السبت 22 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كشفت بالأدلة أن الجماعات المسلحة ذراع الإخوان العسكرية وهاجمت تدليل الحكومة للمتطرفين «روزاليوسف» واجهت الإرهابيين فى الثمانينيات والتسعينيات بينما هادنهم الآخرون

واكبت «روزاليوسف» لحظة بلحظة الأحداث الإرهابية التى شهدتها مصر منذ اغتيال السادات، وعلى مدار العقدين التاليين (الفترة الزمنية التى سنتناولها فى هذه السطور)، لم تكتفِ بالرصد وكشْف الحقائق المسكوت عنها؛ بل تصدت لها بالتحليل والمعلومات والتحذير من خطر تغوُّل هذه التيارات الظلامية التى ثبت بالتجربة أنها لا تؤمن بالحوار؛ بل تتخذ من الحوارات السلمية من قبَل الدولة وسيلة للتغلغل والتوغل الشرس فى المجتمع المصرى.



وبات واضحًا أن المعركة مع التطرف والإرهاب لم تعد ساحتها الحوار ومقارعة الحجة بالحجة؛ بل انتقلت إلى ساحة ضارية من العنف استهدفت بشكل أساسى أمن واستقرار مصر، وبشكل خاص وزارة الداخلية، عبر محاولات الاغتيال المتتالية لوزراء الداخلية.

دعونا نقفز خطوة إلى الأمام قبل أن نعود إلى حادث المنصة واغتيال السادات، فالوقائع الراسخة تؤكد أن «روزاليوسف» تصدت للإرهاب وجماعات الإسلام السياسى فى الوقت الذى تخلف غيرها عن الركب؛ بل ووقفت إلى جانب هذه الجماعات الإرهابية على حساب الوطن، والمؤسف أن بعضًا من هؤلاء كانوا قيادات بارزة فى صحف قومية لم يدافعوا فقط عن تلك الجماعات محاولين تبرئتها من عملياتها الإرهابية؛ بل ذهبوا إلى الغمز واللمز باتهام من يحاول تعرية جماعة الإخوان الإرهابية والتنظيمات السرية بأنهم أعداء للإسلام.

وتكشف مواقف «روزاليوسف» عن مواقف مخزية ارتكبتها بعض الصحف المؤيدة لجماعة الإخوان والجماعات الإسلامية وتلك المهادنة لهم؛ بل ولمواقف جهات رسمية بالدولة فى ذاك الوقت وفى مقدمتها «الرقابة» التى كانت تحذف المَشاهد الدرامية التى تدين تلك التنظيمات، فى الوقت الذى سمحت فيه بصدور صحف يسيطر عليها الإسلام السياسى وفى المقدمة منه تنظيم الإخوان الإرهابى؛ بل وأكدت «روزاليوسف» صراحة بالأدلة والبراهين أن هذه التنظيمات الإرهابية السرية ما هى إلا الذراع العسكرية لتنظيم الإخوان.

كما حذرت «روز اليوسف» من تغول شركات توظيف الأموال- الذراع الاقتصادى للإخوان والجماعات الإسلامية- والتى تداخلت مع أجهزة الدولة وأصبح لها نفوذ سياسى واجتماعى كبير، ربما يفسر مداهنة بعض كبار الصحفيين لهم والدفاع عنهم.

 استهداف وزراء الداخلية

شهد النصف الثانى من الثمانينيات محاولات متتالية لاغتيال وزراء الداخلية، مما يشير إلى تركيز الجماعات الإرهابية على تعميق صراعها مع الدولة على المستوى الأمنى، فكلما حاولت الدولة فتح المجال لتيارات الإسلام السياسى من أجل الحوار والاندماج فى المجتمع زادت وتيرة هذه الجماعات فى اللجوء إلى العنف المسلح، حتى إن «روزاليوسف» قالت صراحة إن تدليل الدولة لهذه الجماعات والتنظيمات أحد أسباب تغولها وتوحشها.

