الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

قمة داخل قمة العشرين.. دوافع تقارب واشنطن وبكين لقاء بالى «التاريخى» بين بايدن وشى

بعد عام من الشد والجذب بين واشنطن وبكين تخللته حرب كلامية وحالة من الجمود، تعود العلاقات بين البلدين لتنشط مجددًا فى قمة مجموعة العشرين التى انعقدت فى جزيرة بالى بإندونيسيا فى ظل أوضاع دولية شديدة التعقيد. 



فعلى هامش القمة، التقى كلا الرئيسين الأمريكى جو بايدن ونظيره الصينى شى جين بينغ فى محادثات استمرت قرابة ثلاث ساعات و12 دقيقة نتج عنها ردود فعل إيجابية من الطرفين.

الرّئيس الصينى «شى جين بينغ» قال خلال أول اجتماع شخصى يجمعه بالرئيس الأمريكى بايدن منذ أن أصبح  رئيسًا للولايات المتحدة

(إن بلاده لا تسعى لتحدى الولايات المتحدة أو تغيير النظام الدولى القائم). 

وفى المقابل قال الرئيس «جو بايدن»: (لا نريد العودة إلى الحرب الباردة،  نريد منافسةً ولا نريد صراعًا).

خفض التوتر                     

ما جعل مراقبين يصفون اللقاء بأنه الحدث الأبرز والأهم خلال قمة مجموعة العشرين هذا العام؛ ليس فقط  لأن التصريحات الصادرة عن كلا الرئيسين خلال اللقاء تكشف بشكل مباشر  وصريح عن  رغبة العملاقين الاقتصاديين  فى وقف حالة التدهور وخفض التوتر فى العلاقة بينهما. 

صفحة جديدة

بل لأن هذا الاجتماع الذى استغرق أكثر من  ثلاث ساعات قد يكون  بمثابة صفحة جديدة فى تاريخ العلاقات «الصينية - الأمريكية» بعد  خمس سنوات من المواجهات الساخنة التى دارت بين البلدين وتمحورت حول ضمان الهيمنة الاقتصادية  والتكنولوجية بل والعسكرية أيضا فى العالم.

إدارة الخلافات

فخلال اللقاء تبادل رئيسا البلدين وجهات النظر على نحو صريح ومعمق حول القضايا الاستراتيجية الخاصة بالعلاقات «الصينية - الأمريكية»، بالإضافة إلى القضايا العالمية والإقليمية المهمة.

كما كشف اللقاء عن وجود محاولات من الجانبين لرأب الصدع بينهما، وإيجاد مخرج يؤدى إلى تخفيف حدة التوترات وتجنيب البلدين والعالم كله حربًا قد تكون الأشد فتكا فى تاريخ البشرية، حصوصًا مع حديث كلا الطرفين عن تعزيز التعاون المشترك ومواصلة الحوار وإدارة الخلافات بين البلدين.

الخطوط الحمراء

 وقد ناقش لقاء «بايدن - شى»  والذى وصفه مراقبون بقمة داخل القمة ملف  المنافسة الاقتصادية و‎قضية تايوان و‎الحرب فى أوكرانيا واستفزازات كوريا الشمالية.. كما اتفقا (بايدن وشي) على عدم استخدام السلاح النووي.

وكما كانت قمة مجموعة العشرين مناسبة لوضع تعريف أكثر دقة للعلاقات «الصينية - الأمريكية» فى الوقت الراهن وتحديد ما هى الخطوط الحمراء التى لا ينبغى لأى طرف منهما تجاوزها.

صفقة محتملة

فى هذا السياق ذهب مراقبون إلى أن المقابلة التى بدأت بتصافح بايدن ونظيره الصينى بحرارة وهما يبتسمان أمام صف من الأعلام الصينية والأمريكية فى فندق فاخر فى بالى قد يكون خلفها صفقة محتملة قد تمت بين الجانبين، مستندين إلى حديث الرئيس الأمريكى بايدن إلى الزعماء الآسيويين  أثناء وجوده فى  كمبوديا، للمشاركة فى القمة السنوية بين الولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا، قبل أن يتوجه بعدها إلى بالى بإندونيسيا للمشاركة فى قمة مجموعة

الـ20، ويلتقى بالرئيس الصينى وتأكيده على أن خطوط الاتصال الأمريكية مع الصين ستبقى مفتوحة، للحيلولة دون وقوع صراع.

دبلوماسية هادئة خلف الكواليس

وكذلك تصريحات بعض المسئولين فى إدارة بايدن لتلطيف الأجواء والذين أكدوا أن الجانبين تحليا بالهدوء خلال الشهرين الماضيين بقصد إصلاح العلاقات.

وتصريحات أخرى لمسئول فى إدارة بايدن حول اللقاء،  كشف فيها أن هذه الاجتماعات لا تعقد بمعزل عن غيرها، وأنها جزء من عملية مستدامة للغاية.. وقول هذا المسئول: لقد انخرطنا فى دبلوماسية جادة ومستمرة، عشرات وعشرات الساعات، من الدبلوماسية الهادئة خلف الكواليس.

