السبت 22 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

لمس «الحجر الأسود» بتقنية «VR».. هل يسمح به فى المناسك؟ رفض أزهرى للاستعانة بالواقع الافتراضى فى أداء العبادات

حالة من الجدل أثارها قرار سلطات إدارة المقدسات الإسلامية فى السعودية بإطلاق مبادرة «الحجر الأسود الافتراضى»، حيث يصبح بالإمكان لمس الحجر افتراضيًا عبر تقنية الـVR، حيث أفاد الحساب الرسمى لرئاسة شؤون الحرمين عبر «تويتر»، بأن «الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوى الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديسى دشن المبادرة بمكتبه بالرئاسة».



 

وأضاف: إن «مبادرة (الحجر الأسود الافتراضي) أطلقتها وكالة شؤون المعارض والمتاحف ممثلة فى الإدارة العامة للمعارض الرقمية، بالتعاون مع معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة بجامعة أم القرى».

هذه المحاكاة التى أعلنها السديسى استهدفت على حسب ما أعلنه «إنشاء بيئة محاكاة افتراضية، لمحاكاة أكبر عدد ممكن من الحواس، مثل الرؤية والسمع واللمس، حتى الشم، لتصل جميع مخرجات الرئاسة التى تخص الحرمين الشريفين، وما تبذله حكومة خادم الحرمين الشريفين لجميع أنحاء العالم، من خلال العالم الافتراضى، وهى تحاكى الواقع بكل وضوح وصدق».

وعلى الرغم من الجدل المجتمعى حول إدخال أماكن مقدسة فى المحاكاة الافتراضية كانت هناك تساؤلات عديدة حول إمكانية أداء مناسك العمرة أو الحج افتراضيًا، أو مدى مشروعية استخدام تلك التقنية فى لمس الحجر افتراضيًا أثناء التواجد بمناسك العمرة أو الحج.

الشيخ خالد الجندى الداعية المعروف بادر بالتعليق على الأمر واصفًا إياه بالعادى مع التطور التكنولوجى فى عالم الواقع الافتراضى الجديد، إلا أنه رفض أن يتم الاستغناء عن الواقع الفعلى فى أداء مناسك العمرة أو الحج قائلا فى تصريحات صحفية: إن الشعائر والعبادات لا تقع صحيحة إلا بالحدوث الفعلى لا المجازى ولا الافتراضى، فأى وضوء افتراضى لا يرفع الحدث ولا تصح به الصلاة، وأى صلاة افتراضية دون تحقق شروطها لا قيمة لها، وأى قراءة للقرآن دون تحريك اللسان لا تعد تلاوة قرآنية لا يترتب عليها أجر التلاوة والترتيل المعروف، وأى حج افتراضى أو عمرة افتراضية لا تتحقق بهما شعيرة ولا تسقط واجبًا ولا تعد عبادة، بل إن القرآن الكريم حسم هذه المسألة بمَثَل السراب الذى لا حقيقة له فقال جل شأنه: (والذين كفروُاْ أعمالُهم كسرابٍ بقِيعةٍ يحسبهُ الظَمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَم يَجِدهُ شَيْئَاً)، باختصار اللهم إنا نعوذُ بك من عبادة السراب. 

استغلال للمشاعر

بينما ترى د. سعاد صالح أستاذ الفقه بجامعة الأزهر أن إتاحة فرصة ملامسة الحجر الأسود افتراضيًا تعتبر من قبيل استغلال مشاعر الناس الروحانية، وهو تطويع لأمور تقنية ليس لها فائدة للمسلم ولا الإسلام، حيث إن لمس الحجر الأسود ليس إلا سنة فى مناسك العمرة والحج، بل إنه يكره المزاحمة من أجل لمسه أو تقبيله.

وشددت أن العبادات كالحج لابد أن تؤدى بالحضور والواقع، والتواجد فى أماكنها وزمانها المحددين، ولا يمكن التعايش فى أماكن مقدسة عن طريق واقع افتراضى، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عنى مناسككم»، ولابد أن يقوم الإنسان بأداء العبادة بنفسه جسدًا وروحًا.

وحول ما يقوله البعض من أن تقنية «VR» من الممكن أن يؤدى الإنسان من خلالها مناسك الحج مثلا قالت د. سعاد إن الله تعالى قال: «ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا»، فإذا لم تتوفر الاستطاعة بالبدن والروح فى أداء المناسك، فهنا سقط وجوب أداء الفريضة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وهنا لا يمكن أن يستعاض عنه بواقع افتراضى.

