الأحد 5 فبراير 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

مات زكى.. وترك أحمد وحيدًا "الحلقة الثانية"

كعادتها دائمًا كانت «روزاليوسف»- ولاتزال- تستضيف على صفحاتها تاريخ الفنانين وحكاياتهم.. نستكشف من مسيرة العمر ومشواره قصص الكفاح والحب والأمل والصعود.. لأننا نؤمن أن تاريخ البلد ووجدان الشعب ما هو إلا محصلة أيام ويوميات وحكايات رموزه.



يصحبنا فى هذه السطور الكاتب الصحفى الكبير محمد توفيق فى رحلة ممتعة مع فتى الشاشة الأسمر عبر كتابه «أحمد زكى86».. ونتيح لحضراتكم فصلًا من حياته وأحد أهم أعوامه زخمًا وفنًا وتأثيرًا.

ونحن بنشر الكتاب على فصول نؤكد أن حكاية فنان بحجم أحمد زكى هى ملك لكل محبيه وجمهوره.. بحلوها ومرها.. بما حققه من إنجازات وبطولات.. وبكل ما قابله من خذلان.. لأنه رمز كبير وهذا قدر الكبار.

 

دخل أحمد إلى الغرفة رقم «800» بمستشفى «لندن كلينك»، ونظر من نافذتها الزجاجية الطويلة التى تجعله يرى أبواب السماء مفتوحة من فوق فراش المرض الصغير، ويتابع السُّحب، ويرى نور البرق، ويسمع صوت الرعد، ويتأمل تجمع قطرات المطر على الزجاج، ويفرح بزيارة خاطفة من الشمس لغرفته، ويداعب بقعة ضوء تجلس فوق غطائه الأبيض على السرير.

كانت تلك الغرفة فرصة أن يجلس أحمد بمفرده، وهذا ليس بجديد عليه، فقد اعتاد أن يعيش وحده، ويُفكر وحده، ويمشى فى الشارع وحده، وينام ليلًا وحده، ويسافر بالقطار وحده، ويلعب وحده، ويفرح وحده، ويحزن وحده، ويضحك وحده، ويبكى وحده، حتى لو كان محاطًا بآلاف الناس.

فمنذ أن وُلد أحمد زكى عبدالرحمن بدوى، يوم الاثنين، الثامن عشر من نوفمبر عام 1946 (وفقًا لبطاقته الشخصية، وليس 1949 وفقًا لموقع «ويكيبيديا») وهو لا يجد مَن يؤنس وحدته إلا لفترات قصيرة.

فقد وُلد بعد عام واحد فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية بهزيمة هتلر، وظهور طبقة جديدة من الأثرياء الذين حصدوا أموالًا كثيرة خلال الحرب، وقرروا استثمار جزء من أموالهم فى السينما، فزاد عدد الأفلام المصرية إلى 52 فيلمًا فى العام.

وفى العام الذى وُلد فيه أحمد زكى أقيم مهرجان «كان» السينمائى لأول مرة فى فرنسا، وشارك فى المسابقة الرسمية الفيلم المصرى «دنيا» للمخرج محمد كريم، وبطولة راقية إبراهيم وأحمد سالم وسليمان نجيب، وتم اختيار الفنان يوسف وهبى عضوًا للجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة والقصيرة.

وفى اليوم الذى جاء فيه أحمد زكى إلى الدنيا، كانت السينما تعرض فيلم «لعبة الست» لنجيب الريحانى وتحية كاريوكا، وفيلم «لست ملاكًا» لمحمد عبدالوهاب وليلى فوزى.

وبعد شهر من ولادته عُرض فى السينما فيلم «دايمًا فى قلبى» بطولة عقيلة راتب وعماد حمدى ومحمود المليجى، وهو أول فيلم من إخراج صلاح أبو سيف.

لكنّ هذا الفيلم لم يحقق النجاح الذى انتظره أبو سيف رغم أن غالبية أفلام هذا العام حققت نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا، ربما لأن الجمهور كان فى حاجة إلى البهجة والأفلام الخفيفة بعد الدمار الذى سببته الحرب، والكآبة التى خلفتها، والغضب الذى خلقته، لذلك كان الاستثمار فى الفن ناجحًا، وتضاعفت ثروات أثرياء الحرب.

