السبت 29 نوفمبر 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فيلمـى عـن اللحظـات المسـروقـة من حياتنا بدون «ندب» أو «ميلودراما»

فيلمـى عـن اللحظـات المسـروقـة من حياتنا بدون «ندب» أو «ميلودراما»
فيلمـى عـن اللحظـات المسـروقـة من حياتنا بدون «ندب» أو «ميلودراما»


«من أجمل الأفلام المصرية التى صنعت مؤخراً.. فيلم منسوج بالإحساس والشاعرية والألم.. اللى بيحب السينما ما يصحش يفوتُه الفيلم ده ».. هكذا عبر المخرج الكبير «يُسرى نصر الله» عن الفيلم الروائى الطويل الأول «أخضر يابس» لكاتبه ومُنتجه ومُخرجه «محمد حماد» عند عرضه لأول مرة بِمَهرجان «لوكارنو السينمائى الدولي» فى دورته الماضية، بل حتى قبل أن يحصد الفيلم جائزة أفضل مُخرج من مهرجان «دُبى السينمائى الدولي» فى دَورتهِ الأخيرة، لتتوالى بعدها مُشاركات الفيلم فى أكثر من 45 مهرجانًا، وعرضه بـ 22 دولة، بل يحصل الفيلم على جوائز مثل الجائزة الذهبية من مهرجان «المكسيك السينمائى الدولي»، والجائزة الكُبرى فى مهرجان «فاماك» بـ «فرنسا»، بل حصلت بطلته «هِبة علي» على جائزة أفضل مُمثلة فى مهرجان «أسوان لسينما المرأة»، وخلال الشهور القادمة سيُعرض الفيلم فى مهرجاناتٍ أخرى كمهرجان «سان فرانسيسكو» بـ «أمريكا».. بدأنا الحديث مع مخرج الفيلم «محمد حماد» بسؤاله:

 لماذا لم تبدأ تجربتك الأُولى بفيلم تُحقق منه قاعدة جماهيرية وانتشارًا مطلوبًا ثم تنتقل لتجاربك السينمائية الخاصة؟
- لو بدأت بتنازُلات ومُحاولات لِلمُواءمة فسأُكمل فى ذلك.. فرق كبير بين فيلم نُقدمهُ للجمهور وبين «فيلم نعمله لِلمُنتج».. أنا لا أصنع أفلاماً لِلمُنتجين.. «أخضر يابس» كثيرون استقبلوه ووصلهم الإحساس بفكرته.. ولو فيلمى كان لِلمُنتج فسيكون بموسيقى ومشاهد لطيفة ودُمتم !.. يُمكننى تجميل الفيلم بسهولة، ولكن كان الرهان فى تجربتى هو إلى أى مدى سأكون صادقاً ؟.. كنت أُريد أن أُعبر عما أُريدهُ بإخلاص وتجرُد وبِدون «مُواءمات».
 وحِسابات السُوق ؟
- لا يُشغلنى ذلك.. كُل ما يهمنى إلى أى مدى أنا مُخلص لِمَا أُقدمه.. عُمر ما حسابات السوق «بِتفلح» !.. هى نسبية.. كثيراً ما يتوقعون النجاح الباهر لفيلمٍ ما ويحدث العكس.. مُعظم الناس قالوا إن «أخضر يابس» سيُعرض لمدة يوم واحد فقط فى دور العرض السينمائية، وحدث العكس !.
 لكن هناك معادلة بكون «فيلم المهرجانات» والذى يُثنى عليه النقاد ليس جماهيرياً ؟
- أصحاب المصلحة الوحيدة من هذا الترويج والتصنيف هُم «أصحاب السوق».. المُحتكرون.. هُم يراهنون دائماً على «التفاهة».. و«أخضر يابس» - وبحِساب الإيرادات - حقق أكثر من أفلامٍ أخري.. وللأسف رِهان المُنتجين دائماً على الضحك و«الفيلم الخفيف»، ولكن فيلم من نوعية «أخضر يابس» يقلق منه ويرفضه!.. هؤلاء المنتجون لا يريدونه لأنهم ببساطة ضِد الأفلام الجادة.. لهذا رهانى على الجُمهور، فالجمهور الآن ليس شريحة واحدة، فهو مُتعدد، ولم يعُد هناك فيلم يُثير إعجاب كل الناس، كما أن فى مصر هُناك شريحة كبيرة من الجمهور لم تعُد تذهب لدور العرض السينمائية أو حَتى تُشاهد فيلماً مَصرياً.. هذه أزمة «السينما المصرية» حالياً.
