الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

مدير عام المجلس الاقتصادى والاجتماعى فى لبنان د.محمد سيف الدين لـ«روزاليوسف»: الغاز المصرى يضىء لبنان ويبدد ظلامه

«سيضىء الغاز المصرى بلد الأرز فى وقت قريب.. واللبنانيون شعروا بالارتياح وخفف من ضغط الأزمة بمجرد فتح أفق التعاون مع مصر فى حل أزمة الكهرباء».. هذا وصفٌ بسيط لـ«بُشرة خير» تحملها مصر إلى لبنان الذى يعيش أبناءُ شعبه فى ظلام دامس بسبب أزمة الكهرباء التى تصاعدت وبلغت ذروتها وأصبحت توفر «النور» للمواطن 3 ساعات على الأكثر فى اليوم، حتى وصل الحال إلى انقطاع الكهرباء بالكامل عن الدولة فى الشهرين الأخيرين 3 مرات من بينها مرة لمدة 4 أيام، وذلك على حد قول مدير عام المجلس الاقتصادى والاجتماعى فى لبنان د.«محمد سيف الدين» فى حواره مع «روزاليوسف».



والذى تناول أبعادَ الاتفاق والمذكرة التى وقّعت بين مصر ولبنان، والتى تتعلق بإمداد لبنان بالغاز المصرى عبر الأردن وسوريا؛ لإنتاج كهرباء فى الأردن، التى تنقل إلى لبنان عبر شبكة الربط، ليتم حل جزء كبير للغاية من أزمة الكهرباء المزمنة فى هذا البلد.

وحتى نفهم ما هو لبنان وكيف كان؟!.. فعلى سبيل المثال، فى هذا البلد كان يذهب الطلاب المصريون فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى بتكلفة بسيطة للعمل فى أشهُر الصيف الأربعة؛ لتحصيل مصروفاتهم الدراسية وأحيانًا معيشة ذويهم بقية العام، وفى هذا البلد أيضًا تعلم الآلافُ من الشباب من دول عربية وخليجية، فكان يُطلق عليه سويسرا الشرق وباريس العرب لما يتميز به من أنوار وأضواء فى كل مكان، وشوارع وطرُق مفعمة بحب الحياة، ولكن مع تراكم المشاكل والصعاب التى من بينها أزمة الكهرباء والطاقة، تبدلت الصورة تمامًا، ليأتى فى الوقت الحالى، الجزء الأكبر من الحل عبر القاهرة..

 فى البداية.. ما هو المجلس الاقتصادى والاجتماعى فى لبنان؟

- هو مجلس استشارى معمول به فى العديد من الدول وأيضًا فى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، الهدفُ منه إعطاء الرأى والمشورة للحكومة ومتخذى وأصحاب القرار، فى الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية، ودوره فى لبنان استشارى لرئاسة الحكومة فى الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية، والمؤسّسة الوحيدة المشكّلة من 46 قطاعًا مختلفًا وتضم كل أطراف الإنتاج، هو الذى يجمع اتحاد العمال العام من جهة والهيئات الاقتصادية، ونقباء المهن الحُرة وأكاديميين وخبراء، يصيغون سياسيات واقتراحات لسياسات لتنتقل إلى الحكومة وتختار منها ما يناسب من السياسات. للمجلس صلاحية بوضع يده على أى موضوع أو قضية اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية، ما عدا الأمور العسكرية وأمور الموازنة العامة الكلية، الذى يصدر بقانون من مجلس النواب، ولكن لديه صلاحية مناقشة بنود من الموازنة لأنها عادة بنود اقتصادية ومالية.

 ما دوره فى التعامل مع أزمة الطاقة والكهرباء فى لبنان؟

- المجلس تأسّس منذ 20 سنة، فى البداية دخل فى سُبات عميق لعدم صدور قرار بتشكيله وظل معطلاً حتى عام 2017، وتم تفعيل عمله منذ هذا العام حتى الآن؛ ليقدم مجموعة من الخطط والمشروعات أرسلت إلى الحكومة، منها ما يتعلق بالطاقة وخفض العجز بالموازنة قبل الوصول للانهيار المالى الحالى، وضعنا إجراءات لو كانت نفذت كانت ستعيد بعضًا من التوازن إلى المالية العامة وإجراءات احترازية تمنع السيناريو الحالى من الانهيار المالى الذى وصلنا اليه.

