النسوية الإسلامية مدعى النبوَّة: مسيلمة الكذاب.. يعود من جديد! "13 "
محمد نوار
يرى البعضُ أن تعاليم الإسلام تنظر للأنثى نظرة دونية مقارنة بالذكر، وهى رؤية تأسَّست على فهم غير صحيح لآيات قرآنية، مثل قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخرف 19، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) الطور 39، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) النجم 21.
تقدمت دار الفتوَى فى لبنان ببلاغ للنيابة العامة ضد شخص يَدّعى أنه نبىٌ من الله، واسمه نشأت منذر، أو «نشأت مجد النور»، والذى ظهر اسمُه من خلال مواقع التواصُل الاجتماعى منذ أسابيع، فى صور شخص بزىّ عربى تقليدى،ووشم مرسوم على جبهته، ويحمل صولجانًا فى يده، ويسمى نفسه «النبى نشأت مجد النور».
. فى البداية ظهر اسم نشأت كـ«مُعلم يوجا وتأمُّل»، و«حكيم استنارة»، ينشر الحكم الروحانية كمفتاح للاستنارة، وأعلن عن إذاعة سلسلة حلقات من خلال «يوتيوب»، برفقة عالمة الفلك اللبنانية كارمن شماس ثم تحوَّل الأمرُ من التأمُّل إلى «ادعاء النبوَّة»، واستبدل لقب «مُعلم حكيم»، بصفة «نبى»، يَدعى أنه «مُرسَل من السماوات»، ويدعو «إلى النورانية»، ويُسمى من يقول إنهم أتباعه بالنورانيين، وتقوم رسالة نشأت على الدّعوَة إلى الاعتماد على المأكولات النباتية.
وكانت كارمن شماس أول من أعلن نبوة نشأت، فى فيديو ظهر فيه يجلس بجانبها وهى تهنئ اللبنانيين على: «وجود مرسَل من السماء لمساعدة البشر والأرض انطلاقًا من أرض لبنان الحبيب».
فى بداية انتشار اسمه والفيديوهات فى مواقع التواصل الاجتماعى، كان نشأت بملابسه وعصاه مادة للسُّخرية فى لبنان وخارجها؛ خصوصًا فى مصر.
ولذلك خصص نشأت عددًا من نبوءاته للمصريين، وهدَّدَهم بأن يروا أثر سُخريتهم منه فى بلادهم وما ستشهد من هزات وغضب.
نشأت ليس أول شخص يَدعى النبوَّة، ولن يكون الأخ
ادّعاء النبوَّة:
شخصيات عديدة ادّعت النبوَّة قَبْل وبَعد وفاة النبى عليه الصلاة والسلام، منهم طليحة الأسدى، والأسود العنسى، ومُسَيلمة بن حبيب، وامرأة هى سجاح الكاهنة، تزوجت من مُسَيلمة فيما بَعد، حاولوا تقليد القرآن الكريم، وأعادوا النظر فى بعض الفروض، مثل مُسَيلمة الذى منع السجودَ فى الصلاة، ثم رفع عن أتباعه أداءَ صلاة الفجر وصلاة العشاء.
مُسَيلمة الكذاب:
تاريخيًا من أوائل من ادَّعوا النبوَّةَ فى الإسلام كان مُسيلمة، وهو مُسيلمة بن ثمامة، وهو من بنى حنيفة، وكان فى قومه يقال عنه رحمن اليمامة، أمّا صفة الكذاب فهو لقب أطلق عليه بعد ادعائه النبوَّة، وأكثر من آمن به كان من بنى حنيفة.
ذهب مُسَيلمة فى السَّنة التاسعة للهجرة إلى المدينة، وعندما قابل النبىَّ محمد عليه الصلاة والسلام، سأله أن يعطيه النبوَّة من بعده مقابل إسلامه واتباع دينه، ورفض النبىُّ ذلك لأن النبوَّة لمن يختاره الله لها، وعندما رجع مُسَيلمة إلى اليمن ادّعى أن النبى أشركه فى نبوّته، وقد شهد معه صاحبه الرجال بن عنفوة.
وقام مُسَيلمة بمحاولة لتقليد آيات وسور القرآن الكريم، بمجموعة كلام يعتمد على السجع، وبأسلوب غاية فى الركاكة والضعف، ومن ذلك ما سماه سورة الضفدع: «يا ضفدع بنت الضفدعين، نقى لكم نقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك فى الماء، وذنبك فى الطين»، وسورة الفيل: «الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خَلق ربنا لقليل».
النبى والرسول:
كلمة النبىّ مشتقة من الإنباء، بمعنى قول الخَبر، فالنبىُّ هو من أوحَى إليه تعالى بما عليه قوله والدّعوَة إليه، وهو يأمر المؤمنين بأوامر الله، وكلمة الرسول من الإرسال، بمعنى هو مَن يأتى بالرسالة، والرسل هم من يحملون رسالة الله تعالى إلى الناس.
جاءت كلمة رسول فى القرآن بمعانٍ مختلفة، منها معنى المَلك الذى يرسله الله لمهام معينة مثل مَلك الموت: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) الأنعام 61.
ورسول بمعنى شخص ما أرسله شخص آخر برسالة، مثل الرسول الذى أرسله مَلك مصر إلى النبىّ يوسف عليه السلام فى السجن: (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) يوسف 50.
