الخميس 29 سبتمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
جدل الجريمة وجدوى العقاب

جدل الجريمة وجدوى العقاب

مازال العلماء يبحثون فى جذور العنف وسبل مكافحته، وما زال العنف قائمًا، بل وربما متفاقمًا، لم تفلح الدراسات التى يتم إجراؤها، والقوانين التى يتم سنها، وبرامج المكافحة والتوعية وغيرها، فى الحد من معدلات العنف حول العالم، بل عززت من حالة التخبط والارتباك القائمة، والنتيجة هى أنه كلما تمت دراسة القضية بعمق أكبر تبدى خطأ العديد من المسلمات القائمة، وهو ما تبعه بالضرورة إعادة النظر فيما يتم التوصل له من نتائج دراسات اجتماعية عولت على التفكك الأسرى والظروف الاجتماعية غير المستقرة كدافع للعنف، ودراسات عولت على الجينات والعوامل البيولوجية، ودراسات أخرى اتجهت نحو التحليلات السياسية والاقتصادية، ودراسات نفسية حاولت تحديد الفروق الفردية لكشف السمات المهيئة للعنف، والنتيجة عنف متصاعد وجرائم تُرتكب يوميًا لا تردعها عقوبات ولا تحسم مسبباتها دراسات.



والحقيقة التى تفرض نفسها الآن هى أن العالم يتجه بقوة نحو إعادة النظر فى الكثير من السبل التى كان يتبعها لمكافحة العنف، أو ردع مرتكبى الجرائم، فقد أظهرت العديد من الدراسات المهمة والتى صدرت عن مؤسسات لها ثقلها وتضمنت عيّنات دراسة ضخمة ومنهجيات محكمة، أن العقوبات التقليدية والشائعة هى فى الحقيقة ليست ذات فعالية فى مكافحة الجرائم العنيفة.

على سبيل المثال: فى دراسة مهمة قام بها مجموعة من الباحثين ونُشرت فى دورية نايتشر هيومان بيهيفير فى 13 مايو 2019 حول مدى فعالية السجون فى الحد من العنف، والتى أجريت على عينة من 111.110 سجناء فى الفترة من عام 2003 وحتى عام 2006 وتم تتبعهم حتى عام 2015 توصل الباحثون إلى أن: «السجن يمثل تدخلًا غير فعّال طويل الأمد لمنع العنف، وليس له آثار تأهيلية أو رادعة على المدان بعد إطلاق سراحه»، أشارت الدراسة أيضًا إلى أن قضاء العقوبات فى السجن لا يخفف من معدلات ارتكاب جرائم العنف فى المستقبل، بل إن نتائج الدراسة توصلت إلى ما هو أكثر وهو أن من قاموا بقضاء مدد عقوبتهم داخل السجون وهم متهمون بتهم لا علاقة لها بالعنف تزيد احتمالات عودتهم إلى السجون بتهم عنف فى غضون خمس سنوات من إطلاق سراحهم بنسبة 20 ٪، بينما بلغت تلك النسبة لدى المسجونين المدانين بجرائم عنف 15 ٪.

بالنظر أيضًا إلى عقوبات الإعدام، فقد أظهرت الدراسات أن عقوبات الإعدام لم يكن لها أى تأثير رادع على معدلات وقوع جرائم القتل، وعلى خلاف ما قد يطلقه البعض من أن إلغاء عقوبة الإعدام يؤدى إلى ارتفاع معدلات الجريمة، فما يحدث خلاف ذلك، على سبيل المثال: فى الولايات المتحدة الأمريكية كان متوسط معدلات القتل عام 2004 فى الولايات التى تطبق عقوبة الإعدام 5.71 لكل 100 ألف من السكان مقابل 4.02 لكل100 ألف فى الولايات التى لا تطبق عقوبة الإعدام، وفى عام 2003 وبعد مرور 27 عامًا من إلغاء عقوبة الإعدام فى كندا انخفضت معدلات القتل بنسبة 44 ٪، بالطبع لا تعنى تلك النتائج أن عدم تطبيق عقوبة الإعدام يؤدى إلى تراجع معدلات القتل، فالأمر ليس بهذه البساطة، ولكنها تعنى بالقطع أن تراجع الجريمة لن يكون نتيجة حتمية لتشديد العقوبة، وأن التطرف فى العقاب لن ينتج مجتمعًا مسالمًا ومتسامحًا ولن ينهى العنف.

الحقيقة هى أن جدل الجريمة والعقاب كان ومازال وسيظل قائمًا وموضع خلاف، فالسلوك البشرى أعقد من كونه استجابة لمثير خارجى، وهو ليس سلوكًا بدائيًا يردعه العقاب وتعززه المكافأة، ولا يمكن التنبؤ به ببساطة أو إعادة تشكيله بمجرد وضع الخارج عن القانون خلف الجدران، وتصور أن الردع يجب أن يأتى كنتيجة مباشرة للعقاب بالضرورة منقوص، وافتراض أنه كلما زادت شدة العقاب زاد الردع غير دقيق، والدليل على ذلك أن الدول العشر الأقل فى معدلات الجريمة حول العالم لا تطبق عقوبة الإعدام وتتبنى منظومة أحكام أقل شدة من دول أخرى تتبنى نظام عقوبات قاسٍ وصارم وتتزايد الجرائم فيها يومًا بعد يوم.