 إذن هل تعتقد أن «السينما المُستقلة» جاءت لإنقاذ «السينما المصرية»؟
- بكل تأكيد !.. «السينما المُستقلة» خير مُعبِر عن السينما المصرية الآن، فهى تُمثل مصر فى المهرجانات الدولية.. هى الروح والنفس الجديد.. بالفعل نمتلك صناعة سينمائية قديمة، لكنها تُعانى من الصعود والهبوط كُل فترة.. وما تُقدمهُ «السينما المُستقلة» من موضوعات خارج السياق وغيرها تعمل على إعادة إحياء هذهِ الصناعة، وإنقاذها من حالة الثبوت والركُود.
 مِن فِيلمك القصير «أحمر باهت» إلى عملك الروائى الطويل الأول «أخضر يابس».. ما هى حكايتك مع «الألوان» ؟
- الفيلمان مرتبطان ببعضهما.. الاثنان يُمثلان ثُنائية تتحدث عن تيمة الوحدة.. الوقت.. واختبار لفكرة ما مدى أهمية عاداتنا وتقاليدنا وكل المُوروثات التى نتمسك بها.. أسماء الأفلام بالألوان قريبة جداً مني، وأحد أدوات التعبير السينمائي، خاصةً تلك المُتناقضة مِنها، فعُنوان الفيلم تجمعهُ عِلاقة عُضوية وجُزء مِن جِسم الفيلم لأنها تُعطى انطباعاً ومعنى ما، وذلك بدون الدخول فى «ثرثرة» وشرح.
 التِكرار.. المَشاهد الطويلة.. الإيقاع المُمل.. والوقت الضائع.. كلها أشياء تود منها أن تُركز على الوقت.. صحيح؟
- بالفعل !.. محور الفيلم هو الوقت.. والوقت هنا عكس معنى الزمن.. الوقت الذى سرق عُمر بطلة الفيلم «إيمان».. الوقت شىء قاسٍ وصعب جداً.. «أخضر يابس» مُحاولة لاكتشاف فكرة الوقت.. كيف نتعامل معها ؟.. ونظراً لِعملى كمؤلف ومُخرج، فأنا أُتابع بِدِقة التفاصيل، فقد قابلت الكثير من الأشخاص الذين لم يمنحهم الوقت الفُرصة الكافية ليفعلوا أشياءً كثيرة.. فيلمى عن هذه اللحظات المسروقة من حياتنا بِدون «ندب» أو حُزن أو «ميلودراما».. أتأمله من خلال بطلة الفيلم، والتى تُشبه مَلايين الفتيات فى الشوراع والمواصلات والمَصالح الحكومية، ويُمكن لأى مُشاهد فى الصالة أن يرى نفسه فى «إيمان» وفى رحلة بحثها عن عُمرها المَسروق.. والفيلم يحتاج إلى شجاعة ما مِن المُشاهد، ويحتاج لأن نُصارح أنفُسنا، وأن نتجاوز فِكرة «السينما للتسلية فقط».
 لكن عددًا من النُقاد قد عابوا على بُطء الإيقاع الزائِد على الحَد فى الفيلم؟
- الفيلم يرصد كيف تنظر «إيمان» للحياة من داخلها.. إيقاعه هو إيقاعها الداخلي، وليس إيقاع الحياة العادية، والإيقاع كان يجب أن يُوصل هذه الشُحنة بهذا الشكل.. كُنت مُهتماً بالتركيز على حياتها.. أتابع أدق تفاصيلها.. لذا ظهرت على الشاشة بهذا الإيقاع.. مشكلتنا ليست فى الفيلم، بل أننا مصدومون بأن إيقاع حياتنا يمشى بهذه الطريقة، لكن تلك هى الحقيقة!.. المُشكلة أننا نُريد أن نفرض على الفيلم منطقنا ولا نقبل منطقه!
 لم نسمع موسيقى فى الفيلم باستثناء صوت الشاعر «مصطفى إبراهيم» إن اعتبرناها «موسيقي» ؟
- «مصطفي» صديقي، وعندما انتهيت من الفيلم شاهده وانفعل جداً معه، وكتب هذه القصيدة، وفى رأيى أقرب شكل للسينما هو القصيدة والشِعر، حيثُ إنها تُوصِل المَشاعر والإحساس.. وفيلمى يُقدم الحياة كما هي، بدون «تذويق» أو اصطناع أو تجميل، فهو يرصُد الحياة بهذهِ القسوة والخُشونة، وأحياناً الحياة تقسو على بعض الشخصيات بِعُنف وبِلا رحمة !.