ووُلد مع أحمد فى نفس العام اثنان من رفاق دربه هما المخرج داوود عبدالسيد صاحب «أرض الخوف» الذى وُلد بعده بأربعة أيام فقط، والمخرج على بدرخان الذى أخرج له أول فيلم لعب بطولته «شفيقة ومتولى».

وفى تلك الأثناء شعرت الحركة الوطنية فى مصر بخيبة أمل كبرى بعد انتصار بريطانيا فى الحرب، فاشتعلت موجة من الاغتيالات السياسية بدأت بوزير مالية فى حكومة النحاس باشا اسمه أمين عثمان اشتهر بأنه رجل الإنجليز الأول فى مصر بعد تصريحه بأن علاقة مصر ببريطانيا تشبه الزواج الكاثوليكى الذى لا طلاق فيه.

وفى أحد الأيام بينما كان يصعد أمين عثمان باشا، درجات السلم المؤدى إلى نادى «رابطة النهضة»، إذا بشاب ينادى عليه قائلًا: «أمين باشا»، فالتفت إليه أمين، فأطلق عليه الشاب ثلاث رصاصات، وسقط أمين عثمان مضرجًا فى دمائه.

وتم إلقاء القبض على القاتل حسين توفيق، وعلى 25 شخصًا آخر، من بينهم الضابط المفصول من الجيش محمد أنور السادات.

ولم تكن تلك الواقعة فقط هى التى حدثت فى هذا العام الذى تغيّرت فيه الوزارة ثلاث مرات. فقد وقعت حادثة كوبرى عباس التى تسببت فى مقتل مجموعة من الطلبة، واختلف الرواة فى تحديد العدد؛ فبعضهم ذكر أن العدد لم يزد على عشرة أشخاص، بينما قال آخرون إنه قد سقط قرابة مئتى شخص.

 

3

فى تلك الأجواء المشتعلة وُلد أحمد زكى، وبعد أقل من عامين من ولادته، سمع أحمد صرخات أمه تدوّى فى البيت، فصرخ فزعًا مما حدث، ولم يجد أحدًا يحمله ويطمئنه ويهدئ من روعه، فصار على الرضيع أن يتحمل مسئولية نفسه ويصمت؛ لأنه إن لم يصمت ربما فقد صوته دون أن يشعر به أحد.

صرخات أمه تركت بصمتها على ملامحه ووجدانه وعلى أذنه الصغيرة، ربما لا يتذكر تفاصيل ما جرى فى تلك الليلة، لكن قلبه الذى انخلع يومها لم يعد إلى مكانه مرة أخرى.

كانت تلك الصرخات بمثابة فتح جرح بسكّين فى قلب طفل رضيع، لا يذكر ماذا حدث لكن الآلام لا تفارقه، فقد سكن الحزن قلب الطفل قبل أن يعرف ما هو الحزن.

لقد مات زكى وترك أحمد وحيدًا. مات الأب، رجل البيت، وصاحبه. مات المعلم، والإمام، ورب الأسرة. مات الكبير، والصديق، والناصح الأمين، والملاذ الأخير. مات مَن يريده أفضل منه. مات السند والظهْر، فلم يعد بإمكان الطفل أن تستقيم قامته، وصار الحزن صديقه قبل أن يعرف ما هو الصديق.

مرت الأيام الأولى قاسية، مؤلمة، عصية؛ البيت لم يعد يعرف الفرح بعد أن عششت فيه الكآبة، وصار اللون الأسود عنوانًا له.

 

4

ومرت شهور العِدّة، وخلعت الأم ملابس الحداد السوداء، وبدأت الابتسامة تزور الوجوه مرة أخرى.

وفى أحد الأيام سمع أحمد صوت الزغاريد تنطلق فى البيت، وكانت أول مرة يسمعها، ولم يفهم سببها، فهو أصغر من أن يدرى ما يجرى حوله؛ لكنه فهم أن شيئًا مبهجًا قد حدث.

بحث الطفل عن أمه فلم يجدها، لكنه وجد غرفتها مغلقة من الداخل، وسمع صوتها ومعها بعض النساء، وطرق الباب لكنّ أحدًا لم يفتح.

ذهب أحمد ليلعب مع أقرانه الذين ملأوا البيت، وبعد ساعات رأى أمه من بعيد ترتدى ملابس بيضاء، والكل يهنئها، ولا يدرى ماذا حدث، لكنه يشعر أن ألمًا جديدًا فى الطريق إلى قلبه.

