الخميس 29 سبتمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

التغير المناخى والحرب الروسية- الأوكرانية «حروب المناخ» أزمة جديدة تضرب العالم

المــنـــاخ الأزمة.. والحل



على مدار سنوات ماضية شهدت الدول تغيرات مناخية عدة أثرت بصورة أو بأخرى على العديد من النواحى الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، لكن خلال العامين الماضيين تفاقمت الأزمات وأصبحت تؤثر بصورة قوية على حياة الشعوب.. من حرائق للغابات.. جفاف أنهار.. فيضانات.. سيول.. أرواح الشعوب أصبحت فى خطر يتزايد يومًا تلو الآخر.. مخاطر التغيرات المناخية لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة ملحة تتطلب تكاتف الدول والحكومات لمواجهتها.. ومن هذا المنطلق جاءت اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، ثم توالت بعد ذلك قمم المناخ العالمية لوضع استراتيجيات وخطط للحد من مخاطر التغيرات المناخية خاصة بعد أن دفع ثمنها حياة الآلاف من الضحايا.. ولهذا تبرز أهمية قمة المناخ COP27 المنتظر عقدها فى مدينة السلام شرم الشيخ نوفمبر المقبل لوضع الأسس والاتفاقيات الدولية للحد من هذه التغيرات المدمرة.. ولهذا تقدم «روزاليوسف» على مدار الأسابيع المقبلة هذا الملف لعرض المخاطر الناتجة عن التغير المناخى وآراء الخبراء لحل هذه الأزمة.. لعله يكون السبيل الأخير لامتصاص غضب الطبيعة والعودة مرة أخرى لحياتنا المستقرة.

 

 

تؤثر الصراعات العسكرية والحروب بصورة كبيرة على مستقبل التغيُّرات المناخية حول العالم؛ ومنذ عقود كانت القوات النظامية تخشى أن تكون أزمات المناخ المتنامية هى السبب الرئيسى للصراع فى المستقبل.. وعلى مدار الأعوام الماضية ومع تنامى صناعة الأسلحة فضلًا عن عدد الحروب التى شهدها العالم على مر العقود الماضية أثرت بصورة كبيرة على احتياجات الدول من موارد طبيعية خاصة الغاز والنفط للوقوف أمام شبح الحرب وتداعياتها على الأطراف المشاركة وعلى العالم ككل.

ولا تعد الحرب الروسية الأوكرانية بمعزلٍ عن تلك التطورات، خاصةً فى ظل ارتداداتها المباشرة وغير المباشرة على مسألة التغير المناخى، وما ارتبط بها كذلك من تصاعد أزمات الطاقة فى بعض دول العالم، وعرقلة التحول الدولى وخططه فى التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة؛ حيث تكشف التقديرات أنه منذ بداية الحرب الروسية- الأوكرانية، أصبح من المتوقع تزايد استخدام الوقود الأحفورى بنحو 14 % فى ظل نقص إمدادات الطاقة، لا سيما من روسيا التى تعتبر أكبر مصدر للغاز الطبيعى فى العالم وتساهم بنحو 40 % من احتياجات الدول الأوروبية، كما أنها ثانى أكبر مصدر لمشتقات البترول وثالث مصدر عالمى للفحم. 

وقد دفعت تطورات الحرب الأوكرانية الكثير من الدول إلى تعزيز تأمين وارداتها من الوقود الأحفورى فى المدى المنظور، وهو ما ظهر بشكل واضح فى الحالة الأوروبية مع إعلان موسكو فى سبتمبر الجارى تعليق شحنات الغاز الطبيعى  عبر خط أنابيب «نورد ستريم 1» إلى أجل غير مسمى.

 خطر التحول الأخضر

رغم تدافع الحكومات والشركات لتأمين إمدادات النفط والغاز والفحم على المدى القصير، إلا أنه وفق محللين فإن الحرب الروسية الأوكرانية يمكن أن تسرع انتقال الطاقة النظيفة على المديين المتوسط والطويل، وإنه إذا استمر النفط فوق مستوى 150 دولارًا للبرميل على المدى الطويل، فقد يكون هذا بمنزلة مؤشر خطر على الاقتصاد العالمى، كذلك فإن هناك مخاطر منهجية حقيقية من أن هذه الحرب يمكن أن تُعجل بتحول أخضر «غير منظم» مما يضر باقتصاديات العالم.

ومن المؤكد أن الصراع الروسى- الغربى، كشف عن إرث سوء التخطيط من جانب دول الاتحاد الأوروبى لتنويع إمدادات الغاز، وهناك أيضًا خطر يتمثل فى أن الانتقال السريع إلى الطاقة المتجددة قد لا يمكن التنبؤ به ويزعزع استقرار الأسواق بشكل أكبر.

وعلى النقيض من إمكانية التحول إلى الطاقة النظيفة للتعويض عن فقدان إمدادات النفط والغاز، فضلًا عن ارتفاع الأسعار، تتجه العديد من البلدان أيضًا إلى مصدر طاقة رخيص لكنه شديد التلوث، وهو الفحم، فرغم اتجاه العديد من الدول الأوروبية لوقف محطات الفحم على مر السنوات الماضية، وتباطؤ انخفاض استهلاك الفحم من نحو 29 % بين عامى 2017 و2019، إلى 3 % فقط بين عامى 2019 و2021. إلا أن الدول وخاصة الصناعية منها اتجهت مرة أخرى للفحم لسد فجوة الاحتياج للغاز، وهذا قد يؤدى إلى إبطاء إزالة الكربون فى أوروبا على المدى القصير، على الرغم من أن الاتحاد الأوروبى يريد على المدى الطويل مضاعفة تطوير الطاقة المتجددة للاقتراب من الاكتفاء الذاتى. جدير بالذكر أن استهلاك الفحم فى أوروبا كان ينخفض فى السنوات الأخيرة، وفى أكتوبر 2021، خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخى 2021، دعت العديد من الدول إلى فرض حظر كامل على الفحم.