 نتابع اهتمامك بقضايا النِساء سواء فى أفلامك القصيرة السابقة أو حتى فى شخصية «إيمان» بفيلمك «أخضر يابس»؟
- «إيمان» لها عالم كامل من التفاصيل، وأنا كمُخرج انتقيتُ بعضها، وركزت عليها لتضُيف إلى دِراما الفيلم، فكل التفاصيل تضافرت لكى تبنى هذه الشخصية، لكنى أترك تفسيرها للمُشاهد، فأنا لا أُفضل «إجابات كليشيهات» مُفسرة لتفاصيل مُعينة.. والفيلم مُحاولة للمُشاهد بأن يأخُذ نفساً ليُفكر ويتأمل.. يتعاطف أو يغضب.. الفيلم «مش لازم يكون حاجات جاهزة وبالملعقة ومترتبة»، كأن تقول «إيمان» حزينة فتبكي، وسعيدة فتضحك !.
«إيمان» - ذات الثلاثين عاماً - تنتمى للطبقة تحت المُتوسطة، وهى الطبقة التى تتآكل حرفيا لتختفي، رغم أنها تحفظ توازُن هذا المُجتمع!.. هى تُعبر عن جيل كامل، يحمل بداخله الكثير من الحُزن.. جيل الثمانينيات الذى تعرض لكثير من الخيبات و«الخِذلان»، ويدفع ثمناً باهظاً جِداً لأسباب كثيرة هو غير مسئول عنها، ومن حَقهِ أن يكون غاضباً و«يعمل كشف حساب».. وما يقصده «أخضر يابس» هو بمثابة «مُراجعة للحياة»، وأحياناً تكون المُراجعة قاسية جداً، وربما لا نستطيع أن نتقبلها لأن فِكرة المُراجعة تكون للحظاتٍ ثقيلة وصَعبة جِداً.. أعلم جيداً أنها منطقة خطرة جِداً للحديث عنها فى فيلم، لكن من غير المعقول أن نعيش طوال الوقت فى أفلام تقول لنا أن الحياة جميلة، وكأننا نعيش فى «اللالاند»، ثم بعدها نسأل : «إحنا زعلانين ليه؟!».
 بِمُناسبة الحديث عن النِساء.. بعض الكتابات النسوية اعتبرت «أخضر يابس» يكسر تابوه «العُذرية».. ما تعليقك؟
- يُمكننى الإجابة بسهولة بأننى ضِد تابوه «العُذرية»، وبعدها بعض الناس «هتنبسط»!.. هذه ليست وظيفة السينما، وفيلمى دعوة مَشروعة لكل التأويلات والتحليلات والقراءات، فهى «حدوتة صافية وشفافة»، ويُمكن للجميع قراءتها، كُل بطريقتهِ.
 أنت إذن مثل «إيمان».. مثل أحد أبناء هذا الجيل الذى يشعر بالهزيمة والحُزن.. هل تفاقم هذا الشُعور أكثر بعد ثورة 25 يناير ؟
- إحنا جيل اتسرقنا فى الوقت.. واتسرقنا فى كُل حاجة.. اتقفل علينا بسبب العادات والمُجتمع والسُلطة.. نعيش مُنذ أكثر من 25 سنة فى قوقعة.. مضغوط علينا طوال الوقت.. الحياة داجنة ومُدجنة، وعندما جاءت لحظة الصرخة فى يناير 2011 كانت قصيرة وتحتاج إلى فترة أطول، وذلك حتى نستطيع أن نُوازن ونُواجه 30 عاماً مضت، ومن غير المعقول أن نُواجهِ ذلك فى 5 أو 6 سنوات فقط !.. وللأسف ما نراه حولنا ليس جميلاً حتى نشعر بالسعادة، فلا يوجد سوى الحُزن، فنحن نمشى فى الشوارع - مُنذ كُنا صِغاراً - ولا نرى سوى القُبح.. كُل الأشياء تدعو للرثاء، ونحنُ دَائماً «تحت ضغط».
 صرحت بأن اختيارك للوجوه الجديدة هدفهُ التلقائية.. ولكن كيف ظهرت شخصياتك بهذه الاحترافية أمام الكاميرا؟
- استلزم ذلك تدريبًا وبروفات لمدة 9 أشهُر، وكان شيئًا مُرهقاً جداً، واختيارهم لم يكُن سهلاً على الإطلاق.. مثلاً بطلة الفِيلم «إيمان/ هِبة علي» هى فى الأصل صديقتي، وتعمل كمُساعد مُخرج، ولكن أثناء كتابتى للفيلم رأيتُ فيها شخصية «إيمان»، وراقبت انفعالاتها وطريقتها لِمُدة عام، حتى فاجأتها بِأنها ستلعب الدور، ولم تُوافق فى البداية، لكنى أقنعتها بعدها.. لديك عائلتي، والذين شاركوا فى الفيلم بأدوارٍ مُختلفة، ولكن كانت لدىَّ ثِقة كبيرة تجاههم، فكان هناك إحساس عام بِالصَداقة والصِدق والحَماس طُوال تصوير الفِيلم. 