 محاولة اغتيال أبو باشا 

وقعت محاولة اغتيال وزير الداخلية حسن أبو باشا فى 5 مايو 1987، وكانت بداية لاستهدافات متتالية لوزراء الداخلية وإيذانًا بموجات من العمليات الدموية التى طالت فيما بعد مع مطلع التسعينيات رئيسَ مجلس الشعب د.رفعت المحجوب، ثم امتدت لضرب السياحة والتوسع فى استهداف الأقباط، وتواكب كل ذلك مع إحكام جماعة الإخوان الإرهابية بمساعدة شباب الجماعات الإسلامية السيطرة على الجامعات المصرية، حتى باتت تسيطر تمامًا على جامعة أسيوط فى النصف الثانى من الثمانينيات مع إحكام قبضتها على نادى أعضاء هيئة التدريس وفرض منع الاختلاط ومنع أى حفلات أو أنشطة ليست على هواها بينما وقفت الأجهزة المسئولة موقف المتفرج.

 

معركة مصيرية

مع حادثة محاولة اغتيال اللواء حسن أبو باشا خاضت «روزاليوسف» معركة مصيرية من أجل الوطن ليس فقط مع رموز الفكر المتطرف؛ بل وللأسف مع رموز صحفية كان يُفترَض بها أن تهب فى وجْه هذا التطرف إلا أنها حاولت بشتى الطرُق تبرئة الجماعات المتطرفة من اغتيال أبو باشا.

فى هذا الشأن كتب الأستاذ جمال سليم مقالًا فى «روزاليوسف» بعنوان «لماذا كانت هذه الرصاصات التى انطلقت فى شارع المراغى بالعجوزة»، وذلك ردًا على مقال لكاتب وقيادة كبيرة فى إحدى الصحف القومية وعدد من الكتاب الآخرين؛ حيث قال «سليم»: «المقالات المقصودة هنا تدور حول محور واحد هو أنه لا يوجد دليل حتى الآن على أن الجماعات الدينية المتطرفة هى التى قامت بهذه الجريمة وأنه على فرض أن الجماعات الدينية المتطرفة هى التى قامت بهذا الاعتداء فإنها جريمة فردية عادية ولا يصح اعتبارها دليلًا لإدانة الحركات والجماعات الدينية».

وأضاف: «لقد تخطى الأخ..... هذا المحور إلى اتهام كل من تصدّى لهذه الجريمة البشعة بالبُعد عن الإسلام والكراهية له كأنما الاغتيال فريضة من فرائض الإسلام الغائبة ينبغى علينا الإيمان بها والاحتفال بانتشارها».

وخلص جمال سليم إلى أن «الذين يقولون إن محاولة الاغتيال جريمة فردية وجريمة عادية فهم من السذاجة بحيث يمكن أن يقودوا البلاد إلى التهلكة إذا أخذ بكلامهم؛ لأن طبيعة هذه الجريمة ليست فردية وليست عادية وهناك فرق بين الجرائم العادية والجرائم السياسية وبين الجرائم الموجهة ضد شخص وبين الجريمة الموجهة ضد مجتمع لهز استقراره».

 تحريف الحقائق

لم تكن مواقف باقى أفراد كتيبة «روزاليوسف» الصحفية مختلفة عن موقف الأستاذ جمال سليم؛ حيث خاضوا معركة ضد تحريف الحقائق فى واقعة محاولة اغتيال اللواء حسن أبو باشا وضد محاولات إخفاء حقيقة ما حدث، وكتب الأستاذ عبد الستار الطويلة مقالًا استشرف فيه مستقبل استعانة جماعة الإخوان بالتنظيمات السرية الإرهابية بديلًا لجهازها السرى، وذلك بعنوان «خمس ملاحظات حول محاولة اغتيال أبو باشا»، أشار فيه إلى أنه قد لا تكون هناك علاقة مباشرة بين جماعة الإخوان وحادثة الاغتيال مستدركًا بقوله: «لقد كان للإخوان دائمًا جهاز سرى يقوم بعمليات القتل والاغتيال والتدمير وإذا لم يكن لديهم ذلك الآن فإن هذا الجهاز المتوقع أن يصبح أداتهم فى تحقيق أهدافهم الإرهابية فى المستقبل القريب أو البعيد هو تلك المنظمات السرية».

