الأحد 17 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الشيخ و المريد فى الصوفية.. «تقديس» أم «اتباع»؟

يُمثِّل مشايخ الطرق الصوفية فى نظر أتباعهم حالة من الطاعة غير المسبوقة أو المعهودة بين الناس؛ حيث يرى المريد فى الطريقة الصوفية أن الشيخ له قدرات خاصة، تصل لحد التعلُّم بالنظرة، وتجعل المريد فى حالة انصياع دائم للشيخ فى الطريق.



 

والشيخ عند المتصوفة هو الأساس فى كل طريقة، وما تفرقت الطرق إلا اتباعًا لشيخ، وتسمى كلها باسم مشايخها ومؤسسيها، ومع الزمن تتفرع الطريقة الواحدة إلى طرق كثيرة تحمل أسماء مشايخها الجدد، وهو ما أقره القانون المنظم للطرق الصوفية؛ حيث نصت المادة رقم 28 من قانون تنظيم الطرق الصوفية أن يكون لكل طريقة من الطرق الصوفية شيخ وشيخ الطريقة هو الرئيس الروحى والإدارى لها.

ولقد أورد الصوفية العديد من الحديث عن الشيخ المربى وجعلوه فى مرتبة عالية فوق الناس، فيقول عبدالقادر الجيلانى: من لم يعتقد فى شيخه الكمال لا يفلح أبدًا، ويقول عبدالوهاب الشعرانى (أحد أقطاب الصوفية): إذا صدق المريد مع شيخه وناداه من مسيرة ألف عام، أجابه حيًا كان الشيخ أو ميتًا.

ويرى كثير من خارج الطرق الصوفية أن %90 من أتباع الصوفية يقدسون مشايخهم ويرونهم امتدادًا لمنهج آل البيت ولذلك أصبح أتباع بعض الطرق يرفعون مكانة شيخ الطريقة إلى مكانة قد يراها غيرهم بأنها تجاوز فى العقيدة.

إلا أن مشايخ الطرق يرون فى اتباع مريديهم لهم بصورة قد يراها البعض تقديسًا، ما هو إلا أدب تعلموه من خلال التصوُّف؛ حيث إن الشيخ هو القيم أو الأستاذ الذى يقوم بتطبيق برنامج تربوي، يهتم بتطهير النفس من كل أمراضها التى تحجب الإنسان عن الله عز وجل، وتقويم انحرافاته النفسية والسلوكية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان مع الله ومع الآخر ومع الذات،

 التابع المطيع

والمريدون فى الصوفية يرون فى شيخهم المدد، ويقول د.عمار على حسن الكاتب والمحلل السياسى: المريد هو تابع مطيع أمين لشيخه بشكل تكاد أن تنتفى فيه شخصيته تمامًا.  فالمريد فى طريق إذا ضرب يده بيد شيخه أصبح مملوكًا لشيخه ملكًا تامًا لا يصدر إلا عن رأيه ولا يعمل عملًا كبيرًا أو صغيرًا إلا بإرشاده ولا يغادر مجلسه إلا إلى سعيه فى طلب الرزق، وللشيخ الحق فى أن يتحرى خصائص حالته ودقائقها ويعرف ما يجول بخاطره من أفكار وما يتركز فى قرارة نفسه من اتجاه.

ولذلك نرى للمريدين فى الصوفى أقوال كثيرة توضح مدى إجلالهم لمشايخهم فى الطريقة الصوفية التى ينتمون إليها. فمن أقوال مريدي الطريقة الحامدية الشاذلية مثلا فى شيخهم سلامة الراضى: إن الشيخ سلامة أكثر من أمة كاملة تجمعت فى هذا الجسم الذى هزه الجهاد وأبراه الكفاح وأبعده طول السير فى طريق الله.

ويتحدث مريدو الطريقة الخليلية عن شيخهم على المنوال نفسه فيقولون: «إن التحدث عن العارف الربانى والقطب الصمدانى سيدنا وأستاذنا الشيخ محمد أبو خليل رضى الله عنه هو فى الواقع تحدث عن الفضل الإلهى العظيم الذى اختص الله تعالى به أحد الأئمة من أوليائه والخلص من أصفيائه ومن سبقت له العناية الأزلية».

 إرشاد لا تقديس

من جهته، يرى الشيخ أحمد التسقيانى شيخ الطريقة التسقيانية أن تقديس المريدين للشيخ موجود لدى بعض الطرق الصوفية، وهو مرفوض؛ حيث يرفعون الشيخ مرتبة عالية، ويجمعون لهم الأموال تحت مسمى النفحات ويتمسحون بهم..  لكنْ هناك طرق معتدلة ترفض هذا التقديس والشيخ فيها يخدم المريدين ويرشدهم.

وأوضح قائلا: «عاتبت شيخ طريقة فى طريقة معاملة المريدين له بصورة تصل للتقديس»، فالرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لم يكن بينه وبين الصحابة تقديس؛ بل كان «صلى الله عليه وسلم» متواضعًا، مؤكدًا أن الطريق فى التصوف إرشاد وليس تقديسًا.

