الأحد 5 فبراير 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
أحلام «نجيب محفوظ»

أحلام «نجيب محفوظ»

بَعد مرور عدة أشهُر على مُحاولة الاغتيال الفاشلة التى انقض فيها متطرفٌ مأجورٌ على أستاذنا «نجيب محفوظ» ورشقه بسكين فى عُنقه (14 أكتوبر 1995) وبَعد تماثله للشفاء اتفقتُ مع الأستاذ «ممدوح الليثى»- الذى كان وقتها رئيسًا لقطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى- على تحويل رواية «أهل القمة» إلى مسلسل تليفزيونى.. فطلب منّى أن أذهب بنفسى إلى منزل الكاتب الكبير ومعى عَقد التأليف وشيك بمبلغ عشرة آلاف جنيه هو أجر القصة فى ذلك الوقت.. لكنه استمهلنى فى التوقيع على العَقد لحين قدرته على استخدام يده فى الكتابة لإصابتها من جرّاء الاعتداء الغادر عليه.. وأطلعنى على كراسّة مَرّن نفسَه فيها على محاولات عدة للتوقيع دون جدوَى.. بَعدها بأسابيع قليلة نجحتْ الكاتبة الكبيرة «سناء البيسى»- التى كانت ترأس تحرير مجلة «نص الدنيا»- فى إقناعه بنشر مجموعة من القصص القصيرة جدًا تحت عنوان «أحلام فترة النقاهة» مُزينة بتوقيعه بخَط يده فى سبق كبير انفردتْ به.. مما شجعنى على معاودة التواصُل معه حتى ظفرتُ بتوقيعه على عَقد المسلسل.



إذن لم يجف مداد القلم عن مواصلة الإبداع.. ولا يزال القلبُ ينبض بعطاء أخّاذ مُفعم بعطر الأشواق فى استكمال مسيرة عبقرية.. ورغبة حارَّة فى معانقة الأوراق حتى الرّمق الأخير.. متجاوزًا وهَن الجسد وارتعاشة اليد..

 

كلفنى المنتج السينمائى بكتابة قصة كوميدية.. فتصورت مدينة يكافح أهلها فى سبيل لقمة العيش.. ويعانون الأمراض والحوادث.. ثم يجىء بعد ذلك زلزال مدمر فيقضى على البقية الباقية منهم.. ويمحو من الوجود ذكرياتهم فكأنهم لم يُوجَدوا.. فضحك المنتج وقال حقًا إنك فارس الكوميديا!.. هذا هو الحلم رقم (198) من مجموع مائتى حلم كتبها أديبنا.. وهو حلم ساخر مرير.. يكشف عن مفارقة حادة ومؤلمة تثير ضحكًا كالبكاء عن واقع متداعٍ يزداد تداعيه.. والحلم شأنه شأن كل الأحلام يحمل رؤية تمزج بين الواقع والخيال.. المرئى والميتافيزيقى.. الحلم والحقيقة.. فى إطار من الرمز المباشر أحيانًا والمغلف فى أحيان أخرى كثيرة مستخدمًا مفردات لغوية سهلة.. والأقصوصة هى حالة تشبه اللوحة السريالية والفيلم الكابوسى.. فاذا ما انتهينا من القراءة أدركنا أن الإحساس أقوى من الفهم ومعايشة الكابوس غير المنطقى فى تسلسله وتداعياته أهم من تفسيره.

إنه فى أسطر قليلة موجزة سلسة خالية من الزخرف اللفظى ومن الإطناب والتزيُّد.. مجردة من استعراض مهارات الوصف والحَكْى.. يدخل مباشرة فى قلب الوجود.. ويا للغرابة تتوالد الأفكار وتتكاثر المعانى فى فيض وغزارة وغنى عجيب.. معانٍ موحية بدلالات كبيرة.. تتصل بقضايا فلسفية عميقة.. تتحدث عن غربة الإنسان وعبث الوجود ولا معنى الحياة.. آمال لا تتحقق.. وأحلام تجهض وتتبدد ودهشة مسيطرة.. وشر متحكم.. وحزن مقيم.. وصراع عقيم.. وأصداء باهتة.. وإرادة واهية غير قادرة على مواجهة المجهول.. وحماية نفسها من فظاظة واقع كئيب.. وهى دلالات ومعانٍ ربما تعجز عن التعبير عنها روايات بأكملها.. وذلك هو سر عبقرية أديبنا الكبير.