وأضاف: «بل نحن نمضى إلى أبعد من ذلك فنقول إن هناك قيادة خفية عادة للتيار الدينى السياسى فى مصر تتابع نشاط اتجاهات تمثل ذلك التيار ولو اختلفت صفة ونوعية التمثيل.. هناك الإخوان المسلمون وهناك التيارات الدينية السرية المتطرفة ثم هناك القاعدة الاقتصادية لذلك التيار الممثلة فى شركات توظيف الأموال وما خُفى كان أعظم».

واستطرد «الطويلة»: «عندما تَحدّثنا من قبل عن مستقبل التيار الدينى فى مصر قلنا إن هذه الشركات تتداخل مع أجهزة الدولة وأصبح لها نفوذ سياسى كبير كانعكاس لنفوذها الاقتصادى بل والاجتماعى؛ إذ يعيش على إيراداتها مئات الألوف من المواطنين مما يخفف العبءَ عن الحكومة ذاتها فى تلبية مَطالبهم».

ويشير «الطويلة» إلى أن «بعض الناس يدافعون عن محاولة اغتيال حسن أبو باشا بطريقة غير مباشرة ويحاولون تخفيف الصدمة الجماهيرية والحكومية (......) ثمَّة صحف (المتعاطفة والمتهادنة مع التيار الدينى) تكتب بحُرية كاملة عن الحادث وتفسره كما تشاء حتى إن بعضها ألقى بالمسئولية على المخابرات الأمريكية وإسرائيل ونفى الاتهام عن التيار الدينى».

 حاجز زجاجى

وكتب رئيس التحرير فى ذاك الوقت الأستاذ محمود التهامى مقالًا بعنوان «انطلاق مدفع رشاش على حاجز زجاجى»، أشار فيه إلى «حاجز زجاجى بين العنف والحوار، وإلى أن الوزير أبو باشا معروف عنه أن له رأيًا خاصًا فى مواجهة التطرف، وقد حاورته منذ عدة سنوات حول ظاهرة التطرف الدينى ووسائل حماية المجتمع من آثاره الضارة فأكد لى أنه لا سبيل إلا الحوار لكشف عناصر التطرف وإقناع الجمهور العريض من الناس بأن الفكر المتطرف يتناقض بطبيعته مع فكرة المجتمع فى حد ذاتها».

ويضيف «التهامى»: «الحديث عن الحاجز الزجاجى بين العنف والحوار لا بُد أن يجرنا إلى ملاحظة مهمة حول الحوار وأسلوبه فى مجابهة التطرف والعنف، فالعنف يلوى ذراع المجتمع ويحاول دعاته أن يفرضوا رأيَهم بقوة الإرهاب ويُهيئوا الساحة لحركتهم التالية بإجبار الناس على الخوف منهم وخشية سطوتهم».

ويختتم بقوله: «أعتقد أن الأسلوب الأمثل لمقاومة التطرف باسم وتحت ستار الدين يجب أن يوضع له برنامج قومى يشترك فى وضعه وتنفيذه كل القوى صاحبة المصلحة فى استقرار واستمرار الديمقراطية فى مصر، وأول ملامح هذا البرنامج فى رأيى أن نكف عن تغذية شبابنا بمواد ملتهبة تدفعهم فى اتجاه التطرف فكرًا أو تصرفًا، وأن نبحث فى الوسائل المناسبة بحيث يستطيع المجتمع أن يضع المتطرفين والمتهوسين تحت رقابته فلا تصل أيديهم إلى زناد بندقية أو مقبض سكين».