كما أكدت د.سعاد على ضرورة عدم المبالغة فى استخدام التقنيات الحديثة فيما يتعلق بالعبادات، فلا يمكن مثلا استقبال القبلة عن طريق نظارة افتراضية، وأنه لابد من التمسك بالنصوص القطعية، فى العبادات حيث إن النصوص فى سورة البقرة والحج جاءت قطعية مثلا فى شأن الحج، من حيث إتيان البيت الحرام والسعى بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة. 

ومع هذا ترى د. سعاد أنه من الممكن استخدام تقنية VR لتعليم الناس مناسك الحج، قائلة: «إنه بالقياس على ما يتم من محاكاة للكعبة لتعليم المناسك يجوز استخدام التقنيات لتعليم مناسك الحج أو العمرة، أما استخدام تلك التقنيات من أجل أن يستغنى الناس عن الذهاب إلى البيت الحرام لأداء المناسك فهذا مرفوض ولا يجوز أصلا».

وأعربت د. سعاد عن خشيتها فى أن يأتى هذا التعليم والتعود على واقع افتراضى فى عبادات مثل الحج بالاستسهال بين الناس، لأن الحج به مشقة، والله تعالى يقول: «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى» والتزود بالتقوى يأتى نتيجة التعايش والإحساس بالعبادة، لا بمعايشتها افتراضيًا.

تحقق العبادة

فيما لا يعترف الشيخ عبدالحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى السابق بجامع الأزهر باستخدام تقنية الواقع الافتراضى والمشاهدة الافتراضية فى تحصيل ثواب بلمس الحجر الأسود، مؤكدًا أن المشاعر الروحانية الحقيقية لا تتحقق إلا بالملامسة أو المشاهدة العينية فى موضع الحجر.

وقال الشيخ الأطرش: «لا يمكن لأحد أن يُحارب العلم والكل يقف معه لكن أمور العبادة لا يمكن أن يستخدم فيها تقنيات تؤدى أن البعض يرى أنه فعل مثل من قام بالسفر إلى البيت الحرام ولمس الحجر، حيث إن العبادة لابد أن تؤدى بالنفس والجسد، ولا يمكن أن نعتمد فيها على تقنيات تكنولوجية».

واختتم قائلا: «إن الله تعالى أوحى إلى آدم أنى مهبط معك بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرس فتمتعوا به ما استطعتم، فالتمتع يكون بالمعايشة الواقعية والطواف حول البيت الحرام والنظر إليه، وملامسة الحجر».

رأى مخالف

وعلى عكس الآراء السابقة يرى د. علاء الشال من علماء الأزهر أن ما أعلنته رئاسة شئون الحرمين من لمس الحجر الأسود افتراضيًا خطوة جيدة فى مجال العالم الإلكترونى الذى نعيشه، فهو يسبب بعدًا روحيًا مهمًا لكل المسلمين حول العالم. 

ولكنه يتفق مع ما سبق فى أن الشعائر والعبادات لا تقع صحيحة إلا بالحدوث الفعلى لا المجازى ولا الافتراضى وقال: إن الحج مثلا له أركان والرُّكن هو: ما لا يتمّ الشىء إلّا به، ويكون داخلاً فى حقيقته، وقد نصّ الفقهاء فى كُتبهم على أنّ مَن ترك رُكناً من أركان الحجّ، بَطُل حجّه، واتّفق أغلبهم على تعيينها ومنها: «الإحرام من الميقات، طواف الإفاضة ويُعرَف بطواف الزيارة».

وعن رأيه فى القبول بلمس الحجر الأسود افتراضيًا أوضح أن تقبيل الحجر الأسود سنة وليس ركنًا من الأركان فى الحج والعمرة، فتقبيل الحجر الأسود واستلامه، والإشارة إليه سنةٌ نبويةٌ، فإذا شقّ ذلك وصعُب عليه؛ فلا حرج عليه بتركها، إن كان ذلك يسبّب الأذى للناس، ويؤدى إلى مزاحمة المسلمين بعضهم بعضًا وذلك لأنّ استلام الحجر الأسود وتقبيله سنةٌ، أمّا إيذاء الناس ففعلٌ محرّمٌ، فلا يرتكب الإنسان الفعل المحرّم والفعل المسنون فى آنٍ واحدٍ.

أضاف: إن البعد الروحى لتقنية مس الحجر الأسود إلكترونيًا أمر مفيد ومهم فى زمن التكنولوجيا لكنه لا يغنى عن ممارسة الأمر فعليًا بل يعتبر رمزًا للتقديس والحب ليس إلا كما فى صور المساجد والمآذن والكعبة .