السبت 22 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

البحر الأسود تكدس بالسفن الحربية والغواصات والطائرات حرب عالمية ثالثة فتيلها الصراع الروسى - الأوكرانى

أدت المواجهات المستمرة بين موسكو والغرب وتصاعُد الأزمة الأوكرانية خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2021، وسط تحذيرات أمريكية من مؤشرات كبيرة لغزو روسى وشيك لأوكرانيا، إلى أن يكون عام 2022 - على الأرجح- هو عام المُضى فى المواجهة إلى آخر مدَى، ومَهما كانت النتائج بين الدولتين «روسيا وأوكرانيا»  يسبقهما تاريخ يعود إلى العصور الوسطى.



 

ففى أجواء أشبه ببداية الحرب العالمية الثانية تُحرك موسكو- التى تشعر بقلق بالغ من استمرار توسع حلف الناتو- قواتها على رقعة شطرنج العالم، وتحتشد على حدود جارتها الصغيرة أوكرانيا.

ورُغم تحديد يوم التاسع من يناير الجارى لبدء مباحثات بين روسيا والولايات المتحدة فى جنيف لتناول الشأن الأوكرانى، تتولاها نائبة وزير الخارجية الأمريكى، ويندى شيرمان، ونظيرها الروسى، سيرغى ريابكوف، على أن يليها فى 12 من الشهر نفسه اجتماع بين روسيا وحلف شمال الأطلسى، ثم اجتماع فى 13 منه فى إطار منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا؛ فإن الحشود العسكرية لم تتوقف؛ بل إنها بلغت مستويات خطيرة على الجانبين الروسى والأوكرانى، أدت إلى اشتباكات محدودة حتى الآن بين المتنازعين على خط الهدنة داخل أوكرانيا، فى ظل تكدس البحر الأسود بالسفن الحربية والغواصات، وطائرات من الطرفين كادت تتصادم أكثر من مرة.

فى الوقت الذى تتصاعَدت فيه حدة التحذيرات الغربية لموسكو من مغبة قيامها بأى عمل عسكرى لا تحمد عقباه فى أوكرانيا، سواء من بروكسل مركز صناعة القرار الأوروبى والأطلسى أو من برلين أحد أهم قادته، أو من واشنطن التى قالت بشكل حاسم إنها سترد إذا غزت روسيا أوكرانيا، وأكد رئيسها چو بايدن ذلك خلال محادثة هاتفية استمرت نحو 50 دقيقة مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين.

كما أوضح البيت الأبيض أن واشنطن تأخذ بعين الاعتبار مسارين اثنين لتطور الأحداث، يعتمدان بالأساس على إجراءات روسيا المستقبلية حيال أوكرانيا، أولهما المسار الدبلوماسى فى حال تراجعت روسيا عن التصعيد وعملت على تهدئة التوترات فى المنطقة، وثانيهما بفرض عقوبات صارمة وزيادة المساعدة العسكرية لأوكرانيا إذا غزت روسيا الأراضى الأوكرانية.

وترفض الدول الغربية استبعاد توسع الناتو شرقًا، فيما تصر موسكو على أنها لن تقبل انضمام كييف للحلف وتعتبر ذلك «خَطًا أحمر». 

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فمنذ اندلاع الحرب فى شرق أوكرانيا فى أبريل 2014، لقى أكثر من 14 ألف شخص مصرعهم قبل أن يتوصل الرئيسان الأوكرانى آنذاك، بترو بوروشينكو، والروسى، فلاديمير بوتين، إلى اتفاق فى عام 2015، أصبح جزءًا مما يسمى الآن بـ «اتفاقيات مينسك»، وتضمنت هذه الاتفاقيات خطوطًا عريضة لكيفية إنهاء الصراع بين القوات الانفصالية الأوكرانية التى تدعمها روسيا فى المنطقة المضطربة فى شرق أوكرانيا المعروفة باسم دونباس والحكومة الأوكرانية.