 تغطية تفصيلية

لم تتوانَ «روزاليوسف» عن تقديم التغطية التفصيلية الموضوعية بكل حرفية من موقع الحدث فى محاولة اغتيال الوزير أبو باشا؛ حيث استجوب الأستاذ إبراهيم خليل شهود الواقعة وفى مقدمتهم الشاب وليد أسامة دنانة أحد سكان العمارة، الذى قام بنقله إلى مستشفى العجوزة بعد إطلاق النيران عليه.

ويقول وليد: «كنت خلف سيارة أونكل حسن أبو باشا ولكنه كان أسرع منّى فى ركن العربية وكانت عربة أخرى أمامى فنزلت من السيارة لأدفعها حتى أركن سيارتى بجواره وفى هذه اللحظة شاهدت رجلًا ينزل من عربة داتسون لم تظهر ملامحه لأنه كان يضع كوفية على وجهه وكان يمسك مدفعًا رشاشًا وكان أونكل حسن فى نفس الوقت ينزل من سيارته التى كان يقودها بنفسه فانطلقت عليه طلقات رصاص متتالية ووقتها نزلت أختبئ تحت العربية وكان الرجل الذى نزل من العربة الداتسون النصف نقل هو الذى يطلق النيران وهناك آخر يقود السيارة يسير ببطء حتى انتهى إطلاق النيران فصعد إليها الشخص الذى كان يطلق النيران، وبمجرد انتهاء إطلاق النيران قمت من مكانى ورجعت بالسيارة بظهرى وقمت ومعى أمين شرطة وأحد الجيران بحمل أونكل حسن وأدخلناه السيارة وأجلسناه على المقعد الخلفى وكذلك الطفل الذى أصيب وطلب منّى أونكل حسن أن أذهب به إلى مستشفى المعادى ولكنى أصريت على الذهاب إلى مستشفى الشرطة لأنها لا تبعد عن الحادث بأكثر من نصف كيلو».

كما استجوبت «روزاليوسف» الطفل المصاب وبواب العمارة وابنته والجيران من سكان العمارة والعمارات المجاورة وحتى الباعة الذين كانوا على مقربة من موقع الحادث.

 النبوى إسماعيل وزكى بدر

لم يمر سوى ثلاثة أشهُر على محاولة اغتيال حسن أبو باشا حتى صدَقت تحذيرات «روزاليوسف» من موجات الإرهاب وتدليل الجماعات الإسلامية؛ حيث جرت محاولة اغتيال اللواء محمد النبوى إسماعيل وزير الداخلية الأسبق فى 14 أغسطس عام 1987، وكذلك جرت محاولات لاغتيال موظفى السفارة الأمريكية وأيضًا رئيس تحرير المصور فى ذاك الوقت الكاتب الصحفى مكرم محمد أحمد.

المثير فى الأمر أن محاولة اغتيال النبوى إسماعيل جاءت بعد أيام من عَقد مؤتمر «قضايا الساعة الأمنية تحت المجهر» ناقش التطرف الدينى وأسبابه وأهدافه وكيفية مواجهته؛ حيث حذرت «روزاليوسف» فى تقرير للأستاذة سوسن الجيار من «أن المسألة (محاولة الاغتيال) بدت كما لو أن الجناة هذه المرّة يُخرجون لسانهم وأيضًا رصاصهم لهذا المؤتمر بالذات ويبلغون أصحابه رسالة بليغة «لا أحد بعيد عن أيدينا» وها نحن بعيدون عن عيونكم وأجهزتكم».

