الأحد 5 فبراير 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
العملاق النائم الذى نحتاجه الآن!

العملاق النائم الذى نحتاجه الآن!

أتصوَّرُ أننا لا نحتفل بنصر أكتوبر 1973 بالقدر الذى يعادل المعجزة التى نفذناها فى عبور أصعب مائى عبره جيش فى التاريخ، وتدمير أشد الحصون الدفاعية متانة فى العصر الحديث، بإمكانات مادية لم تتوقعها أى عقلية عسكرية فى العالم أجمع.



نَعم لم تكن المعجزة فى الأسلحة والذخيرة والقدرات المادية؛ وإنما فى الإنسان المصرى، الذى أجبرته هزيمة معركة 5 يونيو 1976 أن يستفز ملكاته ويجلى الغبار عن معدنه الحضارى ويُخرج العملاق الذى بداخله، ويقفز إلى الضفة الشرقية للقناة محطمًا أساطير سائدة فى العقل الغربى والإسرائيلى، وإياكم أن تتصوروا أننا كنا نحارب إسرائيل، إسرائيل مجرد وحدة أمامية أو كتيبة استطلاع لا أكثر ولا أقل، وجرى إنقاذها على وجه السرعة بعد العبور بطائرات وأسلحة لم يكن الجيش الأمريكى نفسه قد استخدمها بعد فى أى حرب.

أحدثكم عن العقل الذى خَطط، عن العقل الذى أدرك أن الماء هو أشرس قوّة موجودة على ظهر الأرض، وقد تتجاوز قوته قوة القنبلة الذرية التى قالوا إنها السبيل الوحيد لتدمير خط بارليف، فيفك بقنبلة الماء الساتر الترابى الحامى للخط، عن العقل الذى أبدع ومنح جندى المشاه قدرات التغلب على دبابة من الصلب عليها مدفع 120 مللى ورشاش مضاد للطائرات ورشاش ضد الأفراد، ويعمل بها أربعة جنود، عن العقل الذى خدع أعتى المخابرات فى العالم وأوهمها أن السادس من أكتوبر 1973 يومٌ عادىٌ ولن نحارب فيه..إلخ.

فى حوار أجريته مع الدكتور إسحاق عبيد أستاذ علم التاريخ بجامعة عين شمس، قبل سنوات، وصف المصريين بأنهم حالة خاصة فى التاريخ، وأى مصرى يستطيع بحسبة بسيطة أن يضيف لعمره 6 آلاف سنة من العقل الجمعى الكائن فى الضمير، وأن هذا العقل يمكن أن يعود للعمل بكامل طاقته فى وقت المخاض، وأن هذه الآلاف من السنين ليست بكاء على الأطلال أو المَعابد أو الآثار؛ وإنما هى حبوب تقوية لجهاز المَناعة فى أهل مصر.

ومن يومها وكلام الدكتور عبيد يرن فى أذنى كلما تأملت أحوالنا، بأسئلة فى غاية القسوة، منها: لماذا لم يصل المصريون إلى المكانة التى تتناسب مع عراقتهم، ما الذى يمنع عقلهم الجمعى من إنتاج حضارة وتقدمًا ورفاهية بقدر الحياة التى عاشوها والتجارب التى مارسوها والخبرات التى اكتسبوها؟، ولماذا لا يظهر هذا العملاق داخلنا إلا كلما كانت مصر مهددة تهديدًا سافرًا وعلى حافة الهاوية، وبعد أن ينقذها يعود إلى خموله وكسله وغفوته سنوات وسنوات؟!، وحدث هذا مرات ومرات عبر تاريخنا كله.

على سبيل المثال، أذكركم أيضًا بحدثين فريدَيْن فى غاية الغرابة لما لهما من دلالات قاطعة؛ الأول فى أوائل القرن التاسع عشر والثانى فى الربع الأول من القرن العشرين.

الأول هو إلحاق مدينة رشيد هزيمة بالإنجليز فى عام 1807، رشيد مدينة عادية على ساحل البحر المتوسط، ناس بسطاء، ربات بيوت ومزارعون وعمال عاديون: الكلافين والساقين.. إلخ وقليل من المماليك، أمام قوات إنجليزية يقودها چنرال لامع فى أقوى مؤسَّسة عسكرية فى أوروبا فى ذلك الوقت، هو الچنرال ألكسندر ماكنزى فريزر، وفريز تقريبًا حارب فى أربعة أرجاء المعمورة قبل أن يقود حملته إلى مصر، حارب فى جبل طارق، وفى أمريكا الشمالية، وفى الحملة البريطانية على فلاندرز (الاسم القديم لـ«بلچيكا»)، وفى حملة رأس الرجاء الصالح لطرد الهولنديين من مستعمرة «كيب» جنوب القارة الإفريقية، وبَعدها خدم فى الهند، ثم عُيّن فى هيئة الأركان قبل قدومه إلى مصر، التى أذلته وعاد منها وهو لا يصدق أنه فشل أمام ربات بيوت ومزارعين وعدد من المماليك!

