الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بمزيد من النضج والثقة الجماهيرية يتجدد دورها هذا العام: الضرورة الحتمية للدراما الوطنية

الجمهور يلجأ للعمل الفني الذي يحدثه بصدق، يمس وجدانه ويداعب إحساسه، يعكس ما يدور حوله. فالأعمال الدرامية بشكل خاص تدخل كل بيت لمختلف الطبقات الاجتماعية، لذلك فانفصالها «غير المبرر» عن الواقع لن يجعلها تصل بشكل صادق. هذه المصداقية، هي ما استطاعت الأعمال الدرامية الوطنية تحقيقها خلال الأعوام القليلة الماضية.. مما جعلها أكثر جماهيرية ومشاهدة عن نظيرتها خاصة في شهر رمضان.



وللعام الثالث على التوالى يستقبل الشهر الفضيل أكثر من عمل درامى وطني، وأهمها الجزء الثالث من مسلسل (الاختيار) والذى يعد تأريخًا لبعض الفترات العصيبة التى عاشتها مصر منذ عام 2011 وحتى ثورة 30 يونيو وما بعدها من عمليات للقضاء على الإرهاب. فيعكس المسلسل ما مرت به مصر شعبًا وجيشًا وشرطة فى مواجهة الإرهاب والجماعات المحظورة.

أما على مستوى الأعمال الاستخباراتية، والتى كانت دومًا ما تنجح فى جذب انتباه الجمهور، فقد شهد العام الماضى نجاحًا ملحوظًا لمسلسل (هجمة مرتدة) والذى تناول أحد ملفات المخابرات المصرية، حول مخططات بدأت تحاك على مصر والعالم العربى منذ عام 2007. أما هذا الموسم فستبدأ أولى حلقات الجزء الثانى من العمل، والذى يتناول قصة أخرى مأخوذة عن ملفات المخابرات المصرية أيضًا ويحمل اسم (العائدون) ويدور حول كشف مجموعة من العاملين للمخابرات عن دواخل جماعة داعش الإرهابية. ومخططاتها لإثارة الفوضى والمشاكل والجرائم بالمنطقة العربية. 

ولعل السنوات الماضية لم تكن تشهد كثرة فى الأعمال الوطنية، بل وكان هناك الكثير من المنتجين غير المتحمسين لها، وذلك رغم وجود آلاف القصص الوطنية والتضحيات من رجال مصر البواسل. فهل السبب أن الجمهور قبل الثورة لم يكن يقبل عليها بشكل كبير أم كانت المشكلة تكمن فى الإمكانيات الفنية للأعمال نفسها؟   

 الكتابة هى الأساس

الكتابة أساس أى عمل يتم تقديمه، والجمهور دائمًا ما يبحث عن العمل المتقن، كما أكد الكاتب الكبير «بشير الديك» فى تصريحاته لـ «روزاليوسف».. حيث قال إن كتابة الأعمال الوطنية والاستخباراتية تتطلب حبكة درامية شديدة ومراجع تاريخية ودقة بالمعلومات ودراية بالأحداث والزمن الذى يدور فيه العمل نفسه.

وأضاف قائلًا: «الأعمال الوطنية تختلف عن نظيرتها المأخوذة عن الملفات الاستخباراتية من حيث الكتابة والنوع، ولكن بشكل عام الاثنان يحتاجان إلى تركيز شديد وخبرة وحبكة درامية مما يدمج الموقف الوطنى فى الحياة الاجتماعية فيتحول إلى قصة إنسانية  تعبر عنا جميعًا».

كما ألقى «الديك» باللوم على بعض المنتجين مسبقًا لعدم تحمسهم لإنتاج تلك الأعمال بكثرة، مؤكدًا أنها تحقق نجاحًا كبيرًا، جماهيريًا وتجاريًا، على عكس ما يتوقعون. شرط الإتقان فى كتابة العمل ليكون بشكل غير مباشر  وبحبكة درامية تجذب المشاهدين، بالإضافة إلى إنتاجه بشكل سخى ومتقن.

 الحس الوطني

تعتبر المخرجة «إنعام محمد علي» أن مهمة مخرج الأعمال الوطنية أكثر صعوبة ومسئولية عن الأعمال الأخرى، حيث قالت إن لمخرج هذه الأعمال صفات خاصة أهمها أن يتمتع بحس وطنى عال ودراية بأهمية وخطورة وحساسية المادة التى يقدمها، لأنه لا يقدم أفكارًا أو حقائق خاصة به فقط، بل هى ملك للوطن وللشعب على حد سواء، ما يجعل مهمته أكثر صعوبة.