 هل من الممكن هنا توصيف أدق لهذه الأزمة المزمنة؟

- أزمة الكهرباء فى لبنان، تدرس فى لجان المجلس بشكل مستمر، ودائمًا ما كان هناك اقتراحات ببناء محطات ثابتة للكهرباء تعمل بالغاز الطبيعى وليست بواخر عائمة تحمل معامل مستأجرة لتوليد الكهرباء تكلفتها عالية ومرهقة للخزينة العامة ومتسببة بجزء كبير من الدين العام؛ حيث إن كلفة هدر الكهرباء فى لبنان، التقنى وغير التقنى، تصل ما بين 48 إلى 50 مليار دولار مع خدمة الدين والفوائد خلال الـ20 سنة الماضية، القسم الأكبر منها منذ عام 2008 حتى اليوم، تعادل نصف الدين العام اللبنانى، وهو ناتج من أزمة الكهرباء بشكل مباشر أو غير مباشر؛ حيث يقارب الدين العام نحو 100 مليار دولار، فضلاً عن أن هناك تكلفة بيئية فى ظل الاعتماد على الزيت والمازوت فى إنتاج الكهرباء، مما يكون له تكلفة بيئية عالية وأغلى ثمنًا.

 ما هو شكل الأزمة الحالية المتعلقة بالكهرباء فى لبنان؟

- اليوم فى لبنان، نحن فى خليط من الأبعاد والتعقيدات فى فشل هذا القطاع، والتى لها أبعاد تاريخية وإجرائية، تتعلق بعدم توافر الاعتماد المالى لإنتاج الطاقة والبنية التحتية وعدم قدرة المعامل على توفير المطلوب من الإنتاج المحلى من الطاقة، بالتالى هناك فجوة بين ما ينتج من الكهرباء وما يتم استهلاكه.

 ما هو مقدار الكهرباء التى ينتجها لبنان لتوفير احتياجات المواطن؟

- ينتج لبنان أقل بكثير من ربع احتياجات المواطن للكهرباء فى الوقت الحالى؛ خصوصًا مع عدم توافر الاعتمادات المالية، فى السابق كان يوفر جزء كبير من هذه الاحتياجات عبر البواخر التى أثير حولها جدل كبير والعديد من الشبهات، والغريب فى هذا الأمر أن تكلفة استئجار هذه البواخر، أكبر من تكلفة شراء المعامل المتواجدة فى الباخرة، واستئجاره أيضًا أعلى من تكلفة بناء معمل أو محطة ثابتة لتوليد الكهرباء.

 كم تحتاج حل أزمة الكهرباء فى لبنان بشكل عام؟

- حل أزمة الكهرباء فى لبنان يحتاج 2.5 مليار دولار لبناء محطات ثابتة لتوليد الكهرباء، هناك معملان رئيسيّان الآن، واقترح إضافة معمل ثالث، نحن نتحدث عن أزمة متحركة، التغذية من كهرباء الدولة للمواطن تصل 3 ساعات يوميًا وهى متحركة مع استفحال الأزمة حتى يصل الأمر إلى عدم توافر الـ3 ساعات فى الكثير من الأحيان، وبقية التغذية تكون من مولدات خاصة أسفل البنايات والمساكن؛ ليتم تأمين الـ 21 ساعة المتبقية فى اليوم، وهذه المولدات ذات تكلفة عالية على جيب المواطن، سأقرّب الصورة بمثال بسيط: «قوة التيار الـ 5 أمبير الذى يؤمّن انقطاع 12 ساعة الكهرباء لعائلة مكونة من 4 أفراد كاشتراك، يكون بـ 1.5 مليون ليرة، أى 75 دولارًا، أى ضعفين ونصف الحد الأدنى للأجور فى لبنان.. أى أن المواطن الذى يتقاضى الحد الأدنى للأجور، يحتاج 250 % من راتبه لتغطية تكلفة المولد الخاص الذى يؤمّن انقطاع الكهرباء 12 ساعة يوميًا»، كل ذلك من دون تكاليف الحياة اليومية من طعام وشراب وتعليم وعلاج ومصاريف يومية أخرى.

 المواطن اللبنانى ليس جديدًا عليه انقطاع الكهرباء، ولكن منذ أسبوعين جاءت فترة من الليل وانقطعت الكهرباء فى لبنان بالكامل.. كيف كان رد فعل ذلك؟

- انقطعت الكهرباء فى الشهرين الأخيرين بالكامل فى توقيت واحد عن لبنان 3 مرات، المرة الأولى انقطعت الكهرباء 4 أيام وكانت الإنارة عبر المولدات الخاصة فقط، وهذا المشهد مؤثر بشكل كارثى على حياة المواطنين وعلى تكلفة المعيشة لأن ذلك لا يتعلق بانقطاع الكهرباء فقط، ولكن على كلفة شراء السلع الأساسية؛ لأن كل المؤسّسات هنا تستخدم المولدات الخاصة غالية الثمَن على المحلات التجارية والمطاعم والقطاع الصناعى وبالتالى ترتفع أسعار كل السلع والخدمات، لندخل فى حلقة مفرغة يدفع ثمَنَها المواطنُ الذى يكون عليه الثقل الأساسى.