ولكن ورُغم التوصل إلى خطة السلام تلك؛ فإنه لم يتم تنفيذها حتى الآن، فمنذ أن فرضت روسيا سيطرتها على شبه جزيرة القرم عام 2014، تعتبر كييف نفسها فى حرب مع موسكو، ولهذا السبب، جعلت أوكرانيا الانضمام إلى الناتو هدفًا لها ينص عليه الدستور منذ عام 2019، غير أن الدستور ذاته يحظر على الجيوش الأجنبية إقامة قواعد لها على الأراضى الأوكرانية، فيما تشير مصادر حلف شمال الأطلسى إلى أن روسيا حشدت ما بين 75 ألفًا إلى 100 ألف جندى قرب الحدود الأوكرانية خلال الأسابيع الأخيرة.

لهذه الأسباب كانت تهديدات واشنطن والدول الغربية بعقوبات اقتصادية وسياسية مؤلمة لروسيا، تمثلت فى تلويح ألمانيا بعدم تشغيل خط أنابيب السيل الشمالى 2، بما يحد من واردات ألمانيا من الغاز الروسى، واتخاذ الولايات المتحدة خطوة طرد روسيا من نظام سويفت للتحويلات البنكية، والذى يعرقل الصادرات والواردات الروسية عبر البنوك.

وإزاء الحديث عن غزو روسى وشيك لأوكرانيا وشكل المواجهة المرتقب بين الجانبين، انقسمت آراء المراقبين الغربيين بين رأى يذهب إلى أن روسيا لن تدع أوكرانيا تدور فى فلك الغرب من دون قتال؛ بل إن هناك مؤشرات مقلقة بالفعل تنذر باحتمال شن روسيا هجومًا عسكريًا على أوكرانيا؛ حيث عززت موسكو قواتها بهدوء على طول الحدود الأوكرانية على مدى الأشهر الماضية، ما قد يكون مقدمة لعملية عسكرية ترمى إلى فتح ثغرة فى الأزمة السياسية الأوكرانية إثر وصولها إلى طريق مسدود، كما أن أوكرانيا «مستعدة كليًا» للتصعيد العسكرى مع روسيا وواشنطن قد تتوسط لترجيح كفتها.

ويعتبر سيناريو اندلاع حرب أوسع محتملًا تمامًا، وإذا حدث ذلك؛ فإن اختيار بوتين لتوسيع صراع محتدم لن يكون متسرعًا، ذلك أن تبعات أزمة أوكرانيا فى 2014 لا تزال مشجعة على التصعيد أكثر من تجميد الصراع وتحويله إلى سلام غير مستدام.

بل ويذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك بأنه فى حالة إعلان ضم أوكرانيا لحلف الناتو، وتجاهُل التهديدات الروسية؛ فهناك أحد احتمالين للرد الروسى، الأول أن تدعم انفصال جنوب وشرق أوكرانيا، وهو ما يتسبب فى حرب، سواء كانت محدودة أو قابلة للاتساع، أمّا الاحتمال الثانى فهو أن تنشر روسيا صواريخ فى كوبا أو فنزويلا بالقرب من الولايات المتحدة؛ ليكون التهديد متبادلاً؛ خصوصًا أن عددًا من دول أمريكا الجنوبية فى حالة عداء مع الولايات المتحدة، لتتسع ساحة المواجهات، وإذا كانت أوروبا تقف فى الصف الأمريكى رُغم المخاوف من أن تصبح أراضيها ساحة لحرب تجرها إلى المجهول؛ فإن الصين أعلنت دعمها للمواقف الروسية، وتتجهز أيضًا لمواجهة محتملة مع التحالف الأمريكى البريطانى الأسترالى فى بحر الصين والمحيط الهادى ومضيق تايوان، وهكذا قد تنطلق شرارة مواجهات بالغة الخطورة من أوكرانيا لتصبح أخطر مواجهة دولية منذ الحرب العالمية الثانية.

وفى مقابل هذه الترجيحات يرى آخرون أن توترات روسيا مع أوكرانيا لن ترتقى إلى حرب إنما هى فقط رسالة للغرب، واستنادًا لهذا الرأى نشر موقع The Christian Science Monitor مقالاً لفريد وير يتوقع فيه أن قيام حرب بين روسيا وأوكرانيا غير واردة الحدوث، وأن السبب وراء حشد روسيا لقواتها على حدودها مع أوكرانيا هو فقط لتقديم رسالة للغرب مفادها أنها لن تقبل انضمام أوكرانيا إلى الناتو أو توسع الحلف بعد الآن.