الجمعة 2 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

شينزو آبى الصديق المخلص وداعا.. فارس اليابان

وجه شهير على المسرح العالمى، ربما يكون شينزو آبى أفضل من يتذكره التاريخ اليابانى.. فقد قاد بلاده إلى صفوف التقدم والازدهار رغم الركود الاقتصادى الذي ضرب طوكيو على مدار عقود.. أنشأ خطة طموحة وغير تقليدية، أصبحت تحمل اسمه، فكانت خطة «الأبينوميكس» الاقتصادية هى سفينة الأمان التى أتقن آبى صنعها لتتحول اليابان لواحدة من قوى العالم الاقتصادية.



ولم يتوقف طموح آبى فى الاقتصاد فحسب، فخلال ترأسه لرئاسة الوزراء اليابانية عمل على اتباع سياسة «الصداقة» مع جميع الدول حتى الصين التى شهد التاريخ معارك طاحنة بينها وبين اليابان، إلا أنه اختار الدبلوماسية والسلم نهجًا، وعمل على فتح ودعم صداقات جديدة مع الدول الأخرى، وكانت لمصر مكانة كبيرة من هذه الصداقة.

 

تحول شينزو آبى إلى داعم قوى للإدارة المصرية خلال فترات حرجة مرت بها القاهرة، وكان من قوة الصداقة بين الدولتين عمل الرئيس عبدالفتاح السيسى لإطلاق اسم شينزو آبى على أحد أهم محاور القاهرة، ليصبح الصديق الوفى رمزًا لا ينسى اسمه الشعب المصرى ولا الإدارة المصرية.

 المنقذ

سؤال وُجه لـ«شيزو آبى» فى حديثه لمجلة « Economist» بعد تخليه عن منصبه كرئيس للوزراء، عما هو إرثه؟ فقال «أبينوميكس»

وكانت أبينوميكس هى بطاقة التعارف بين آبى والشعب اليابانى، فلم يكن يتوقع أن هذا الشاب الذى احتل اسمه ارفع المناصب فى الحكومة اليابانية أن ينهض بهذه الدولة التى عانت لسنوات فى تخبطات سياسية واقتصادية قوية.

ولم يكن شينزو آبى أطول رئيس وزراء يابانى بقاء فى سدة الحكم فحسب، بل كان ربما «الأكثر استقطابًا فى تاريخ اليابان الحديث»! حيث اتبع دبلوماسية حازمة وسياسة اقتصادية جريئة، لكنه رحل قبل أن يحقق بعض أهدافه، تاركًا إرثًا منقسمًا.

وشغل آبى البالغ من العمر 67 عامًا منصب رئيس الوزراء لفترة قصيرة (2006 - 2007) قبل أن يتولى أعلى منصب سياسى فى البلاد مرة أخرى من عام 2012 إلى عام 2020.

وفى الوقت الذى استقال فيه آبى بسبب المرض فى أغسطس 2020، كان قد أصبح أطول رئيس وزراء لليابان الحديثة، وكان يبلغ من العمر 52 عامًا عندما أصبح رئيسًا للوزراء للمرة الأولى فى 2006، وبات بذلك أصغر رئيس حكومة سنًا فى تاريخ البلاد.

 «أبينوميكس» سياسة الإنقاذ

سعى شينزو آبى إلى تحويل اليابان من بلد محمي بالمظلة النووية الأمريكية وملزم بدستور سلمى إلى قوة أكثر حزمًا وانخراطًا فى الشأن الدولى، كما حاول تنشيط الاقتصاد اليابانى الراكد، والذى كان فقد مكانته كأكبر اقتصاد فى آسيا بين فترتى توليه المنصب.

لم تكن ولايته الأولى القصيرة كرئيس للوزراء على مثل قدر نجاح ولايته الثانية حيث نجح فى إعادة توجيه مسار البلاد بعد عودته إلى السلطة فى عام 2012 من خلال السياسات الاقتصادية التى اتبعها، والتى أطلق عليها اسم «أبينوميكس» Abenomics والقائمة على التيسير النقدى والتحفيز المالى والإصلاحات الهيكلية، بهدف علاج الاقتصاد بالصدمة فى وقت كان الاقتصاد فيه راكدًا بعد فترة ازدهار طويلة بعد الحرب.

ورغم أنه لم يتم تسوية الجدل حول نجاح تلك الاستراتيجية، فإن ثمة تغييرات هيكلية قليلة قد سُنت فيما لم يتم كسر دورة التضخم شديد الانخفاض.

وفى 2019 عمل آبى على فرض ضريبة استهلاك مثيرة للجدل تهدف للمساعدة فى تمويل أماكن فى دور الحضانة، للأطفال بعمر الثلاث سنوات وما دونها، وكذلك للمساهمة فى نظام الضمان الاجتماعى الذى تجاوز طاقته. لكن اقتصاد اليابان بدأ بالتراجع حتى قبل أزمة فيروس كورونا التى قضت على المكاسب المتبقية.