 ما هو التسلسل التاريخى لهذه الأزمة؟

- وقت الحرب الأهلية كان هناك تغذية متذبذبة ولكن الكهرباء كانت متواجدة فى النهاية حتى فى ظل ظروف لدولة تشهد حربًا فمن الطبيعى أن تشهد عدم استقرار، ولكن بعد الحرب من 30 سنة مع مرحلة إعادة الإعمار أصبح هناك تحسن للتغذية الكهربائية ومن عام 2000 إلى 2004 فى بيروت كانت 24 ساعة ومناطق أخرى من 19 إلى 21 ساعة وهذه تعتبر تقريبًا تغذية تامة ولم تكن الكلفة كبيرة على المواطن، وذلك كله بجانب مشكلة مزمنة تتعلق بوجود هدر تقنى وغير تقنى.

 كيف ترى دور مصر فى حل أزمة الكهرباء؟

- دور مصر مع لبنان مهم جدًا على جميع المستويات، وهناك دور كبير على مستوى العلاقات الاقتصادية خاصة بالفترة الحالية، وتوجد قاعدة أساسية نؤمن بها جميعًا وهى: «عندما تقوَى مصر تقوَى الدول العربية والبلدان المحيطة»، وهذا أمرٌ تاريخى، وقبل الخوض فى موضوع الطاقة والكهرباء، استفدنا من التجربة المصرية على مستوى المجلس الاقتصادى والاجتماعى فى موضوع البطاقات التموينية، وهى ما تسمى فى لبنان بالبطاقة التمويلية، التجربة المصرية مهمة فى هذا الصدد؛ خصوصًا فى تنقية البطاقات التموينية وتوصيل الدعم لمستحقيه.

 نعود إلى موضوع الكهرباء والطاقة.. ما هو وضعيته بين مصر ولبنان؟

- الاتفاق الحالى والمذكرة التى وقّعت بين مصر ولبنان، تتعلق بإمداد لبنان بالغاز المصرى عبر الأردن وسوريا لإنتاج كهرباء فى الأردن ثم تحول إلى لبنان عبر شبكة الربط، وأهمية الاتفاق له بُعد اقتصادى مهم كشبكة كهرباء عربية وربط للطاقة، وأشدد هنا مجددًا على أهمية نمو مصر اقتصاديًا والعودة للعب دورها، وعلى مستوى أزمة لبنان فى الطاقة، سيسد الغاز المصرى بشكل مباشر احتياجًا كبيرًا للغاية من الكهرباء فى لحظة مصيرية للبنان خلال أشهُر على أرض الواقع.

 إلى أى مدى سيحل التعاون مع مصر أزمة الكهرباء فى لبنان؟

- بمجرد فتح الأفق لهذا الأمر، شعر اللبنانيون بالارتياح وخفف من ضغط الأزمة؛ خصوصًا أنه فى الأشهُر الماضية لم يكن هناك أفق للحل، ولدينا ثقة فى ذلك مع نجاح التجربة المصرية، بعد أن كانت هناك أزمة كهرباء كبيرة فى مصر منذ سنوات، أصبحت مصر لديها طاقة فائضة قابلة للتصدير الآن، ولذلك دائمًا عندما نتحدث عن أزمة الكهرباء فى لبنان وإمكانية حلها، تكون التجربة المصرية الناجحة حاضرة.

 هل كان هناك عروض أخرى، وهل كان للعرض المصرى أفضلية؟

- لم يكن هناك عروض بمستوى العرض المصرى، الأمر لا يتعلق بإنتاج الطاقة فقط وحجم ما يحتاجه لبنان من الاستهلاك، هناك مشكلة فى البنية التحتية، حتى لو توافرت الكمية المطلوبة، لا يمكن الاستفادة منها بالشبكة الحالية لأن هناك ضرورة واحتياج خبرات لمعالجة البنية التحتية للشبكة الحالية فيما يتعلق بخطوط النقل ومحولات الإنتاج.

 كيف سيؤثر حل أزمة الكهرباء على بقية القطاعات فى لبنان.. على سبيل المثال السياحة، الاستثمارات؟

- توفر الكهرباء بكلفة مقبولة عبر الدولة، سيحدث انقلاب بالصورة بشكل إيجابى، بمعنى إذا توافرت الكهرباء سيكون هناك استفادة بالدرجة الأولى للقطاع السياحى والصناعى وإطلاق أعمال جديدة وأخرى فى لبنان وستنخفض الكلفة على رجل الشارع اللبنانى، وستختلف نظرة المستثمر إلى لبنان مع اختلاف نظرة مؤسّسات التصنيف الائتمانى الدولى إلى لبنان، والأمر سيكون بمثابة رسالة لها واقع كبير إلى العالم بأن لبنان انطلق نحو الإصلاح وذلك من الملف الأكثر مأساوية وهو الكهرباء والطاقة.