الأحد 22 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بعد اضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم هل تغير الأزمة الروسية-الأوكرانية سياسات الزراعة والطاقة فى أوروبا؟

نبرة تشاؤمية ملحوظة فى تصريحات المسئولين الدوليين، وتوقعات مراكز الأبحاث والمحللين بشأن الوضع الاقتصادى العالمى، إذ اتفق أغلبهم -إن لم يكن جميعهم- على أن العملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا» سيكون لها آثار سلبية على المدى الطويل على الاقتصاد العالمى. وهو ما دفع «أوروبا»، التى تفرض عقوبات على «روسيا»، إلى التفكير جديًا فى وضعها الاقتصادى، نظرًا للعواقب السلبية التى تتوقعها بلدان القارة على اقتصادها خلال المستقبل القريب.



بدأ عدد من الدول الأوروبية -بالفعل- الإحساس ببعض آثار الأزمة الروسية-الأوكرانية السلبية على اقتصادهم، والتى ظهرت فى التضخم المرتفع، وارتفاع سعر الفائدة، وأزمة تكلفة المعيشة، وغلاء الأسعار، خاصة فى السلع الأساسية.

يأتى هذا بعد أن بدأت «أوروبا» فى عدم التمسك، والتخلى عن الإجماع السياسى على بعض القضايا، ومنها قضايا الطاقة النووية، وزيادة ميزانية وتسليح (الناتو)، بجانب العديد من القضايا الأخرى، والتى وصل آخرها إلى استراتيجية الاستدامة الزراعية للقارة بأكملها والتى باتت موضع تساؤل.

 فاستجابةً للاضطرابات فى إمدادات الغذاء فى «أوروبا»، الناتجة عن الأزمة الروسية-الأوكرانية، وتداعيات جائحة كورونا من قبل، أدلى (حزب الشعب الأوروبى)، أكبر مجموعة برلمانية فى البرلمان الأوروبى، بطلب لإلغاء استراتيجية تسمى «من المزرعة إلى الشوكة»، التابعة للمفوضية الأوروبية، التى تسعى إلى خفض مبيدات الآفات بنسبة 50 %، وتخصيص 25 % من استخدام الأراضى الزراعية للزراعة العضوية، وتقليل الأسمدة بنسبة 20 %.

ورغم انتقاد الخطة فى البداية من قبل ممثلى الزراعة، وتلقيها رد فعل سياسيًا عنيفًا بسبب دراسة وزارة الزراعة الأمريكية، التى أظهرت انخفاضًا كبيرًا فى الإنتاج الزراعى، فإن المفوضية الأوروبية استمرت فى تنفيذ العملية التشريعية على أى حال.

 ولكن، بعد أن أثرت العملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا»، والعقوبات المفروضة على «روسيا» على إمدادات الغذاء فى «أوروبا»، فإن دراسة وزارة الزراعة الأمريكية، التى وجدت أن الأسعار الزراعية سترتفع بين 20 %، و53 %، إذا تم تنفيذ استراتيجية «من المزرعة إلى الشوكة»، ستزيد من القلق بين دول «الاتحاد الأوروبى». 

على سبيل المثال، يجادل عدد  من السياسيين فى سياسة ممارسات التوظيف الأوروبية، مثل: الإيطالى «هربرت دورفمان»، الذى قال إن المفوضية الأوروبية يجب أن تتجنب تقديم مقترحات تشريعية أخرى لها آثار سلبية على الأمن الغذائى الأوروبى.

على كل، إن رغبة أحد أقوى الأحزاب السياسية فى «الاتحاد الأوروبى» فى نسيان جهود الإصلاح الزراعى الأكثر أهمية منذ عقود، يجب أن تثير تساؤلات حول استراتيجية «من المزرعة إلى الشوكة». لأنه إذا كان النظام الغذائى الجديد عرضة للاضطرابات الجيوسياسية، فإنه يمثل تحديًا طويل الأمد للأمن الزراعى فى «أوروبا» مثلما علق «دورفمان». فى الوقت الذى صرح فيه -أيضًا- الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» أنه «يجب مراجعة أهداف الاستراتيجية، لأنه لا يمكن لأوروبا تحت أى ظرف من الظروف تحمل إنتاج أقل، مضيفةً أن أزمة غذاء عميقة قد تظهر فى الأشهر المقبلة.

وذلك، لأن الإنتاج الزراعى لأوكرانيا يشكل 30 % من تجارة القمح والشعير فى العالم، و17 % من الذرة، وأكثر من نصف زيت وبذور عباد الشمس، بما فى ذلك

 88 % لأوروبا وحدها، كما أن «أوكرانيا» هى -أيضًا- الشريك التجارى الرئيسى للاتحاد الأوروبى لفول الصويا، والذى يستخدم فى علف الحيوانات، بالإضافة إلى 41 % من بذور اللفت، و26 % من العسل. ناهيك عن ارتفاع أسعار القمح والذرة فى أعقاب العملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا»، وجميع ما سبق سلع أساسية للزراعة والأمن الغذائى الأوروبى.