واعتبرت طريقة تعاطيه مع أزمة كورونا بطيئة ومربكة، مما أدى إلى تراجع نسبة التأييد له إلى أدنى المستويات خلال فترة حكمه.

وكان من المقرر أن يبقى فى المنصب حتى سبتمبر 2020 مما يسمح له بحضور مناسبة مهمة فى ولايته التاريخية هى أولمبياد طوكيو 2020 الذى أرجئت إلى 2021، لكن يبدو أن مشاكله الصحية تمكنت منه مجددًا، وأعلن فى 2020 استقالته بسبب المرض.

 العلاقات الدولية

على المسرح الدولى، اتخذ آبى موقفًا حازمًا من كوريا الشمالية، لكنه سعى ليكون صانع سلام بين الولايات المتحدة وإيران، وجعل من أولوياته بناء علاقة شخصية وثيقة مع الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترمب، سعيًا للحفاظ على أهم تحالفات اليابان، كما حاول إصلاح العلاقات مع روسيا والصين.

وخلال ولايته تصدى لفضائح سياسية، ومن بينها اتهامات بالمحسوبية أدت إلى تراجع نسبة التأييد له، لكن لم تتمكن من المسّ بسلطته.

وكان لرئيس الوزراء السابق طموحات طويلة الأمد لتعديل دستور اليابان، وخاصة المادة 9 منه، والتى تنبذ الحرب وتحظر الجيش، وكان يراها عقبة أمام تولى طوكيو دورًا يليق بقوة إقليمية.

ولكن على الرغم من مهاراته السياسية الكبيرة، لم يحشد شينزو آبى الدعم الكافى لإجراء الاستفتاء اللازم لتغيير الوثيقة التأسيسية لليابان الحديثة.

وفى عام 2020 أعلن آبى تنحيه عن منصبه أيضًا لاعتلال صحته، لكنه ظل حاضرًا ومهيمنًا على الحزب الليبرالى الديمقراطى الحر الحاكم إذ يسيطر على أحد فصائله الأساسية.

 الصديق الوفى

وكان لرئيس الوزراء اليابانى الأسبق إسهامات ستظل فى ذاكرة المصريين، أبرزها العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، عبر تنظيم المؤتمر المشترك لمجلس الأعمال المصرى اليابانى بالقاهرة، تحت عنوان «مصر واليابان معًا لمستقبل أكثر إشراقًا» خلال زيارته فى يناير 2015.

وأسفر هذا المؤتمر عن مشاركات سياسية واقتصادية واجتماعية، وقدم بعدها «شينزو» مساعدات تصل قيمتها إلى 2.5 مليار دولار لقطاعات متعددة التخصصات، بالإضافة إلى التعاون بشأن إنهاء أعمال المتحف المصرى والجمعية اليابانية، ما عزز العلاقات الدبلوماسية بين مصر واليابان.

وقد عبر الرئيس عبدالفتاح السيسى، عن بالغ الحزن والأسى، عقب تلقيه نبأ وفاة رئيس الوزراء اليابانى الأسبق، شينزو آبى، إثر عملية اغتيال غادرة.

وقال الرئيس السيسى «كان شينزو آبى صديقًا مخلصًا لمصر، محبًا لها، داعمًا لها فى كل الأوقات والظروف، وشهدت علاقاتنا الثنائية، فى عهده، تطورًا غير مسبوق على جميع الأصعدة» وتابع: «أعزى الشعب اليابانى الصديق، لفقدانه مثل هذا القائد العظيم، وأؤكد أن مصر لن تنسى ما قدمه شينزو آبى من جهود مخلصة لتعزيز تعاوننا، وستعمل على تخليد اسمه كما ينبغى».

 الفوز الساحق

وبعد اغتيال شينزو آبى خلال تجمع انتخابى، الجمعة الماضية، وبعد إجراء الانتخابات البرلمانية للبلاد، فى أجواء طغى عليها الحزن من غياب أحد رموز الائتلاف الحاكم المؤلّف من الحزب الليبرالى الديمقراطى، الذى يمثل اليمين القومى الذى ينتمى إليه آبى وحليفه حزب «كوميتو»، حيث حصد الائتلاف فوزًا ساحقًا بأكثر من 75 من أصل المقاعد 125 التى جرى التصويت لتجديدها، فى انتخابات تجرى كل 3 سنوات وتشمل نصف مقاعد مجلس الشيوخ الـ248.

وبات الائتلاف الحاكم يملك غالبية مستعدة لتعديل الدستور السلمى، بهدف تعزيز دور اليابان العسكرى على الساحة الدولية، وهو هدف كان قد طمح إليه شينزو آبى منذ سنوات قبل اغتياله.