الإثنين 12 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

روزاليوسف تحقق من محيط العمارة المنكوبة تقسيم عمر بن الخطاب.. سكان على قوائم انتظار الموت

فى الساعات الأولى من صباح السبت الماضى، بينما كان الهدوء يخيم على تقسيم عمر بن الخطاب بمنطقة جسر السويس التابع لحى أول السلام، إذا بصوت انفجار يهز أركان المنطقة، فهرع المواطنون ليكتشفوا انهيار «عمارة ثلاجة الزهراء»، الحادث رغم فجاعته لم يكن مفاجئًا؛ فكل الشواهد المسبقة كانت تنذر بوقوع الكارثة.



 

من بين الحطام انتشل رجال الحماية المدنية والإسعاف ضحايا العمارة المنكوبة، 24 وفاة، و25 إصابة، ومفقود، كانت الحصيلة النهائية لسكان دفعوا حياتهم ثمنًا لجشع شخص من بين مئات قرروا «احتلال» المنطقة السكنية وتحويلها لـ«قنبلة موقوتة»، باستغلال جراج وبدروم العمارات كمخازن أقمشة ومصانع تحوى مواد خطرة، فى مخالفة للقوانين المعنية بتنظيم المناطق السكنية، ما دفع الأهالى للاستغاثة بالرئيس عبدالفتاح السيسى، بعدما تحولت منطقتهم الهادئة لكابوس مؤرق يهدد أمنهم وحياتهم.

وعلى الفور سارع الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء، بإصدار قرار يضع المنطقة «تحت الفحص الحكومى»، بتشكيل لجنة فنية برئاسة ممثل عن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وعضوية كل من: ممثل عن الكلية الفنية العسكرية، وممثل عن هيئة الرقابة الإدارية، وممثل عن مركز بحوث البناء والإسكان، وممثل عن جهاز التفتيش الفنى على أعمال البناء، إلى جانب اثنين من أساتذة كلية الهندسة بجامعة عين شمس يختارهما رئيس الجامعة، على أن تستعين اللجنة بمن تراه من ذوى الخبرة والمتخصصين لمعاونتها فى المهام المسندة إليها، والمتمثلة فى معاينة المبانى، والمحلات، والورش، والمصانع، بمنطقة عمر بن الخطاب، والشوارع الجانبية لها، وشارع جمال عبدالناصر، بمنطقة جسر السويس، والتأكد من السلامة الإنشائية للعمارات والمبانى الكائنة بها وحالتها وتحديد مدى سلامتها، وإعداد تقرير مُفصل بنتائج أعمالها وتوصياتها وآليات تنفيذها خلال شهر من تاريخه، يعرضه رئيسها على رئيس مجلس الوزراء تمهيدا لاتخاذ ما يلزم بشأنه، وألزم القرار الجهات المختصة بالتنفيذ.

ثلاجة الموت 

أُسر رحلت، وذكريات طمست، وناجون لم يتبق من أحلامهم سوى الركام، هذا هو الحال تحت أنقاض العمارة المنكوبة، «ثلاجة الزهراء» هكذا سميت ونُسب إليها اسم الشارع، تحولت بعد نحو ثلاثة عقود من إنشائها من مسكن معيشتهم إلى ثلاجة موتهم.

شهود عيان أكدوا أن مسئولية الحادث تقع على صاحب مصنع الأقمشة «سورى الجنسية»، حيث امتلك الثلاثة أدوار الأولى من العمارة، وقام بتعديلات إنشائية على الدور الأول، لتوسعته وتحويله إلى معرض للأقمشة كما هو الحال فى معظم المنطقة، فأدى ذلك لحدوث ميل بسيط للعمارة قبل يومين من سقوطها، إلا أنه استمر فى التعديلات حتى انهارت، فجر السبت الماضى.

وفقًا لما حصلنا عليه، فقد أنشئت ثلاجة الزهراء فى الثمانينيات، وكانت ثلاجة لحفظ المجمدات الغذائية، وبقيت لسنوات على هذا الحال، إلى أن تم زيادة عدد أدوارها إلى أن وصلت 11 دورًا، وذلك بالمخالفة لتنظيم البناء بتلك المنطقة، فتقسيم عمر بن الخطاب يتبع لجمعية تحمل الاسم ذاته، وقد قسمها إلى 497 قطعة أرض بحيث تشمل كل قطعة عمارة واحدة، على ألا يتعدى ارتفاعها 20 مترا، كما خطط لها بأن يحوى التقسيم 20 محلًا فقط فى أماكن محددة.

