الجمعة 2 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
كلمة و 1 / 2.. عندما غنّى عبدالحليم: (السّح الدّح امبوه)!

كلمة و 1 / 2.. عندما غنّى عبدالحليم: (السّح الدّح امبوه)!

مرة واحدة فقط شاهدتُ فيها عبدالحليم حافظ كنتُ طفلًا حضرتُ عيد ميلاد عمّى كامل الشناوى فى منتصف الستينيات، ولعله كان آخر أعياد ميلاده، لم أتعرف وقتها على كل الوجوه، ولكنى رأيت أيضًا «عبدالوهاب»، «نجاة»، «فايزة»، «شكرى سرحان» وبَعد مرور السنوات عندما استرجعتُ ملامح الحاضرين أتذكر الملحنين «بليغ حمدى»، «كمال الطويل»، «رؤوف ذهنى» والكُتّاب الكبار «موسى صبرى»، «سعيد سنبل»، «أحمد رجب»، «كمال الملاخ»، «جليل البندارى».. لم تلتصق عينى سوى بعبدالحليم كنت أتابعه منذ لحظة وصوله للبيت إلى ذهابه إلى البوفيه المفتوح، ولاحظتُ أنه لم يضع فى طبقه سوى عدد محدود جدًا من قطع البطاطس لم يقترب إلا من واحدة أو اثنتين.. مرّت عشر سنوات على تلك الواقعة والتحقتُ فى منتصف السبعينيات بكلية الإعلام وكنا نصدر وقتها جريدة «صوت الجامعة»- التى لا تزال تقاوم من أجل البقاء- وقررتُ وأنا فى سَنة أولى أن أثبت للجميع بأننى أستطيع أن أصل إلى نجم مصر الأول «عبدالحليم حافظ»، وأخذت رقم تليفونه خلسة من أچندة عمّى «مأمون الشناوى» لا أزال أتذكر أول رقمين «80»، واعتقدتُ أنه بمجرد أن يسمع اسم «طارق الشناوى» واسم جريدة «صوت الجامعة» سوف يأتى هو للكلية لإجراء الحوار، إلا أننى فى كل مَرّة أصاب بخيبة أمَل.. دائمًا الأستاذ إمّا نائم أو فى الحَمّام أو فى بروفة أو مسافر أو على سَفر، ولم ألتقِ عبدالحليم، مَرّ عامٌ واحدٌ فى عام 1976 وانتقلت للسنة الثانية فى الكلية.. كنت أتدرب فى سنة أولى فى المدرسة الصحفية لمجلة «روزاليوسف»، واستطعتُ الحصول على صورة تجمع بين «عبدالحليم حافظ» و«أحمد عدوية» فى إحدى الحفلات التى أقيمت فى فندق الشيراتون؛ حيث كان يغنى مع «أحمد عدوية»؟!



الحكاية، «عبدالحليم حافظ» كان حاضرًا فى الحفل وكان «عدوية» قد حقق وقتها شهرة عريضة بأغنية «السّح الدّح امبوه» أراد «عدوية» مجاملة عبدالحليم وغنّى «خسارة خسارة» وقرّر «عبدالحليم حافظ» أن يرد على المُجاملة بأحسن منها وغنّى خلف عدوية «السّح الدّح امبوه».. أخذت الصورة باعتبارها صيدًا ثمينًا وكتبتُ الواقعة وسلمتها إلى الكاتب الصحفى عادل حمودة وكان وقتها يشغل موقع سكرتير تحرير «روزاليوسف» وبذكائه منح هذه الصورة والتعليق صفحة كاملة، ظهرت المجلة فى صباح يوم الأحد وعلى غلافها عنوان «عبدالحليم حافظ» يغنى «السّح الدّح امبوه»، فوجئتُ بأن إذاعة «الشرق الأوسط» تقدم فى المساء حلقة من أشهَر برنامج فنّى وقتها وهو «الليل والفن والسهر» تقديم «محمد أنور» و«إبراهيم صبرى»، الحلقة كلها عن «عبدالحليم حافظ» وهو يُكذّب الواقعةَ ويؤكد أن الصورة خضعت لفبركة صحفية وأنه لم يلتقِ مع «أحمد عدوية» من قبل ولا يمكن أن يغنى «السّح الدّح امبوه» التى كانت عنوانًا للفساد الغنائى.. ولم يُكذّبه أحدٌ حتى مَصادرى الصحفية رفضوا أن يشهدوا لصالحى.. ورحل «عبدالحليم» وحزنتُ مثل الملايين، وظلت واقعة غنائه «السّح الدّح امبوه» لا يصدقها أحدٌ، إلا أنه قبل نحو ثلاثين عامًا باتت هذه الحكاية كثيرًا ما يرددها «أحمد عدوية» فى أكثر من حوار تليفزيونى و«حلمى بكر» يؤكدها باعتباره أحدَ الحاضرين فى الحفل!!

مَرَّ زمنٌ طويل ظلتْ الوقائع الثلاث التى كان «عبدالحليم حافظ» طرفًا فيها لم تغادر مشاعرى ودائمًا ما أسأل نفسى لماذا تعاطفتُ معه من أول نظرة شاهدته وأنا طفل، ولماذا رفض أن يُجرى معى حوارًا عندما التحقتُ بكلية الإعلام، ولماذا كذّبنى عندما التحقتُ بسَنة أولى «روزاليوسف»؟!! 

«عبدالحليم حافظ» يملك جاذبية خاصة مَهما كان هناك من نجوم مشاهير فلا يمكن سوى أن تلتصق عيناك به تبحث عنه.. إنها منحة سماوية، لا علاقة لها بجَمال أو إحساس الصوت، تولد مع عدد قليل جدًا من البَشر وتختلف درجاتها، من الواضح أن «عبدالحليم» كان يقف على الذروة بهذا الفيض الإلهى.

 نعم (عبدالحليم يصدق فقط إذا غنّى) كما قال عنه الشاعر الكبير كامل الشناوى، وُلد فقط لكى يغنى، حتى لو اضطر أن يردد فى لحظة فارقة (السّح الدّح امبوه)!!