أمه لم تأتِ إليه كعادتها، ولم تضمّه إلى صدرها، ولم تجعله يجلس فوق قدميها أو إلى جوارها، فبدأ الخوف يتسلل إلى قلب الصغير، فعرف الخوف قبل أن يتعلم النطق.

كان ذلك اليوم فارقًا فى حياة أحمد الذى مات أبوه قبل أن يكمل العامين، وتركته أمه وتزوجت وأبعدته عن حضنها فلم يعد يسمع نبضات قلبها منذ كان طفلًا يتعلم المشى.

لكنها لم تملك خيارًا آخر، فلم يكن ممكنًا أن تعيش فلاحة فقيرة صغيرة فى السن دون زواج، فأهلها لن يقدروا على الإنفاق عليها وعلى نجلها، وفى الوقت ذاته هى تحتاج إلى ظل رجل.

 

 

5

رحلت السيدة رتيبة السيد عن حياة ابنها، وذهبت إلى بيت زوجها، وتركت الطفل الصغير مع جدته ألماظ وخاله عبدالمنعم الذى اصطحبه معه؛ ليعيش فى بيته مع أولاده.

يومها ضربت قلب أحمد عاصفة لم يقوَ على الصمود أمامها، فلا أحد سواه يعرف معنى أن تكون يتيم الأم، وأمك على قيد الحياة.

ولم يجد الطفل جوابًا لسؤاله، وأحسّ بجسده ينتفض من البرد رغم أن الطقس لم يكن باردًا، وأدرك أنه قد صار رجلًا، وعليه أن يتحمل مسئولية نفسه، عليه أن يتعلم المشى وحده، ويتعلم اللعب وحده، ويتعلم الركض وحده، حينها عرف معنى اليُتم لأول مرة فى حياته.

مرت أربع سنوات على إقامة أحمد فى بيت خاله، وذات يوم جاءت إلى البيت امرأة حزينة، ورآها تنظر إليه بعينين تغلّفهما الدموع ثم قبّلته دون أن تتكلم ورحلت. يومها شعر باحتواء غريب -على حد تعبيره- وظلت تلك النظرة تصحبه لسنوات طويلة حتى عرف أن تلك المرأة التى لم تفارقه نظرتها هى أمه.

لم يعتد أحمد أن ينطق كلمتَى «أبى» و«أمى»، بل كان يشعر بحرج شديد حين يطلَب منه قول هاتين الكلمتين فى أعماله الفنية، فلم يعتَد عليهما، وصار قولهما يحمل ألمًا ومرارة لا يمكن تجاوزهما.

والسؤال: هل تلك المرارة هى التى تركت أثرها عليه منذ أن كان طفلًا حتى صار عليه أن يُزيلها فى صباح الغد؟

 

6

وفى اليوم التالى، وقبل دقائق من دخول أحمد غرفة العمليات سيطر القلق عليه وشعر بانقباض فى صدره، لم يكن قلقًا على نفسه بقدر قلقه على ابنه هيثم، بعدما انفصل عن أمه منذ أكثر من عام.

لم يخشَ أحمد الموت بقدر ما خشى أن يفارق هيثم بعد أيامه قليلة من احتفاله بعيد ميلاده الثانى ويتركه يتيمًا، كما تركه أبوه من قبل، وفى نفس العمر.

وجاء موعد العملية، وحملته الممرضات على سرير متحرك إلى غرفة العمليات لإزالة المرارة، ولم تفارقه صورة هيثم حتى بعد أن أعطوه المخدر، وظل يردد كلمة واحدة هى هيثم.

لم تكن العملية سهلة، فقد خشى الأطباء أن تكون قد أثّرت على كفاءة أجهزة أخرى، وفى أثناء إجراء العملية قام الأطباء بفتح أجزاء من البطن للتأكد من سلامة المسالك البولية.

وخرج أحمد من غرفة العمليات إلى غرفته فى المستشفى، وظل نائمًا لساعات بفعل المُخدر.

وحين استيقظ وفتح عينيه وجد أمامه آخر شخص كان يتوقع حضوره، لكنه كان يتمنى رؤيته.. وجد أمامه أم ابنه هيثم وزوجته السابقة هالة فؤاد تقف وسط الغرفة، والمحاليل تجرى فى عروقه، وظلت إلى جواره هى ووالدها المخرج أحمد فؤاد، وربتت على كتفه، وظلت إلى جواره تمنحه بيدها الدواء فى مواعيده.

