الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

حذروا من كونها فقاعة ومصيدة مسممة للباحثين عن الثراء السريع خبراء لـ«روز اليوسف»: العملات المشفرة غطاء لغسل الأموال وتمويل الإرهاب

لا تزال العملات المشفرة تمثل حلماً للباحثين عن الثراء السريع دون مجهود رغم ما يحفها من مخاطر الوقوع فى براثن غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعديد من عمليات النصب العابرة للحدود، بالإضافة إلى تأثيرات تعدينها السلبى على البيئة، ناهينا عن نظرة بعض الخبراء إليها باعتبارها فقاعات من الوهم لا يمكن الوثوق بها.



يحذر عدد من الخبراء، فى تحقيق أجرته «روزاليوسف»، من خطورة التعامل بمثل هذه العملات، بل يصفونها بأنها مجرد وهم وسراب بلا أى ضوابط ونظم معتمدة، كما أن التغيرات الكبيرة التى تشهدها العملات المشفرة تعتبر مصدر قلق بعكس العملات التقليدية.

وشددوا على أن مطلقى هذه النوعية من العملات يستهدفون تحرير النظم المالية حول العالم من سلطة البنوك المركزية؛ ما يجعلها غطاء لعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما شهدت الفترة الماضية حالات وقائع تضع الكثير من علامات الاستفهام حول هذه العملات، كان أبرزها ما حدث فى فبراير الماضى حين ارتفعت عملة البيتكوين بنسبة 20 % عندما أضاف مالك شركة «تسلا» إيلون ماسك «هاشتاج» بيتكوين عبر حسابه على موقع «تويتر»، وقفز سعر العملة بعد أن كشفت شركة «تسلا» أنها اشترت عملة بيتكوين بقيمة 1.5 مليار دولار، وسرعان ما انخفضت فى مايو الماضى بنسبة 5.4 % بعد إعلان إيلون ماسك الانفصال عنها؛ بسبب مخاوف تتعلق بالمناخ.

 مخاطر اقتصادية 

يقول الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية: «حذرت فى أكثر من مناسبة من مخاطر العملات المشفرة حتى مع اعتراف بعض الدول والشركات بها إلا أنها ذات مخاطر كبيرة جدا؛ لأنها يمكن أن تكون وسائل للتهرب الضريبى، يلجأ إليها المزورون والأفاقون والمأجورون، كما يمكن أن تكون مصدرًا للأموال المشبوهة ولا أحد ينكر ذلك، كما أن التغيرات الكبيرة التى تشهدها العملات المشفرة تعتبر مصدر قلق بعكس العملات التقليدية».

ويضيف، أن العملات المشفرة يجرى تداولها فى سوق غير واقعية أو ملموسة، وليس لها وجود فيزيائى، لكنها تداولات تتم عبر منصات «البلوكتشين»، ومن وجهة نظرى تهدد الاقتصاد العالمى فموجة انتشارها قد تكون من باب اختبار للأسواق والاقتصادات.

ويرى أن خطورة هذه العملات فى أن الغالبية العظمى من المتداولين فى السوق يشترى على أساس افتراضات لا يمكن إثباتها، فما هى الافتراضات التى لدى المتعاملين فى سوق «البيتكوين» كمثال، وتضاعفت أسعارها بنحو 100 مرة مما كانت عليه عند ظهورها، ومع نشوة تحقيق مكاسب هائلة، اندفع الكثيرون نحو شراء العملة لأنهم يعتقدون أن الأسعار ستستمر فى الارتفاع، ما يجعل شراء «البتكوين» استثماراً رابحاً، ثم سجلت انهيارات كبيرة بسرعة، وكذلك استمرار التغير الحادث لها يزيد من مخاطرها.

ويستطرد: أن «معظم الذين يشترون العملات المشفرة يفترضون أنهم يريدون الاستفادة من ارتفاع الأسعار، وتحقيق مكاسب تتمثل فى الفرق بين سعر الشراء والبيع، ولكن هل يستمر الاتجاه فى الارتفاع إلى ما لا نهاية؟ بالعكس شهدنا موجات انهيار كبيرة».