وأضافت قائلة: «من أصعب الأمور فكرة تقديم عمل وطني، خاصة وأننا نربط الواقع بالدراما، وهذا الأمر يتطلب مخرج مطلعًا ومتمكنًا من أدواته، يتعامل باحترافية شديدة فى دمج الصورة وتوحيدها فى عقلية المتفرج. كما يتطلب العمل الوطنى الناجح لورق مكتوب باحترافية أيضًا، لأن الكتابة عنصر مهم جدًا لإنجاح العمل.. ويجب أن يكون الكاتب مطلعًا وملمًا بكل جوانب الحدث الذى يكتب عنه».

كما أشارت المخرجة القديرة إلى أن العمل الوطنى يجب أن تتوافر به كل العناصر الإنتاجية لإنجاحه. مؤكدة أنه يتطلب ميزانية ضخمة ومعدات وأدوات وإذا لم يتم توافر عناصر النجاح اللازمة لن يصل للجمهور ولن يرتبط به المشاهد، بل ومن الممكن أن يؤثر على نجاح وجمال الواقع الذى ينقله.

وأشادت صاحبة (الطريق إلى إيلات) إلى جودة المستوى الفنى الذى وصلت إليه الأعمال الوطنية فى الفترة الأخيرة والذى يضمن لها الخلود فى ذهن المشاهدين، حيث قالت إنها من أشد المتابعين لمسلسل (الاختيار)، والذى كانت تتخوف من تأثير تقديم جزء ثان منه على نجاح الأول، بل وجدت العكس تمامًا، فصناعه استطاعوا أن يسلكوا مسارًا جديدًا. كما تم تقديمه بشكل احترافى من جميع الجهات، سواء من حيث دمج المادة الفيلمية الواقعية بأحداث العمل  بشكل سلس، ومن حيث التصوير والإخراج والأداء التمثيلى المميز.

 لا يزال هناك الكثير

يرى الناقد الكبير «كمال رمزي» أن تصنيف أعمال مثل (الاختيار) كعمل «وطني» فقط، أمر غير صحيح. حيث إن هذه الأعمال تتناول طابعًا فكريًا اجتماعيًا وتقف ضد الفساد الفكرى والتطرف، مما يعنى أنها أعمال اجتماعية وفكرية، وهذا سبب نجاحها بهذا الشكل. مؤكدًا أن هناك فرقًا كبيرًا بين الأعمال الوطنية التاريخية والأعمال الوطنية الاجتماعية. حيث تتناول الأولى القصص الخاصة بكفاح الوطن، وغالبًا ما تكون مرتبطة بزمن معين. بينما الاجتماعية تعتبر أعمالًا ملحمية يمكن مشاهدتها فى أى زمان وتتمكن من توصيل الشعور بالانتماء الوطنى فى كل مرة تعرض بها.

وأضاف قائلا: «لا ننكر أن هناك الكثير من الأعمال التى وقفت فى مواجهة الفساد الذى يهدد الوطن، ولكن للأسف بالنسبة للأعمال الوطنية التى تتناول (وقائع) بعينها، فلا يزال لدى مصر الكثير من المواقف البطولية والقصص التى لم يتم تناولها بعد. وأعتقد أن الأعمال الوطنية يجب أن تتوافر بها كل أدوات النجاح وأهمها المصداقية واحترافية الإخراج والكتابة والتمثيل والإنتاج.. فكلما كان العمل هادفًا وبه معايشة للأحداث كلما كان أفضل».

 أعمال درامية و وثائقية 

قال الناقد الكبير «محمود عبدالشكور» إن المشكلة التى كانت تواجه نوعية الدراما الوطنية بشكل خاص هى المباشرة والصوت العالى والهتافات بلا قصة أو حبكة درامية حول الحدث نفسه، مما كان يصرف الجمهور عنها. أما المشكلة الثانية كانت تتلخص فى عدم توافر الإمكانيات اللازمة لإنتاجها خاصة وأن تلك الأعمال تحتاج إلى ميزانية ضخمة بسبب تناولها حروبًا أو معارك وطنية، فكانت بعض الأعمال قديمًا تقدم بإمكانيات هزيلة ومؤثرات غير متقنة.