وشعر أحمد أن روحه قد رُدت إليه، وأن آلامه قد سكنت، وفى الليل استأذنته أن تذهب لتنام فى الفندق، وتعود إليه فى صباح اليوم التالى مع والدها، وطمأنته أنها ستكون معه طوال الأيام القادمة حتى يستعيد عافيته.

وغادرت هالة، لكن صورتها لم تغادر قلب أحمد الذى تذكر حين رآها للمرة الأولى بعد أن تخرجت فى كلية التجارة، وحين التقيا فى مسلسل «الرجل الذى فقد ذاكرته مرتين» ذلك العمل الذى كان من بين أسباب زواجهما.

هذا المسلسل المكوّن من سبع حلقات فقط لم يحظَ بالشهرة التى يستحقها، فقد كتب قصته نجيب محفوظ، وكتب السيناريو والحوار أسامة أنور عكاشة، وشارك فى بطولته شكرى سرحان وجميل راتب وسعيد عبدالغنى وإيمان، وأخرجه ناجى أنجلو.

أحب أحمد هالة فى المسلسل، وفى الحقيقة، حتى صار يذهب للاستديو من أجل أن يرى صاحبة الوجه البريء الجميل، والقلب النقى، وبمجرد انتهاء التصوير اتفقا على الزواج، واتفق معها على أن تترك الفن وتتفرغ للبيت.

 

وأخبرها أنه ليس ديكتاتورًا ولا يرفض أن تكون زوجته فنانة، لكنه يحلم بامرأة تكون له حبيبة وزوجة وأمًّا له ولأولاده، تقف إلى جواره وتعطيه الدواء إذا شعر بالتعب، وترتّب له مواعيده، وتنتظره عند عودته إلى البيت، وتنجب له ستة أبناء حتى يعوض الحنان الذى فاته حين وُلد يتيمًا، ولتصير له عائلة كبيرة تمنحه الدفء الذى حُرم منه منذ أن كان طفلًا.

وافقت هالة على شروط أحمد رغم صعوبتها، لكنّ والدها أبَى وعارض تلك الفكرة وحاول أن يقنعها أن ستكون امتدادًا لفاتن حمامة إذا استمرت فى حياتها الفنية، لكنها أعلنت تمسكها بأحمد، ورفضت كل نصائح والدها المخرج أحمد فؤاد.

ورضخ الأب مؤقتًا أمام رغبة ابنته، وتزوجت هالة فؤاد من أحمد زكى، وشهد على عقد زواجهما صلاح جاهين، واختارا أن يُحيى فرحهما المطربة شريفة فاضل والمطرب محمد منير والراقصتان نجوى فؤاد وسحر حمدى، وحضر فرحهما عدد كبير من النجوم من بينهم عادل إمام.

 ومرت السنة الأولى سعيدة مُبهجة عليهما، وتُوجت بإنجابهما طفلًا لطالما حلم به أحمد سمّاه هيثم، ووثّق صلاح جاهين لحظة ولادة هيثم شعرًا بقوله:

هيثم أحمد زكى

وأمه هالة فؤاد

الواد طالع ذكى

لأمه وأبوه يا أولاد

هيثم يوم ما اتولد

وقالولنا ده ولد

عرفت كل البلد

هيثم أحمد زكى

ومرت شهور قليلة، واستعادت هالة عافيتها بعد الولادة، وكثرت الأعمال المعروضة على أحمد، وصار يجلس فى الاستديو أكثر من جلوسه فى البيت.

وبدأ الملل يتسرب إلى هالة، وعاد والدها يُلحّ عليها فى العودة إلى التمثيل، ويعرض عليها أعمالًا يقوم بإخراجها، فغضب أحمد من تلك المحاولات خصوصًا حين بدأت تقتنع برأى والدها.

 

7

لم تعد هالة تستطيع أن تُخفى رغبتها فى العودة للفن، وفى الوقت ذاته لم تستطع أن تواجه أحمد فى بداية الأمر، وتحاملت على نفسها.