ثم تطورت العمليات الإرهابية من محاولات اغتيال وزراء داخلية سابقين إلى محاولة اغتيال وزير داخلية خلال توليه منصبه هو الوزير زكى بدر، وذلك فى 16 ديسمبر 1989؛ لتجدد «روزاليوسف» تحذيراتها وتكشف عورات مهادنة الجماعات الإسلامية، إذ كتب الأستاذ عبدالستار الطويلة مقالًا بهذه المناسبة بعنوان «نحن وأولئك الإرهابيون؟»، جاء فيه:

«حذفت رقابة التليفزيون من برنامج عن ذكرى هدى شعراوى محررة المرأة المصرية بعد قاسم أمين كل إشارة إلى أنها خلعت الحجاب وبالأحرى النقاب ودعت المرأة المصرية إلى خلعه.. وتمنع رقابة التليفزيون عرض فيلم (السكرية) الفيلم الثالث من ثلاثية نجيب محفوظ الرائعة لا لشىء إلا أن أحد الشخصيات فى الفيلم يمثل دور شاب منتم إلى التيار الدينى، كما حذفت رقابة التليفزيون من مسلسل رواية (الأفيال) لفتحى غانم الكثير من المسلسل لأنه يتناول الجماعات الدينية بشكل انتقادى».

«وتغص الصحف المصرية القومية والإذاعة القومية والتليفزيون القومى يوميًا بمن يكتبون ويدعون علانية إلى حاكمية الله.. وأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وبهتان.. أى نفس نظريات التيارات الدينية المتعصبة إذ ترى أن الحكم الحالى «حكم بشرى» وبالتالى فإنه من أعمال الجاهلية الأولى يحل دمه وعرضه وماله ويستحق التدمير».

«كل هذا التدليل من جانب الدولة لا يعجب التيار الدينى المتطرف.. فيرد عليها أى على الدولة بالرصاص والقنبلة والشحنات الناسفة... ولا جدوى على الإطلاق من هذا التدليل والمهادنة، فإنهم أى المتطرفين الدينيين، لا يفهمون من الحكم بالدين إلا قَطع اليد ورَجْم الناس وجَلدهم، وهم لا يفهمون من الدين سوى أن النساء يجب أن يخفين وجوههن وأذرعهن وسيقانهن.. هذا هو الدين فى نظرهم، وهم لا يكترثون قَط بمبادئ العدالة الاجتماعية التى جاء بها الإسلام».

«إن الدولة لم تقصر قَط فى حق التيار الدينى السياسى فى مصر بل تدللهم إلى الحد الذى تنشر فيه بعض أفكارهم الأساسية التى يعتمدون عليها فى القيام بأعمالهم الإرهابية وكأن الدولة تتبرع لهم بعمل الأرضية الأيديولوچية الصالحة لنشاطهم».

«إن هناك أكثر من أربع صحف تنشر أفكار هذا التيار الدينى؛ بل وتدعو إلى ما يسمى بالحاكمية وتدعو إلى تكفير المجتمع، وهناك جمعيات رسمية ودُور نشر رسمية تنشر فكرهم هذا كل يوم والدولة ولا أحد أيضًا يعترض على ذلك بل الحرية مكفولة لهم، ورُغم الضجة التى نسمعها كل عام عن انتخابات اتحادات الجامعة واستبعاد هذا الفريق أو ذاك؛ فإننا نرى أن كثيرًا جدًا من الناجحين من أعضاء تلك الجماعات الدينية ويفرضون على الطلاب جاهليتهم كمنع الرحلات المشتركة والاختلاط بين الطلبة والطالبات».

«وفى النقابات المهنية يرشحون أنفسهم تحت لافتات صريحة: الإسلام هو الحل.. الجماعة الإسلامية فى المهندسين.. فى الأطباء.. ينجحون بل يرأسون بعض النقابات والدولة لا تعترض، وفى البرلمان 36 نائبًا يمثلون التيار الدينى السياسى ويقولون تحت القبة ما يشاءون وتنشر الصحف القومية بعضه».

«وهم يجوبون البلاد طولًا وعرضًا يخطبون ويدعون لأفكارهم حتى فى هيئات التدريس بكل الجامعات وهى المكان الذى لم يكن فى عهد جمال عبدالناصر يستطيع أحد أن يقترب منه ولا تعترض حكومة اليوم ولا يعترض أحد».