ويعرب الشافعى عن استيائه بقوله إن: «هذه العملات ليست قانونية بالمعنى الحقيقى، فهى غير مدعومة بالذهب أو بعض الأصول الأخرى، على عكس معظم العملات العالمية التى تكون مدعومة من قبل الدول ذات السيادة، ومن النادر أن تتخلف الدول ذات السيادة عن الديون التى تؤدى بدورها إلى انهيار العملة».

القرصنة

من جهته يوضح محمد نجم، الباحث الاقتصادى، أن خطورة العملة المشفرة تكمن فى أنها تعتمد على نظام غير مركزى، لا يخضع للوائح والنظم، كما أن مطلقى هذه النوعية من العملات يستهدفون تحرير النظم المالية حول العالم من سلطة البنوك المركزية؛ ما يجعلها غطاء لعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويشير إلى الهجوم الإلكترونى الذى أجبر أكبر نظام لأنابيب نقل الوقود فى الولايات المتحدة على إغلاق شبكته بالكامل، وهو خط كولونيول بايبلاين بعد قرصنته إلكترونيًا، ما يجعل التعامل بهذا النظام تكتنفه ظلال من الشك، ويجبرنا على اتخاذ جوانب الحيطة بقدر الإمكان.

ويقول نجم: «تحولت عملة مشفرة مستوحاة من مسلسل لعبة الحبار الكورى أو «Squid Game» إلى لا شىء بعدما ارتفعت من سنت واحد إلى 2800 دولار فى أيام قليلة، وهذا يرجع إلى استغلال الشهرة والنجاح الذى حققه المسلسل الكورى squid game الذى عرض أخيراً على شاشة «نتفليكس»، فى الإيقاع بمستثمرين سذج عبر عملة مشفرة. وقبل أن يدرك المستثمرون الفخ الذى نصب لهم، اختفت الأموال».

ويضيف: إن هذا ليس معناه أن كل العملات المشفرة كذلك؛ لأن هذا مستقبل السداد والمدفوعات فى النهاية، وليس هناك مشكلة فى العملات الرقمية إذا كانت غير خارجة عن الرقابة.

 تقلبات مستمرة

من جانبه يشير محمد زين الكتبى، الكاتب الاقتصادى، إلى الواقعة الشهيرة التى حدثت عام 2010، عندما طلب أحد المبرمجين من زميله أن يدفع له ثمن البيتزا التى اشتراها، مقابل أن يمنحه 10 آلاف «بيتكوين»، والتى كانت الواحدة منها تعادل إجمالاً 40 دولاراً، هذه العشرة آلاف بيتكوين، تعادل ثروة هائلة الآن، مما يعكس الاهتمام المتزايد من قبل المتداولين، الذين يتهافتون على البيتكوين.

ويوضح أن البيتكوين عددها محدد، ولا يمكن حصر مالكيها، ومعرفة أماكنهم، بالإضافة إلى التذبذبات السعرية: «نستطيع طباعة عدد من العملات العادية لا حصر لها بخلاف البيتكوين، كما أنه لا يوجد مراكز جغرافية محددة لشرائها، بل يتم بيعها عبر مواقع محددة على الإنترنت، لكنّها غير رسمية مثل البنك المركزى على سبيل المثال».

ويعرب عن رغبته فى الاستفادة من النقطة الإيجابية فى هذا الأمر وفى تقنية البلوكتشين Blockchain؛ لأنها توفر معلومات واضحة تمامًا يتم تخزينها بشكل غير قابل للتغيير ويمكن التوصل إليها من قِبل أعضاء شبكة الاتصال المصرح لهم فقط، لكن «لا يزال ينقصنا التدريب على التكنولوجيا المالية لمواكبة التغيرات فى المجتمع الدولى».

 تغيرات مناخية

فى السياق يؤكد الدكتور أسامة إبراهيم، الباحث السابق بمعهد ماكس بلانك للكيمياء، أن زيادة استهلاك الكهرباء التى يحدثها تعدين العملات المشفرة تعنى زيادة حرق الوقود الأحفورى فى محطات توليد الكهرباء لإنتاج مزيد من الطاقة الكهربية؛ ما يؤدى إلى زيادة الانبعاثات الغازية الضارة للبيئة مثل أول وثانى أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت.