 إزالة الغابات والأمن الغذائى

التأثير الآخر الأقل شهرة لأزمة الحرب الأوكرانية هو التهديد بمزيد من إزالة الغابات فى منطقة الأمازون؛ حيث قام الرئيس البرازيلى، اليمينى المتطرف، جايير بولسونارو، الذى ينكر المخاوف البيئية، بتوظيف الحرب الأوكرانية كحجة لمزيد من استخراج البوتاسيوم من منطقة الأمازون، وتقليل الاعتماد على واردات روسيا فى هذا الإطار؛ ولذا دعمت تصريحات الرئيس البرازيلى تسريع إزالة الغابات، سواء بشكل قانونى أو غير قانونى. وقد أدى هذا النمط إلى تحذير العديد من الخبراء من «نقطة تحول» قادمة؛ حيث ستتحول أجزاء كبيرة من الغابات المطيرة إلى سافانا جافة؛ ما يؤدى إلى تغيير أنماط الطقس وإطلاق مليارات الأطنان من ثانى أكسيد الكربون فى الغلاف الجوى.

من جهه أخرى، فقد أصبح الأمن الغذائى مشكلة جديدة تهدد العالم، حيث تعتبر روسيا وأوكرانيا لاعبيين أساسيين فى الزراعة العالمية، وقد أطلق على أوكرانيا تحديدًا «سلة غذاء العالم»، كما تعد روسيا أكبر مورد للأسمدة ومكوناتها الخام، مثل النيتروجين، وتمثل هاتان الدولتان معًا 28 % من صادرات القمح عالميًا.

 التدمير البيئى

فى اليوم الأول من الحرب الروسية فى أوكرانيا، تم الإبلاغ عن إشعاع «جاما» فى منطقة تشيرنوبيل بما يقرب من 28 ضعف الحد السنوى، فى وقت تدير فيه أوكرانيا خمسة عشر مفاعلًا نوويًا فى أربعة أماكن مختلفة. ومن الممكن – حتى لو تعرض أحد المفاعلات للتلف – أن نرى كارثة تشيرنوبيل الثانية؛ حيث يمكن للحطام والإشعاع المنطلق فى أى هجوم أن ينتشر آلاف الكيلومترات، ويمكن أن يؤدى إلى العديد من المشاكل الصحية للمواطنين؛ ليس فقط فى أوكرانيا، ولكن أيضًا فى أقرب البلدان. ومن جانب آخر، فإن هناك العديد من مناجم الفحم التى عفا عليها الزمن فى منطقة دونباس، وهى تشكل خطرًا كبيرًا فى أوكرانيا لأنه عندما يتم إغلاق منجم لا يمكن التخلى عنه للأبد؛ إذ لا تزال هناك مهام يجب القيام بها مثل المياه التى يجب ضخها باستمرار لمنع تلوث الخزانات بالمعادن الثقيلة مثل الزئبق والرصاص والزرنيخ، وفى ضوء استمرار العمليات العسكرية فى أوكرانيا، فإن تنفيذ هذه المهام أمر بالغ الصعوبة.

 الاتجاه نحو « الأخضر»

على الرغم من أن الحرب الأوكرانية – الروسية الدائرة تؤدى إلى مستويات مرتفعة من التدمير البيئى والتدهور المناخى العالمى، فإن بعض التقديرات تشير إلى أنها يمكن أن تكون دافعًا نحو إصلاح النظام المناخى العالمى والإسراع نحو التحول إلى الطاقة المستدامة، وما يمكن أن يحدد ذلك هو سياسات الدول فى ظل ما كشفت عنه الحرب من نقاط ضعف متعددة فيما يتعلق بالأمن المناخى، سواء داخل الدول أو حتى على المستوى العالمى، وبما يتطلبه ذلك من تضافر الجهود الدولية لتحجيم الارتدادات السلبية المتسارعة للتغيرات المناخية.

وفى حين أن الحرب الحالية قد تكون بمثابة انتكاسة قصيرة المدى لأهداف المناخ العالمى، فمن المرجح أنها على المدى الطويل ستسرع من تحول الدول إلى مصادر الطاقة النظيفة، ومن المرجح أن تعتمد أغلب الدول الغربية على الهيدروجين الأخضر كوقود مستقبلى موثوق به وذى أسعار معقولة، خاصة مع قطع إمدادات النفط والغاز الروسية؛ حيث يجبرها على الاستثمار بوتيرة أسرع فى الطاقة المتجددة والتخلى عن استخدام الوقود الأحفورى فى المستقبل؛ ففى غضون أسبوعين من الحرب الأوكرانية، أعلن الاتحاد الأوروبى عن خطط لتركيب توربينات الرياح والألواح الشمسية والمضخات الحرارية بشكل أسرع من أى وقت مضى، فيما أعلنت ألمانيا وحدها الالتزام بمبلغ 200 مليار يورو لإزالة الكربون من إمدادات الكهرباء بحلول عام 2035.