 «إذن ماذا يريدون؟»

«إن الإرهاب هو العدو الأساسى للبلاد والشعب.. إلى هذا يجب أن تتوجه جهودنا ومن هنا فإن سياسة الاصطدام بكل القوى فى مصر سياسة خاطئة (.......) يجب حشد الأمّة كلها لمواجهة الإرهابيين.. ويعنى ذلك السماح لكل القوى السياسية بممارسة نشاطها دون خوف أو ضغط.. فيمكن بهذا عزل الإرهابيين عن الجماهير وعن كل القوى السياسية».

وأنهى «الطويلة» مقاله بقوله: «كما أنه علينا أن نعيد النظر فى أساليب التربية السياسية والتوعية للمواطنين وتغيير وسائل تناوُل أجهزة الإعلام لمسألة الدين.. بحيث يجب أن يكون الخط الموجّه لهذه الأجهزة هو: الدين لله والوطن للجميع.. أمّا ما يجرى الآن فهو فى الحقيقة ليس إلا صَبًا للزيت بل البنزين على النار.

 اغتيال السادات

نعود مرة أخرى إلى السياق الزمنى للأحداث انطلاقًا من حادث المنصة واغتيال أنور السادات وبدء حقبة جديدة فى مصر، بدأت الدولة بكل أجهزتها حربًا ضروسًا مع التنظيمات الإرهابية.

فى تقرير معلوماتى دقيق، للأستاذ عادل حمودة بعد مرور 40 يومًا على حادث المنصة، سردت «روزاليوسف» كواليس خطة الاغتيال، التى بدأت بما وصفته بـ «مسرحية فرقة الإسلامبولى»، فقبل الحادث بأربع وعشرين ساعة نجح خالد الإسلامبولى، وهو الضابط الوحيد فى العملية الذى كان فى خدمة القوات المسلحة، فى إدخال باقى أفراد مجموعته إلى أرض طابور العرض.

نجح فى إضافة مادة «مسهلة» لطعام طاقم السيارة الأساسى، وأعطاهم تصاريح بإجازة بعد عرضهم على المستشفى، ودخل شركاؤه فى الجريمة أرض الطابور فى زى العسكريين وسلموا أنفسهم له، وأسرع خالد الإسلامبولى فى ارتجال حوار مسرحى أمام بعض المشتركين فى العرض مَثّل فيه دور القائد الصارم الذى لا يعجبه حالهم المايل، وقرر أمام الجميع مجازاتهم بتنظيف السلاح وحراسة السيارة اللورى حتى الصباح عقابًا لهم، وكانت فى الواقع بجانب خداع الآخرين والتمويه عليهم يعطيهم فرصة كاملة للاستيقاظ والانتباه لأى طارئ يقع لهم لكى يكونوا على أتم استعداد لمواجهته.

لم تكن هذه المسرحية فقط الجزء المحكم فى الخطة؛ كانت هناك أيضًا عملية تسريب الذخيرة الحية والقنابل إلى أرض طابور العرض الذى يمنع فيه نهائيًا وجود ذخيرة أو قنابل ويكتب القادة شهادة بذلك.

كانت هناك كذلك عملية حساب التوقيت واختيار وقت مرور طائرات الألعاب البهلوانية الملونة لتنفيذ الخطة، وكذلك عملية حساب زاوية إطلاق الرصاص وحساب احتمالات مقاومة الحرس والرد عليهم، وزوايا مرمَى نيرانهم، وحساب الزاوية التى اختاروها لبدء الهجوم.

 خطط بديلة

لم تكن خطة المنصة الوحيدة؛ بل كانت هناك ثلاث خطط بديلة فى حال فشل خطة المنصة، فكانت هناك خطة أخرى فى «ميت أبو الكوم» التى تعوَّد أن يذهب السادات إليها كل سَنة بعد العرض العسكرى مباشرة، وخطة ثالثة فى «وادى الراحة» الذى كان مقررًا السفر إليه فى اليوم التالى للعرض، أمّا الخطة الرابعة فكانت فى القناطر الخيرية.