تفاصيل الحادث ستكشفه تحقيقات النيابة، التى باشرت عملها منذ وقوع الحادث، ولكن كثرة المخالفات بالمنطقة دفعتنا لمحاولة البحث فى ما قبل الكارثة، وعما يدور فى محيط «ثلاجة الموت».

سكان على قوائم انتظار الموت

«محرر روز اليوسف» تجول فى شوارع تقسيم عمر بن الخطاب، للبحث خلف استغاثات سكان المنطقة الذين وصفوا وضعهم بأنهم على «قوائم انتظار الموت»، بعدما تحولت «جراجات» العمارات لمخازن أقمشة ومصانع غير مرخصة.

محاولة اكتشاف ما يدور داخل جراجات المنطقة لم يكن سهلًا، فمعظمها بالشوارع الجانبية كانت مغلقة ببوابات حديدية وكأن حظر تجوال قد فرض بالمنطقة، بجانب الخوف الذى تملك الكثير من حراس العقارات وأصحاب المحال البسيطة، بعدما أصبحت منطقتهم ساحة لمتعاطى المخدرات والبلطجية، لا زلت أتذكر نظرة الخوف بأعين زوجة حارس عقار بشارع هانى عبدالوهاب، بعدما سألتها عن جراج مغلق مقابل لها -عرفت مسبقا أنه مخزن للأقمشة-، فأجابت: «أيوه مخزن قماش بس قفلوه علشان الدوشة»، إلا أنها سارعت بنفى كلامها بعد علمها بهويتى الصحفية، «ده جراج وليس مخزنا للقماش، والله مبكدب عليك». 

وعلى بعد أمتار بذات الشارع، قابلت صاحب عربية كبدة وقد تحدث باقتضاب «محدش هيقولك حاجة، السوريون سيطروا على التقسيم وخربوه بعدما امتلأ بعمال مصانعهم من متعاطى المخدرات، وقد أغلقوا مخازن الأقمشة بعد سقوط العمارة». 

وتزامنًا مع تواجدى بشارع «القرش» رصدت شن حملات على بعض محال القماش والمخازن، وبالفعل تم تشميع عدد منها، إلا إنه عقب بضع ساعات كانت المفاجأة بإعادة فتح تلك المخازن، وهذا ما أكده سكان المنطقة بأن الحملات على تلك المحال «مسألة وقت» حيث يتم فك الشمع وإعادة فتحها من جديد، بعد مغادرة موظفى الحى.

وفى شارع «محمد إبراهيم» يكمن الخطر الأكبر الذى قد ينذر بكارثة جديدة، فإحدى العمارات لا تختلف كثيرًا عن عمارة الثلاجة، فبالمخالفة للتصريح المخصص لها بـ 5 أدوار وصلت العمارة لـ11 دورا، وقد تحول جراجها لمصبغة تحوى مواد خطرة، ويقول أحد سكانها «العمارة أساساتها باشت، لأن المصبغة الغير مرخصة تستخدم كميات كبيرة من المياه، وأصبحنا ننتظر الموت كما حدث فى العمارة المنكوبة، نتمنى فحص العمارة هندسيا قبل وقوع كارثة جديدة»، وبالفعل سقطت المصبغة الاثنين الماضى فى قبضة إحدى الحملات وتم تشميعها، ولكن كعادة المنطقة هناك تم إعادة فتحها مساء اليوم التالى، وقد رصدت «روزاليوسف» بالصور عمليات نقل بضائع من داخل المصبغة بعد تشميعها بـ24 ساعة.

الأمر لا يقتصر على مخازن الأقمشة الغير مرخصة، والمنتشرة بالعديد من الشوارع من بينها، حسن الصياد، والصفا، أبوبكر الصديق، أحمد لاشين، شارع 18، والمسجد الكبير، محمد إبراهيم، فقد لجأ بعض أصحاب المخازن لفتح سراديب أسفل العمارات لتخزين منتجاتهم بعيدًا عن أعين الرقابة، مما قد يسبب كارثة جديدة حال نشوب حريق بتلك الأماكن المغلقة ببوابات حديدية.

«احتلال مقنن» للمنطقة 

شهد تقسيم عمر بن الخطاب ارتفاعًا مضاعفًا فى أسعار الوحدات السكنية، والسوريون كانوا دائما كلمة السر هناك، فقد اختاروا المنطقة كمركز لتجارة بيع الأقمشة، والبداية كانت قبل ثلاث سنوات، يقول «محمد» أحد سكان تقسيم عمر بن الخطاب بشارع محمد إبراهيم، «أسكن المنطقة منذ 7 سنوات ولم تكن بتلك العشوائية التى ضربتها منذ قدوم السوريين قبل 3 سنوات، فتواجدهم أشبه بالاحتلال المقنن، فقد توسعوا بفتح المئات من محال الأقمشة، وسيطروا على أكثر من 95% من جراجات العمارات لتحويلها مخازن لتجارتهم، فهم يستغلون حاجة البعض للمال ويعرضون عليهم 3 أضعاف سعر وحدتهم السكنية لتحويلها لمحال للقماش».