وبدأ أحمد يلاحظ مسحة من الحزن تبدو فى نظرتها عندما تشاهد فيلمًا أو مسلسلًا تشارك فيه، وكثيرًا ما كان يعود لبيته فيجدها جالسة أمام التليفزيون تبكى فى حرقة، وقد وضعت شريطًا لأحد أفلامها تشاهده.

وزادت مساحة الخلافات، وتركت هالة بيت زوجها، وذهبت إلى بيت أبيها، وحاول صلاح جاهين الصلح بينهما. وفى أحد الأيام اتصل جاهين بأحمد تليفونيًّا وقال له: «لو فاضى تعالى عشان عايز أروح إسكندرية»، وتعجب أحمد من الطلب، وقال له: «إزاى هتقدر تروح وأنت لسه عامل عملية فى القلب.. ممكن تأجّل المشوار ده لما تقدر».

لكن جاهين أصر على الذهاب، وأخبره أن هناك أمانة لا بد أن يؤديها، فحضر إليه أحمد، واصطحبه إلى الإسكندرية، وهناك أخرج جاهين ورقة من جيبه فيها عنوان، وظل يسأل عنه حتى وصلا إلى المكان الذى يريده.

وعندما طرقا باب الشقة وجد أحمد أنه يقف أمام والد زوجته أحمد فؤاد. ودخلا إلى المنزل، وقام صلاح جاهين أو «أبو الصُّلح» -كما كان يحب أحمد أن يناديه- بالصُّلح بين أحمد وهالة، وجعل الجميع فى حالة بهجة لا يمكن معها أن يظل الخلاف قائمًا.

وبعد أن عَلَت الضحكات وارتسمت الابتسامة على وجهَى أحمد وهالة، استأذن جاهين فى الانصراف، فقام أحمد ليغادر معه، لكن صلاح رفض وأقسم أن يعود للقاهرة وحده فى نفس اليوم، وأن يظل أحمد مع زوجته وابنه. ومرت الأيام، وعادت الخلافات تطلّ برأسها مرة أخرى بعد أن أخبرت هالة أحمد بأنها لا تستطيع الابتعاد عن التمثيل، فلم يجد أحمد أمامه حلًّا سوى أن يحقق رغبتها ويفترقا.

 

8

وراح أحمد فى نوم عميق بعد أن أحاطت الذكريات بغرفته، وفى صباح اليوم التالى وجد هالة أمامه مرة أخرى، ومعها والدها المخرج أحمد فؤاد.

وروت له أنها عرفت بالصدفة قصة مرضه وسفره إلى لندن، وأصرت على أن تأتى إليه لتكون إلى جواره، واستأذنت من المنتج ممدوح الليثى لإيقاف تصوير مشاهدها فى المسلسل التليفزيونى الذى تشارك فيه لحين عودتها، وأنها بمجرد أن وصلت إلى لندن تركت حقائبها فى أقرب فندق للمستشفى، وحضرت سريعًا إليه لتكون إلى جانبه فى أثناء العملية، وحين وصلت إلى «لندن كلينك» علمت أنه فى غرفة العمليات، فظلت تقف أمامها تبتهل إلى الله لينجى والد ابنها.

ونفس الشىء فعله والدها الذى ترك أعماله حتى لا يترك ابنته وحدها فى تلك الرحلة، وليطمئن على والد حفيده هيثم. فشكرهما أحمد بصوت خفيض، وسألهما عن هيثم، فأخبرته هالة أنها تركته فى القاهرة؛ لأنه ليس مسموحًا باصطحاب الأطفال داخل المستشفى، وفى الوقت ذاته من الأفضل ألا يرى أباه، والمحاليل تحيط به من كل جانب، وهو طفل عمره لا يتجاوز العامين. فأثنى أحمد على تصرفها، وطلب منها أن يسمع صوت هيثم، فاتصلت به، وفرح حتى إن صوته الخفيض قد علا، كأنه شُفى من مرضه، وبعد أن اطمأن على هيثم، وأغلق السماعة عاد صوته إلى ما كان عليه.

لكن صورة هيثم لم تفارق قلب وعقل أحمد منذ غادر القاهرة، سواء كان نائمًا أو يقظًا أو متألمًا أو بصحبة الأطباء والممرضين؛ فلم يكن هيثم ابنًا لأحمد فقط بل كان كل شىء له فى هذه الدنيا؛ كان الابن، والأخ، والصديق، والعائلة.