وهو ما دفع كبير محللى السياسات فى مركز اختيار المستهلك «بيل ويرتس» للتأكيد أن «الاتحاد الأوروبى» قد يتشكك بالفعل فى استراتيجيته، والنظر بجدية فى طرق تحسين أمنه الغذائى فى الأشهر المقبلة. مضيفًا أنه يجب أن يكون كل شىء مطروحًا على الطاولة، بدءًا من إعادة تقييم أسرع للقواعد الخاصة بالهندسة الوراثية إلى تعليق لوائح الزراعة الجديدة.

وأوضح أن العديد من التحولات السياسية المقبلة فى «أوروبا» ستعتمد على نتيجة الأزمة فى «أوكرانيا»، خاصة أن القوات الأوكرانية أبدت مقاومة أكثر مما كان متوقعًا، بالإضافة إلى ذلك، على الأقل فى المستقبل المنظور، ستظل العقوبات الأوروبية على «روسيا» سارية.

ففى الوقت الذى يتم فيه استبعاد «روسيا» من نظام الدفع (SWIFT)، ومنع شركات الطيران التابعة لها من دخول المجال الجوى الأوروبى، وتقييد التدفقات التجارية سيكون له آثار كبيرة على الاقتصاد الروسى، إلا أن «أوروبا» تعتمد -أيضًا- بشكل كبير على الغاز الطبيعى الروسى، وهو الوضع الذى ساهم فى سلبية «ألمانيا» تجاه «روسيا» فى الماضى من وجهة نظر «ويرتس».

لم يغفل المسئولون الروس هذه الحقيقة؛ فالنائب الحالى لمجلس الأمن الروسى «ديمترى ميدفيديف»، كتب على موقع التواصل «تويتر» فى فبراير الماضى، إن «المستشار الألمانى «أولاف شولتز» أصدر أمرًا بوقف عملية التصديق على خط أنابيب الغاز (نورد ستريم 2).. مرحبًا بكم فى العالم الجديد الشجاع، حيث سيدفع الأوروبيون قريبًا ألفى يورو، مقابل ألف متر مكعب من الغاز الطبيعى!»، وبالفعل بدأت البلدان الأوروبية التى تستنفد الكثير من الغاز الطبيعى بالإحساس بأزمة الطاقة وارتفاع تكاليفها، وهو ما دفعهم للبحث -على الفور- عن بدائل وحلفاء وشركاء لتوفير الطاقة.

يذكر أن «أذربيجان» ظهرت كمورد بديل للغاز الطبيعى، بفضل خط أنابيب الغاز الطبيعى «خط أدرياتيك»، كما أعلنت «باكو» -أيضًا- اعتزامها مضاعفة إمداداتها من الغاز الطبيعى.

ولم يتوقف الأمر عند هذا فحسب، بل تتطلع «أوروبا» -أيضًا- إلى زيادة استخدامها للغاز الطبيعى المسال، حيث تعمل بنيتها التحتية الحالية -وربعها يقع فى «إسبانيا»- بقدرة 45 % فقط فى عام 2021.

ومع ذلك، إلى جانب البحث عن بدائل خارجية، تحتاج «أوروبا» إلى زيادة الإنتاج المحلى لتعويض خسارة واردات الغاز الروسى فى حالة الانقطاع الكامل، وهى نتيجة سياسية تبدو حتمية بشكل متزايد بعد العقوبات الأمريكية على واردات النفط الروسية، وفقًا لـ«ويرتس».

فعلى سبيل المثال، قررت «ليتوانيا» منع جميع واردات الطاقة من «روسيا» فى الأسبوع الماضى، كما لم يستبعد وزير الشئون الاقتصادية الألمانى «روبرت هابيك» وقف التخلص التدريجى من محطات الطاقة النووية الثلاثة المتبقية فى «ألمانيا»، وتأجيل التخلص التدريجى من استخدام الفحم المخطط لعام 2030، أما «إيطاليا»، فقد قرر رئيس الوزراء «ماريو دراجى» النظر فى إعادة فتح محطات الفحم المغلقة، بصفتها ثانى أكبر منتج للفحم فى «أوروبا»، ومن غير المرجح أن تواجه «بولندا» دعوات أكثر قوة لوقف الإنتاج.

كما أجّلت المفوضية الأوروبية إصدار استراتيجيتها للطاقة، والتى كان من المفترض فى البداية الكشف عنها منذ أيام، التى كانت وثيقتـها تؤكد على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة فى «أوروبا»، ولكنها تدعو -أيضًا- إلى المزيد من «الهيدروجين الأزرق» المصنوع من الغاز الطبيعى، ولكن يبدو أنه نظرًا للأزمة الروسية-الأوكرانية، فإن سياسة الطاقة الأوروبية تعود إلى نقطة البداية.