ويرجح هؤلاء المراقبون بأن القوتين العظميين أدركتا أن العالم كبير بما يكفى لازدهارهما معًا وتقاسم سويا المكاسب الضخمة التى تتيحها فرص الاستثمار والتجارة فى السوق الدولية.

انتقاد مبطن

ورجح هؤلاء الخبراء بأن الصفقة ربما تتضمن أن تقوم الصين بدور سياسى فاعل يتلخص فى كبح جماح الرئيس الكورى الشمالى «كيم جونغ أون»، ودفع الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» إلى الاحتكام إلى العقل فى علاقاته الدولية، والتخفيف من حدة تصرفاته السلطوية، وأحلامه الامبراطورية.

ولذلك كانت تصريحات الرئيس الصينى شى جينبينغ خلال قمة العشرين  وتحذيره من تحويل الغذاء والطاقة إلى «سلاح» فيما اعتبره البعض انتقادًا مبطنًا للغزو الروسى لأوكرانيا.

حيث قال شى أمام القمة: «علينا، وبحزم، معارضة تسييس مشاكل الغذاء والطاقة وتحويلها إلى أدوات وأسلحة»، بينما كرر فى الوقت ذاته التعبير عن معارضته لسياسة العقوبات الغربية.

وشدد على أن «تحديد خطوط فكرية وإثارة الخلافات بين التكتلات والفصائل السياسية لن يؤدى إلا إلى تقسيم العالم وعرقلة تقدّم البشرية».

كما اتفق الرئيس الصينى ونظيره الأمريكى أيضا على معارضة استخدام الأسلحة النووية فى أوكرانيا.

وحذر الرئيس الصينى شى  لبايدن من تجاوز «الخط الأحمر» مع بكين بشأن جزيرة تايوان. قائلا « إن مسألة تايوان هى فى صميم المصالح الجوهرية للصين، والقاعدة للأساس السياسى للعلاقات الصينية الأميركية، والخط الأحمر الأول الذى يجب عدم تجاوزه فى العلاقات الصينية -الأمريكية».

قطبية ثنائية

يرى هؤلاء المراقبون أن دوافع حدوث صفقة بين الولايات المتحدة و الصين فى تلك المرحلة  قوية جدا حيث تستند هذه «الصفقة» إلى حقائق اقتصادية راسخة، تجد أفضل تجسيد لها فى كون الولايات المتّحدة الأمريكية أكبر مستورد للسلع الصينية، وأكبر مستثمر فيها، هذا إضافة لكون الصين أحد أكبر المستثمرين فى سندات الخزينة الأمريكية.

كما أن نجاح هذه الصفقة، سيجعل العالم أقرب إلى «القطبية الثنائية» (الصين والولايات المتّحدة الأمريكية) منه إلى « تعدد الأقطاب» (الصين وروسيا وحلفاؤهما من جهة.. والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها من جهة أخرى).

وأكدوا أن من قوض إمكانية التحول إلى عالم «متعدد الأقطاب»، هو الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» نفسه من خلال ارتكابه لسلسلة من الحماقات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وفى مقابل وجهة النظر هذه يرى آخرون أن أسباب تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين فى السنوات الأخيرة لا تزال قائمة وهى بشأن قضايا مختلفة أبرزها: هونغ كونغ وتايوان، وبحر الصين الجنوبى والممارسات التجارية والقيود الأمريكية على التكنولوجيا الصينية.

معركة لم تحسم 

وأن معركة مصير النظام العالمى الجديد، لم تحسم بعد خاصة وقد استعرض أخيرا الرئيس الصينى شى جينبينغ عدة نقاط فى الاستراتيجية الصينية، على رأسها تجريم أى محاولة لاستقلال تايوان، ودمجها فى الدستور الصينى لتكون من أهم ثوابت السياسة الصينية، مع خطة لتطوير الجيش الصينى ليصبح قوة عالمية، بعد أن حققت الصين تطورًا هائلًا فى الصناعات الحربية، وتفوقت على الولايات المتحدة فى القوات البحرية، وأدخلت أسلحة جديدة لم يتم الكشف عن بعضها تعمل بالطاقة الكهرومغناطيسية، وهو ما يعنى أن التنين الصينى لن يقبل بالمساومة وأن الولايات المتحدة التى تأكدت من صعوبة مجاراة الصين فى التطور الاقتصادى، ويئست من منافستها فى هذا المضمار، تحاول الآن تهدئة الأجواء مع الصين ولو بشكل مؤقت محاولة منها لعزل الدب الروسى.

الحرب على جبهتين

أسباب هذا التقارب الأخير يمكن تفسيره بالرجوع إلى ما قرره البنتاجون فى وثيقة الدفاع والأمن القومى المعلنة بأن الصين تمثل التحدى الأساسى، بينما تشكل روسيا التهديد الفورى والأكثر حدة وخطورة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لتصبح استراتيجية البنتاجون تلويحا بالحرب على جبهتين، الأولى مندلعة فى أوكرانيا، والثانية فى تايوان ومحيط الصين.

ولأن الولايات المتحدة  لن تتمكن من مجابهة القوتين فى وقت واحد فقد قررت أن تعقد هدنة مع إحداهما أخيرًا.