، لكن فاطمة أرسلته، وقرأه جمال عبدالناصر، وقرّر أن يردَّ عليها بخطاب آخر جاء فيه: «أنا بطبعى أكره كل قيد على الحرية، وأمقت بإحساسى كل حدٍّ على الفكر على أن تكون الحرية للبناء، وليست للهدم، وعلى أن يكون الفكر خالصًا لوجه الوطن، وأنا لا أخشى من إطلاق الحريات، وإنما أخشى أن تصبح الحرية تُباع وتُشترى كما كانت قبيل 23 يوليو سلعًا تُباع وتُشترى.. ومع ذلك فأين الحرية التى قيّدناها؟».

سجن للمرة الثانية 

ونُشر خطاب «عبدالناصر» بتوقيعه على صفحات مجلة «روزاليوسف»، وحسب ما ذكره الكاتب الكبير محمد توفيق فإنه بالرغم من أن إحسان لم يتحمّس لخطاب والدته، وكان يرى أن الثورة ما زالت فى بدايتها، وتحتاج إلى الدعم، لكن فى العام التالى أدرك «إحسان» أن والدته كانت على حق، حين رأى اعوجاجًا فى مسار الحُكم فكتب مقالًا بعنوان «الجمعية السرية التى تحكم مصر».

وانتظر «إحسان» أن يأتى إليه الرد لينشره على صفحات روز اليوسف؛ ولكن جاءه الرد عبر سيارة تحمل بعض الجنود الذين قادوه ليدخل السجن للمرة الثانية، ولم تبكِ الأم على ابنها بقدر ما دعمته، وأخبرته أن هذه هى ضريبة الكلمة الحرة.

 وصايا فاطمة اليوسف لـ«إحسان»

وقد كتبت فاطمة اليوسف العديد من الوصايا لنجلها إحسان وتم نشرها فى مجلتها الشهيرة «روزاليوسف» عام 1945 عندما عينته رئيساً لتحريرها بعد خروجه من السجن بعد اعتقاله بسبب مقال هاجم فيه السفير الإنجليزى، ومن أبرز ما قالته فاطمة اليوسف:

«كن قانعًا، ففى القناعة راحة من الحسد والغيرة... مهما كبرت ونالك من شهرة، لا تدع الغرور يداخل نفسك فالغرور قاتل.. حارب الظلم أينما كان، وكن مع الضعيف على القوى.. ولا تسأل عن الثمن».

وأوصته أيضًا قائلة: «مهما تقدمت بك السن فلا تدع الشيخوخة تطغى على تفكيرك.. بل كن دائمًا شباب الذهن والقلب وتعلق حتى آخر أيامك بحماسة الشباب.. وثق أنى دائمًا معك بقلبى وتفكيرى وأعصابى.. فالجأ إلىّ دائمًا.. وأخيرًا ..دع أمك تسترح.. قليلًا».

 إحسان يتحدث عن والدته

أما إحسان فقد كتب عن أمه الكثير والكثير ومنها ما ذكره بمقدمة كتاب «ذكريات» عام 1953.. ومن بين ما ذكره قائلًا: إن والدتى السيدة فاطمة اليوسف لم تحدثنا فى هذه الذكريات، عن المشكلة الكبرى التى استطاعت وحدها أن تحلها، والتى لا يزال المجتمع المصرى كله حائرًا أمامها: كيف استطاعت أن تجمع بين جهادها الشاق المضنى الذى بدأته وهى فى السابعة من عمرها.. وبين واجبها كزوجة وكأم؟!

وكتب إحسان أيضًا: «لا أدرى كيف استطاعت أن تحملنى تسعة شهور وهى واقفة على خشبة المسرح تعتصر الفن من دمها وأعصابها لتكون يومها أعظم ممثلة فى الشرق.

ولا أدرى كيف استطاعت أن تطرد عنى الموت الذى طاف بى مرات خلال طفولتى وصباى، فى حين أنها كانت دائمًا بعيدة عنى تسعى فى طريق مجدها.. ولا أدرى كيف استطاعت أن تنشئنى هذه النشأة، وأن تغرس فى هذه المبادئ وهذا العناد، وأن تقودنى كطفل وكشاب فى مدارج النجاح، فى حين أنى لم ألتق بها أبدًا إلا وفى رأسها مشروع وبين يديها عمل».

وأضاف: «كيف استطاعت أن تجمع فى شخصها كل هذا؟..وإذا كانت قد استطاعته، فكيف تستطيعه أى سيدة أخرى تريد أن تسعى سعيها.. صنعتنى بيديها، كما صنعت مجدها بيديها، كل يوم من أيام هذا المجد، وكل حرف فيه، وكل خطوة من خطواتها.. هى وحدها صاحبة الفضل فيه، وليس لأحد فضل عليها».

وقال إحسان عن والدته: «كنت أحيانًا أضع نفسى بعيدًا عنها وأجرد نفسى من عاطفتى نحوها، ثم أحاول أن أدرسها كما يدرسها أى غريب عنها، علنى أجد مفتاحًا لشخصيتها، وعلنى أخرج من دراستى بقاعدة عامة لحياتها أطبقها على بنات جنسها.. ولكنى كنت أخرج دائمًا بمجموعة من المتناقضات لا يمكن أن تجتمع فى إنسان واحد».

الهدوء والقسوة

ووصفها قائلاً: «إنها هادئة رقيقة تكاد تذوب رقة.. يحمر وجهها خجلًا إذا ما سمعت كلمة ثناء.. ويكاد صوتها الناعم الخفيض الرفيع المنغم يشبه صوت فتاة فى الرابعة عشرة.. وهى تفضل العزلة، ولها دنيا خاصة تعيش فيها، وليس لها كثير من الأصدقاء الخصوصيين، رجالًا أو نساء، وأغلب من يعرفونها لا تعرفهم، وهى تكره المجتمعات وتكره أن تقيم فى بيتها حفلًا، أو مأدبة، بل إنها فى بعدها عن الناس يفوتها كثير من المجاملات حتى المجاملات التى يتطلبها العمل.. وهى بعد كل هذا قلب طيب ينشر الحب والسلام حوله، حتى تبدو ساذجة تستطيع أن تضحك عليها بكلمة، ويد سخية تعطى باستمرار وتأبى أن تأخذ نظير ما تعطى».

قال أيضًا: «كل هذا الحنان الذى لا تستطيعه كل أم، كان يقابله قسوة لا أعتقد أيضًا أن كل أم تستطيع أن تقسو بها على ابنها.. فقد طردتنى مرة- كما قلت- من العمل، وأنا متزوج وصاحب أولاد، أو على الأصح تركتنى أخرج من العمل، وظلت عامًا كاملًا لا تخاطبنى، وقد تلتقى بى فتتجاهلنى، وأمد يدى لأقبل يدها فترفضها.. بل إنها ضربتنى يومًا فى مكتبى وبين زملائى عقب تخرجى فى الجامعة.. وهى إلى اليوم لا تزال تقسو أحيانًا عليّ وعلى شقيقتى، ويبلغ من قسوتها أننا لا نعرف لها سببًا ولكننا دائمًا نعرف السبب بعد أن نثوب إلى الطريق الصحيح».