 تسع محاولات

وكشف التقرير ذاته، نقلًا عن مجلة «تايم» الأمريكية، أن السادات تعرّض لتسع محاولات اغتيال سابقة، فى عام 1971، و12 أكتوبر 1972، وأبريل 1974، وكان معظم الجناة من غير المصريين؛ بل إن أغلبية هذه المحاولات كانت خارج مصر عبر تنظيمات وبأسلوب فردى وسط عدد محدود من الناس وليس فى مكان عام وسط آلاف البشر كما حدث فى المنصة، حتى إن الطائرة الرئاسية غيّرت مسارَها فى أبريل 1974 وهى فى طريقها إلى الولايات المتحدة وتوقفت فى قاعدة عسكرية بريطانية بدلًا من مطار لشبونة فى إسبانيا تلافيًا لمحاولة اغتيال كان مقررًا لها أن تتم بهجوم مسلح هناك، وتكرر الأمر فى رحلة إلى أمريكا؛ حيث تم إلغاء زيارة إلى النمسا بعد اكتشاف مؤامرة لاغتياله فى سالزبورج.

 

 طرُق تقليدية

المثير فى الأمر أن السادات كان يعتقد أنه سيتم اغتياله، لكن بوسائل تقليدية، وليس بالطريقة التى تمّت فى المنصة أثناء العرض العسكرى، فكان يتوقع أن يتم اغتياله بطريقة تقليدية مثل وضع السم له فى القهوة، أو حتى فى غليونه الشهير، أو إطلاق الرصاص من بندقية قناص، أو زرع قنابل شديدة الانفجار، لذا رفض ارتداء السترة الواقية من الرصاص أثناء حضوره العرض العسكرى الأخير له.

 ثلاث قنابل

كما كشف التقرير أن خطة اغتيال السادات، لم تكن تستهدفه فقط؛ بل استهدفت جميع من كانوا على المنصة من خلال ثلاث قنابل يدوية إلا أن القنبلة الأولى اصطدمت بالحاجز الخرسانى للمنصة، والثانية لم تنفجر واصطدمت بوجه رئيس الأركان فى ذاك الوقت عبد رب النبى حافظ، واستقرت على أحد المقاعد وأبطل مفعولها أحد خبراء المفرقعات، أمّا الثالثة فلم تنفجر نتيجة تسرب الرطوبة إليها.

 «روزاليوسف» تستجوب القتلة

حرصت «روزاليوسف» على حضور جلسات محاكمة القتلة، ورصد تقرير الأستاذ عادل حمودة من داخل المحكمة بدقة متناهية وقائع الجلسة مع التحليل النفسى البليغ للحالة الهيستيرية للمتهمين؛ بل وخلفياتهم الاجتماعية والمهنية، مع انفراد بحوار سريع مع المتهمين خالد الإسلامبولى وعبدالحميد عبدالسلام.

 استعراض مسرحى

لم يكد الصحفيون ومصورو الصحف والتليفزيون يدخلون قاعة المحكمة حتى فوجئوا بخالد الإسلامبولى يُخرج يده اليسرى من القفص وهو يمسك مصحفًا صغيرًا له غلاف أحمر اللون ويصرخ فى صوت مسرحى قوى «أنا خالد الإسلامبولى.. أنا قاتل أنور السادات»، فأسرعت الكاميرات التى جاءت تبحث عنه وتصوب عدساتها إليه بعد لفت انتباهها إليه.

كان خالد الإسلامبولى استعراضيًا طوال الوقت وحاول فى كل لحظة أن يسرق الكاميرات من باقى زملائه، وعندما دخل أقارب المتهمين القاعة صرخ «مفيش حد من قرايبى جه».