 آداب المريد

وحول طاعة الصوفية لمشايخهم طاعة عمياء يقول أمين عام الاتحاد العالمى للطرق الصوفية، والمتحدث باسم الطريقة العزمية  د. عبدالحليم العزمى إن الشيوخ عند الصوفية ثلاثة: شيخ بركة، وشيخ تعليم، وشيخ تربية. فأما شيخ البركة فهو شيخ متغير، لا يحتاج لربط المريدين به، فالمريدون يطلبون البركة والدعاء من جميع المشايخ، وقد قال عنه الصوفية: (اعرف شيخك، وحبِّ الكل).

وأما شيخ التعليم:فهو الشيخ الذى يأخذ المريد منه العلم، وقد لا يكون شيخًا واحدًا؛ بل يستمع لشيخ فى الفقه، وآخر فى الحديث، وثالث فى التفسير، ولا تجتمع العلوم كلها إلا فى وارث محمدى واحد فى كل عصر، وحتى هذا الوارث لا يطلب من مريديه التسليم المطلق وعدم أخذ العلم من غيره، فيقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبوالعزائم: (يا بنى إذا وجدت من هو أعلم منى، فخذ بيدى كى أبايعه معك، واستغفر لى الله أنى قد حجبتك عنه).

أضاف أن شيخ التربية فهو كالطبيب المعالج، يتزكى ويتربى على يديه المريد، ولأن التربية الروحية كالعلاج الطبى، فلا يستحب الاستماع فيه لأكثر من طبيب معالج، ولذلك يرتبط به المريد.

وكما الحال فى المدارس التعليمية، من وجود ضوابط وآداب، فإن المدارس التربوية عند الصوفية فيها آداب، يلتزم بها المريد تجاه شيخه.

وقال العزمى إن آداب المريد مع شيخه نوعان: آداب باطنة، وآداب ظاهرة، فأما الآداب الباطنة فهى الاستسلام للشيخ وطاعته فى جميع أوامره ونصائحه، وليس هذا من باب الانقياد الأعمى الذى يهمل فيه المرء عقله ويتخلى عن شخصيته، ولكنه من باب التسليم لِذى الاختصاص والخبرة؛ بعد الإيمان الجازم بمقدمات فكرية أساسية، منها التصديق الراسخ بإذنه وأهليته واختصاصه وحكمته ورحمته، وأنه جمع بين الشريعة والحقيقة، وهذا يشبه تمامًا استسلام المريض لطبيبه استسلامًا كليًّا فى جميع معالجاته وتوصياته، ولا يُعَدُّ المريض فى هذا الحال مهملًا لعقله متخليًا عن كيانه وشخصيته، بل يُعْتَبَرُ منصفًا عاقلًا لأنه سلَّم لذى الاختصاص، وكان صادقًا فى طلب الشفاء.. ولفت إلى أنه لا يجوز للمريد فى الصوفية الاعتراض على شيخه فى طريقة تربية مريديه؛ لأنه مجتهد فى هذا الباب عن علم واختصاص وخبرة، كما لا ينبغى أن يفتح المريد على نفسه باب النقد لكل تصرف من تصرفات شيخه؛ فهذا من شأنه أن يُضْعِفَ ثقته به ويَحجُبَ عنه خيرًا كثيرًا، ويَقطعَ الصلة القلبية والمدد الروحى بينه وبين شيخه.

كما يوضح العزمى أن الشيخ فى الصوفية ليس معصومًا فلا يعتقد المريد فى شيخه العصمة، فإن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم؛ إذ قد تصدر منه الهفوات والزلات، ولكنه لا يصر عليها ولا تتعلق همته أبدًا بغير الله تعالى؛ لأنه إذا اعتقد المريد فى شيخه العصمة، ثم رأى منه ما يخالف ذلك، وقع فى الاعتراض والاضطراب مما يسبب له القطيعة والحرمان، لافتًا إلى أنه لا ينبغى للمريد حين يعتقد فى شيخه عدم العصمة أن يضع بين عينيه دائمًا احتمال خطأ شيخه فى كل أمر من أوامره أو توجيه من توجيهاته؛ لأنه بذلك يمنع عن نفسه الاستفادة.

ومن الآداب الباطنة من المريد للشيخ، التى أوضحها العزمى، تعظيمه وحفظ حرمته حاضرًا وغائبًا، وأن يحب شيخه محبة فائقة شريطة ألا ينقص من قدر بقية الشيوخ، وألا يصل غلوه فى المحبة إلى حدٍ فاسد؛ بأن يُخرج شيخه عن طور البشرية، وإنما تقوى محبة المريد لشيخه بموافقته له أمرًا ونهيًا ما دام ملتزمًا بصريح كتاب الله تعالى وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكمال معرفتِهِ لله تعالى فى سيره وسلوكه، فالمريد كلما كبرت شخصيته بالموافقة ازدادت معرفته، وكلما ازدادت معرفته ازدادت محبته.