وأضاف قائلًا: «الأعمال الوطنية حاليًا أصبحت تركز على الجانب الإنسانى بشكل كبير، ودون وجود تنميط.. فنحن نرى الضابط الإنسان والذى لديه أسرة يتعرض لأوقات عصيبة وأوقات القلق والخوف والعزيمة والتغلب على المخاطر. ولعل العمل الأكثر نضجًا خلال الفترة الماضية من وجهة نظرى كان الجزء الثانى من مسلسل (الاختيار) لأنه على وجه التحديد يعتبر عملًا دراميًا مكتمل العناصر، وقد تلافى صناعه أخطاء الجزء الأول وأخطاء فيلم (الممر) أيضًا. فهذه الأعمال كانت بها أخطاء بسيطة رغم جودتها ومنها المباشرة والصوت العالى الخاص بالرسالة التى يقدمونها».

وأكمل «عبدالشكور» حديثه عن الأعمال الوطنية قائلًا: إنه يجب أن تتوافر عناصر مهمة ومنها الإتقان فى دمج الواقع واستخدام الدعم اللوجيستى وتوافر المواد الفيلمية واستخدام التكنولوجيا لاستخدام أفضل صورة ممكنة.

كما أشار إلى أن حُسن استخدام كل الوثائق المرئية وإدخالها فى المادة المصورة ودمجها باحترافية مما يزيد من مصداقية الأحداث ومعايشة الجمهور لها. مشيدًا بما فعله صناع مسلسل (الاختيار) بجزئيه من دمج احترافى للفيديوهات الموثقة والتى تم تصويرها مسبقًا للأحداث والتى احتوت على بعض اللقطات التى شاهدها الجمهور لأول مرة، مما جعله عملًا دراميًا ووثائقيًا فى آن واحد.

 قضية وعى قومى

أكدت «د.إيمان عبدالله» أستاذ علم النفس والعلاج الأسري، أن كل الشعب المصرى بكباره وصغاره يحتاج للأعمال الوطنية، لأنها تزيد من روح الانتماء للوطن بشكل كبير. غير أنها تعتبر مرجعًا لتاريخنا وشاهدًا على الزمن والمجتمع. وتعكس معاناة المجتمع والوطن والجيش والشرطة والسياسيين لكسب معارك ناجحة ورفع راية بلادنا. مؤكدة أن للدراما تأثيرًا سحريًا على المشاهد، سواءً كانت تحمل رسائل مباشرة أو غير مباشرة..فالعمل الدرامى يسكن فى وجدان وعقول الكبار والصغار ويزيد من روح الوطنية والانتماء بشكل لا شعوري.

وأضافت قائلة: «يجب أن نتعامل مع الدراما على أنها قضية وعى قومى مهة جدًا للشباب والصغار، فهى السلاح الأقوى تأثيرًا على الفكر. وعندما تستعرض هذه الأعمال الحقائق من حولنا تجعل الشاب والطفل يعرف عدوه الحقيقى وتاريخه وقدسية أرضه التى روتها دماء الشهداء.. كما أنها تعلم أولادنا معنى التضحية من أجل الوطن، وتساعدهم على الترابط بين الأسرة والمجتمع، والانتماء وترسيخ هويته كمواطن. وكلما كان العمل أكثر مصداقية كلما انجذب إليه الجمهور بشكل كبير».

كما أكدت أن على الدولة الاهتمام بإنتاج أعمال وطنية هادفة بشكل كبير ومكثف بشرط جودتها وتماشيها مع فكر الأجيال الجديدة، وذلك حتى لا تترك المجال للمنصات الأجنبية وشركات برامج الأطفال العالمية التى تضع معايير ضد المجتمع وضد الانتماء وتبثها فى عقول أبنائنا.

مؤكدة أن الأطفال يحبون الأعمال الوطنية خاصة لو كان يشارك ببطولتها أطفال آخرون، كما أنهم يتخذون القيادات ورجال الجيش والشرطة قدوة لهم فى حياتهم. خاصة وأن المسلسلات تختار نجومًا محبوبين ولهم جماهيرية عالية لتجسيد أدوار الأبطال الحقيقيين، مما يزيد من تعلق الطفل بهذه الشخصيات ويتخذهم نموذجًا يحتذى به فى حياته.