الثانى هو ثورة 1919، وقبل الثورة بشهور بعث السير ريجنالد وينجيت برقيته العادية إلى لندن عن الأحوال فى مصر، وكان المصريون قد راحوا يتحدثون عن الاستقلال الذى وُعدوا به بعد نهاية الحرب العاليمة الثانية، وقال فيها إن المصريين شعب هادئ جاهل مطيع يمكن أن نحكمه لألف سنة على الأقل، فإذا بهذا الشعب يخرج عن بكرة أبيه بعد أقل من ستة أشهر من هذه البرقية ثائرًا مزلزلاً الأرض، عُمالاً وفلاحين وطلبة وشيوخًا ونساء يصرخون: «الاستقلال التام أو الموت الزؤام» ويتلقون رصاص المستعمر فى صدورهم دون وجَل أو تراجُع، وتبدع مدينة زفتى بعد قطع خطوط السكك الحديدية وتعلن نفسها أول جمهورية مستقلة عن الاحتلال، وحين جاءت لجنة ملنر بعد نهاية الثورة، لم تأتِ لتحقق فى الجرائم الشنيعة التى ارتكبها جنود الاحتلال وتفاصيل العنف؛ وإنما لتدرس كيف لشعب جاهل ينتشر فيه الفقر والجهل والمرض أن يهب هادرًا كبُركان، وكان يتصورونه خامدًا خاملاً!

إذَن الاحتفال الذى أقصده ليس أغنيات تضاف إلى سجل الوطنيات أو روايات لم تُحْكَ على شاشات الفضاءات عن البطولات الخارقة، ولا أفلامًا سينمائية تحفظ للأجيال القادمة مَجدها، ولا مسلسلات ولا برامج ولا كتب ومجلدات، وكل هذا ضرورى ومهم للغاية لكى تظل ذاكرة المصريين مشتعلة، تقتدى بما صنعوه قبل خمسين سنة، لكن الأهم من الأغنيات والأفلام والحكايات وطوابير العرض هو إخراج «العملاق» من القُمْقُم المحبوس فيه، كيف نسترده؟، كيف نوقظه من غفوته داخل كل منّا؟، كيف نَحكَّ عقول المصريين ومشاعرهم ليتجسّد لهم العملاق الساكن تحت جلدهم؟، كيف نجعله يعمل ويَعبر بنا من الحالة التى نحن عليها إلى حالة حضارية نتمناها ونحلم بها منذ ما يقرب من قرنين من الزمان؟

بالله عليكم.. كيف لنا شعبًا وحكومة أن نهمل هذا العملاق ونقبل أن نظل فى دائرة الأزمات الحياتية كل هذه السنوات الطويلة هو قادر على إنقاذنا كما فعل فى حرب 1973؟!

ولنبدأ بمقارنة بين قانون وحرب، قانون ماعت وحرب 1973؛ لأن فيهما القاسم المشترك الأعظم الذى نبحث عنه. قانون ماعت أى قانون الحق والعدل والنظام فى مصر القديمة وليست مصر الفرعونية، فمصر لم تكن فرعونية على الإطلاق، وهذا خطأ رهيب وتوصيف حديث جدًا، وليس له أصل على جدران المَعابد ولا كتب التاريخ القديمة، وفرعون اسم ملك وليس صفة الملك.. وهذه حكاية أخرى.

ماذا يقول القانون؟

القانون من 42 مبدأ أو مادة، وهو بصيغة النفى، وليس بصيغة الأمر والنهى، وكتبت على لسان أرواح الموتى الذين انتقلوا إلى العالم الآخر، وهم يقفون فى قاعة ماعت (العدل) يوم الحساب: أنا لم أرتكب خطيئة، لم أسلب ممتلكات الآخرين بالإكراه، لم أسرق، لم أقتل، لم أكذب، لم ألعن، لم أغلق أذُنَىّ عن سماع كلمات الحق، لم أغش، لم ألفق تهمة لأحد، لم أُرهب أحدًا، لم أخالف القانون، لم ألوّث ماء النهر.. إلخ.

هذا هو سر حضارة المصريين القدماء أكثر حضارة ذات قيم إنسانية طبقت على أرض الواقع فى تاريخ البشرية.

فى حرب 1973، أخذنا جوهر قانون ماعت بمفاهيم العصر: النظام والانضباط والعدالة والعلم والحق والقانون ورغبة التخلص من وجود العدو على أرضنا المقدسة، فكانت مفتاح النصر!

هل المقارنة تفتح لنا الطريق إلى إخراج العملاق من قمقمه؟

قطعًا تغيرت الظروف، قطعًا تبدلت الأوضاع، لكن «العملاق» ساكن داخلنا دائمًا وعلينا استفزازه ودفعه للخروج إلى النور.

موضوع يبدو غريبًا، ربما لا نُقدّره حق قدره، لكنه يحتاج إلى ورشة عمل من علماء اجتماع وعلماء نفس وعلماء سياسة وفلاسفة ومفكرين على هامش الحوار الوطنى، يفكرون لنا ويدرسون السُّبُل والأدوات والسياسات ونُظم العمل التى تستخرجه بنفس الطريقة التى ظهر بها فى حرب 1973، ولو نجحنا سيكون احتفالنا دومًا حاضرًا، ليس بذكرى نصر حدث؛ وإنما بانتصارات نقفز إليها كل عام.