وأضاف «كنا معرضون لمثل حادث عمارة الثلاجة، فقبل أشهر اشترى شخص سورى الدور الأول بالعمارة، ولاحظنا قيامه بأعمال تكسير موسعة، فعلمنا برغبته فى تحويل الشقق السكنية إلى مول تجارى، فتصدينا له خوفا على حياتنا، وقد عرض على أحد السوريين شراء شقتى بالدور الثانى مقابل مليونين ونصف فى حين أن سعرها 700 ألف جنيه، لكنى رفضت أن أشاركه فى جريمة قد تقع مستقبلا، فقضيتنا أمن قومى مصرى».

«مش عاوزين غير إن منطقتنا ترجع آمنة»، هكذا عبر «محمد مصطفى» عن مأساتهم اليومية، مضيفًا أنهم معرضون للموت حرقًا كما حدث فى عمارة فيصل، بسبب مخازن الأقمشة أسف عماراتهم «ماس كهربائى وهنموت كلنا»، مشيرًا إلى أن فى حال وقوع حريق لن تتمكن الحماية المدنية من إنقاذهم بسبب سيارات الأقمشة التى تغلق الشارع طوال اليوم.

التخوف ذاته أكده «حاتم صلاح» الذى يعانى منذ سنوات من «التغول التجارى»، يقول «أسفل عمارتى 6 محلات للقماش، وحاول أحدهم التوسعة بإزالة بعض الأعمدة، لكنا منعناه بالقوة بعدما فشلنا بالوصول للمسئولين بالحى». 

برلمانى يطالب بإقالة محافظ القاهرة

ومن جهته قال النائب خالد أبو نحول، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، إن الوضع فى تقسيم عمر بن الخطاب كارثى، وأن المنطقة تعرضت لهجمة عشوائية لتحويلها من سكنية إلى تجارية بالمخالفة للقانون، وكانت آخر تبعاتها سقوط عمارة الزهراء، مطالبًا بإقالة محافظ القاهرة باعتباره المسئول عن الأحياء المختنقة بالفساد، ومنها حى أول السلام «أخبرت المحافظ بفساد حى أول السلام، لكن ردوده كانت أشبه بالمسكنات، لذا أطالب بإقالته».

وأضاف «أبو نحول» فى تصريحات لروز اليوسف، أنه تقدم بطلبى إحاطة لرئيس الوزراء ووزير التنمية المحلية خلال شهر، لدق ناقوس الخطر قبل حدوث كوارث جديدة بالتقسيم، فى ظل وجود مصانع ومخازن أقمشة تحوى مواد خطرة وقابلة للاشتعال داخل العمارات السكنية، لذا يتعين توجيه الأجهزة التنفيذية لسرعة إيجاد حلول جذرية للمخالفات التى تهدد أمن المواطنين، وعدم الاعتماد فقط على موظفى الحى «الفاسدين» الذين ساهموا فى تفاقم تلك الأزمة، ففى عمارة الثلاجة المنكوبة تحدث أحد السكان لصاحب المصنع السورى الجنسية، بأن التعديلات بالعمارة مخالفة، فكان رده «أنا مظبط كل حاجة».

كما تقدم النائب أحمد حتة، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة عاجل موجه إلى رئيس الوزراء ووزيرَى الإسكان والتنمية المحلية، حول انهيار عقار جسر السويس؛ الذى يأتى استمرارًا لأزمة انهيار العقارات وفوضى البناء العشوائى، كما حدث مؤخرًا فى عمارة الهرم.

وقال «حتة» فى طلب الإحاطة الذى تقدم به، إن استمرار مسلسل انهيار العقارات يذهب ضحيته أرواح المصريين، ولا بد من إجراءات عاجلة مع كل العقارات المخالفة، قبل أن تنهار على أصحابها، ودعا إلى سرعة تفعيل العقوبات وتطبيق قانون البناء الموحد الجديد؛ لتطبيق العقوبات وتنظيم قطاع البناء فى مصر، وضرورة تغليظ العقوبات على المتسببين فى وجود وانهيار مثل تلك العقارات.