وحى الشيطان:
لا يوجد وحىٌ إلهىٌ بعد تمام القرآن: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ) المائدة 3. لكن الوحى الشيطانى مستمر فى كل وقت، وفى كل مكان، ولذلك ظهر الكثير من مُدعى النبوَّة وهم الأنبياء المزيفون.
لقد حذرَنا القرآنُ من الشيطان ووحيه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) الأنعام 112. يستمر الوحى الشيطانى من أجل اختبار المؤمنين؛ ليميز بين المؤمنين الحقيقيين ومدعى الإيمان، لذلك يستمر وجود مدعى النبوَّة.
(وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) الأنعام 113. كل ادّعاءات نشأت تثبت أنه تابع للشيطان وصاحب الوحى الشيطانى، فهو يعتقد فى نفسه أنه صاحب المعرفة السماوية ويعرف الغيب، ويخترع أكاذيب وينسبها لله.
لا وحى بعد تمام القرآن، ولو أن أحدًا ادّعى وحيًا جديدًا بعد القرآن، فهو يفترى الكذب على الله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) الأنعام 93.
إن الله يرشدنا إلى طريقه المستقيم من خلال كتبه ورسله الحقيقيين، لكن ترك لنا حرية الاختيار، فلنا الحق فى أن نفعل وأن نختار وأن نرفض وأن نطيع وأن نعصى، و«نشأت» الذى ظهر فى لبنان وادّعى النبوَّة، حدث ذلك بحرية اختياره: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِى آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فُصلت 40.
وأى شخص يسمى نفسَه نبى الله بعد النبى محمد عليه الصلاة والسلام، فهو مدع للنبوة ورسالته مزيفة، وأى تابع لهذا النبى المزيف فهو فى حزب الشيطان: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) المجادلة 19.
خاتم النبيين:
يتم استخدامُ كلمة ختم لكل عمل تم الانتهاء منه بصورة كاملة مع إعطائه صفة الصلاحية والاستمرار، أمّا كلمة الآخر فتدل على نهاية الأمر ولا تفيد نفى وجود شىء بَعده، فكلمة الآخر تدل على وصف حال الأمر من حيث هو آخر شىء حصل، ولذلك فدلالة كلمة الخاتم أعم وأشمل من دلالة كلمة الآخر. قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ) يس 65. فختم الأفواه هو تثبيت وتوقيف وظيفتها، وعملية الختم لا يمكن أن يتم فتحها أو إلغاؤها إلا من الفاعل الذى قام بالختم. قال تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب 40. فالنبىُّ محمدٌ عليه الصلاة والسلام خاتمُ الأنبياء، بمعنى أن ما تم إرساله للناس عن طريق النبى محمد وهو القرآن يصبح آخر الكتب نزولًا وخاتمًا لما سبقه، فتم وقف بعث المزيد من الأنبياء لانتهاء مهمتهم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) المائدة 3.
وعندما تم وقف بعث الأنبياء تم وقف إرسال الرسل؛ لأن وجود الرسول مبنىٌ على وجود النبوَّة، فكل رسول هو نبى، وليس كل نبى رسول، فالرسول هو نبى صاحب رسالة، أمّا النبى فهو رجل اصطفاه الله ليقوم بتعليم الناس والدّعوَة إلى الله واتباع رسالة من سبقه من الرسل، وعندما قال تعالى: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، دلالة على ختم الرسل ضمنًا من خلال ختم الأصل وهو النبوَّة.وكلمة خاتم جاءت بفتح التاء، ولم تأت خاتم بكسر التاء بصيغة اسم الفاعل؛ لأن النبى محمد عليه الصلاة والسلام ليس هو الفاعل لعملية الختم؛ وإنما الفاعل هو الله تعالى، لذلك جاءت كلمة خاتم اسم للشىء الذى يتم الختم به. عملية الختم موجهة للرسالة، فعندما تم ختم الرسالة اقتضى ضرورة وقف إرسال الرسل، وعندما انتهى دور الرسل لكمال الرسالة، انتهى دور الأنبياء، فتم وقف بعثتهم؛ لأن تتابع بعثة الأنبياء جاءت لتدرج نزول الرسالة الإلهية، وعندما وصل المجتمع الإنسانى إلى بداية مرحلة النضج، أدى ذلك إلى وقف بعثة الأنبياء لاكتمال الرسالة الإلهية.
فدلالة كلمة (خاتَم)، تفيد التمامَ والكمال والإنهاءَ والتثبيتَ، ولم تأتِ كلمة آخر لأنها لا تدل على التمام والكمال، بينما مفهوم الخاتم يشمل مفهوم الآخر، فكل عمل مختوم لا يمكن فتحه أو تعديله دون إلغاء عملية الختم، فعندما قال تعالى: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، أنهَى وأغلق باب بعثة النبوَّة، ولن يبعث الله نبيًا بعد النبى محمد عليه الصلاة والسلام، وبالتالى من يَدعى النبوَّةَ فهو مفترى ويكذب على الله تعالى وعلى الناس.
إن «نشأت» لم يأتِ بشىء جديد، ولذلك حذرنا القرآنُ من الشيطان الذى يضل الناس: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِى هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) يس 60-62.
وعن مُدّعى النبوَّة، قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) الشعراء 221-222.