فى هذا الصدد يقول الدكتور محمد عبدالرازق، مدرس مناهج وطرق تعليم العلوم والتكنولوجيا بجامعة حلوان: إن هناك خوارزميات يتم استخدامها بشكل متواصل على مدارالـ 24ساعة من قبل أجهزة حاسوب قوية، تسمى mining أو التنقيب عن البيتكوين، وهذه الأجهزة تعمل بلا هوادة؛ فتكلف طاقة كهربية تستهلك وقوداً سواء غاز طبيعى أو ديزل أو فحم، وكلما ارتفع سعر البيتكوين، ارتفعت معها كمية الطاقة المستهلكة أيضاً، وبالتالى زيادة التلوث البيئى وانبعاثات غاز الكربون الذى يسرع من عملية الاحتباس الحرارى.

 ستار للتدليس

ويوضح فضيلة الشيخ محمود حمودة، عضو لجنة الفتوى، وأحد علماء الأزهر الشريف، حكم الدين فى التعامل بهذه العملات، مؤكداً أن عملة البتكوين لم تتوافر بها الشروط والضوابط اللازمة فى اعتبار العملات وتداولها؛ لأنها تشتمل على أنواع من الغش الخفى والجهالة فى معيارها ومصرفها، مما يفضى إلى وقوع التلبيس والتغرير فى حقيقتها بين المتعاملين، ويمكن بيان ذلك من خلال النقاط التالية:

1 - ترتفع نسبةُ المخاطرة فى المعاملات التى تجرى بالعملات الإلكترونية ارتفاعًا يصعب معه التنبؤُ بأسعارها وقيمتها؛ حيث إنها متروكةٌ إلى عوامِلَ غيرِ منضبطةٍ ولا مستقِرَّة، كأذواق المستهلكين وأمزجتهم، مما يجعلها سريعةَ التَّقلُّب وشديدةَ الغموضِ ارتفاعًا وهبوطًا، وهى بهذا تعتبر أكثر الأسواق مخاطرةً على الإطلاق.

2 - التَّعامل بهذه العملة بالبيع أو الشِّراء وحيازتِها يحتاجُ إلى تشفيرٍ عالى الحماية، مع ضرورة عمل نسخٍ احتياطيَّة منها من أجل صيانتها من عمليات القَرصنة والهجمات الإلكترونية لفَكِّ التَّشفير، وحفظها من الضَّياعِ، والتعرُّض لممارسات السَّرقة، أو إتلافِها من خلال إصابَتِها بالفيروسات الخطيرة، مما يجعلُها غيرَ متاحةِ التداول بين عامَّة النَّاس بسهولةٍ ويُسْرٍ؛ كما هو الشأن فى العملات المعتبرة التى يُشترط لها الرَّواج بين العامَّة والخاصَّة.

ويقول: «أشارت هيئات علمية ومجامع فقهية كثيرة إلى أنَّ عُمْلَةَ البتكوين تحتاجُ إلى دراسةٍ عميقةٍ؛ لتشعُّبها وفنيَّاتِها الدقيقة؛ كشأن صور العملات الإلكترونية المتاحة فى سوق الصرف، إضافةً إلى الحاجة الشديدة لضبط شروط هذه المعاملة والتكييف الصَّحيح لها، والذى أراه أن التعامل بالبيتكوين له السلبيات المتقدم ذكرها وغيرها، وهناك ضرر ناشئ عن الغرر والجهالة والغش فى مصرفها ومعيارها وقيمتها، وذلك يدخل فى عموم قول النبى: «من غشنا فليس منا»، فضلاً عما تؤدى إليه ممارستها من مخاطر عالية على الأفراد والدول، والقاعدة الشرعية تقرر أنه لا ضرر ولا ضرار».

 قانون رادع

من جهته يؤكد الباحث والمستشار القانونى محمد خليل، أن العملات الافتراضية المشفرة مثل عملة «البيتكوين» يوجد بها عمليات نصب، والتعامل بها غير مشروع؛ لأن البنك المركزى يؤكد على أهمية ما تقضى به المادة (206) من قانون البنك المركزى والجهاز المصرفى الصادر بالقانون رقم 194 لسنة 2020 من «حظر إصدار العملات المشفرة أو الاتجار فيها أو الترويج لها أو إنشاء أو تشغيل منصات لتداولها أو تنفيذ الأنشطة المتعلقة بها، بدون الحصول على ترخيص من مجلس إدارة البنك المركزى طبقا للقواعد والإجراءات التى يحددها».