وعندما انشغلت عنه عدسات المصورين قليلًا تحوَّل إلى «مايسترو» وراح يغنى ومن خلفه كورس من المتهمين «فى سبيل الله نبتغى رفع اللواء، لا لحزب عملنا.. نحن للدين فداء.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.. عليها نحيا وعليها نموت.. فى سبيلها نجاهد وعليها نلتقى الله».

كان خالد الإسلامبولى فى صحة جيدة تمامًا.. الدماء تكاد تقفز من وجهه.. جسده لا يتوقف عن الحركة.. ورغبته فى الاستعراض والزهو بنفسه لا ينافسه فيها أحد غيره من المتهمين وطوال الجلسة كان يسأل كل من يقترب من القفص «أنت مين.. بتعمل إيه هنا.. شفت أنا عملت إيه».

 زهو ولا مبالاة

قبل بدء المحاكمة حاول أغلب المتهمين الظهور فى صورة اللا مبالاة مزهوين بأنفسهم مستخفين بكل شىء، وجوههم النحيلة تمتزج فيها السذاجة بالبلاهة، ابتساماتهم الباهتة تمتزج فيها الثقة بالهيستيرية.. عيونهم غير مستقرة.. حركتهم عصبية.. مضطربة.. حوّلوا قفص المحكمة على ما يشبه قفص القرود، ولكن الصورة تغيرت على حد كبير مع بداية المحاكمة وشيئا فشيئًا بدت ملامح أغلبهم ترتبك وبدا الهم يسيطر عليهم وأحسوا أن الجريمة التى ارتكبوها ليست بهذا الاستخفاف الذى يتظاهرون به.

 حوار مع الإسلامبولى

عندما اقترب الأستاذ عادل حمودة من قفص المحكمة سأله خالد الإسلامبولى:

ـ هو فيه حد من مباحث أمن الدولة هنا؟

= لا أعرف

ــ أنت صحفى؟

= أيوه.. وعايز أسألك إزاى فكرت فى اغتيال السادات؟

= لأنه كان يضطهد الجماعات الإسلامية ويعتقل رجال الدين.

ــ من قال لك هذا الكلام؟

= محدش.

ــ كيف وضعت الخطة؟ وكيف نفذتها؟

قبل أن يرد الإسلامبولى أسرع عبدالحميد عبدالسلام ليقول:

= أنا أقولك إزاى..

 -- قول بسرعة..

= دخلنا أرض الطابور قبل ثلاثة أيام من العرض ولم يشك أحد فينا وهربوا لنا الذخيرة واحتفظت بإبر ضرب النار كلنا ضربنا الرصاص فى وقت واحد من العربية ونزلنا جرى لنلتف حول المنصة.. 

ــ خالد.. هل شفت السادات وهو يسقط؟

خالد ينتبه ويرد:

= ما أخدتش بالى..

ــ وأنت يا عبدالحميد..

= ما أعرفش

ــ هل أفتى الدكتور عمر عبدالرحمن بقتل السادات؟

= خالد: ما كناش محتاجين لأى فتوى..

ــ عارف مصيرك دلوقت إيه؟

= الله أعلم.. المهم دلوقتى إنى أشوف قرايبى.

ورصدت «روزاليوسف» الأحداث المفصلية والمهمة التى مرت بها مصر فى تلك الحقبة ومنها الإفراج عن معتقلى سبتمبر 25 نوفمبر 1981، والخلاف بين البابا شنودة ورئاسة الجمهورية قبل إعادة البابا من الدير إلى منصبه، وكذلك قرر الرئيس مبارك، الإفراج عن كل المعتقلين الذين سجنهم السادات، وبعد عدة مبادرات لسياسيين ووزراء ألغى مبارك قرار السادات السابق وأعاد تعيين البابا شنودة بطريركًا للأقباط، وصولًا إلى جريمة اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب فى 12 أكتوبر 1990، التى تباينت حولها الآراء وما إذا كان المستهدف فعليًا هو المحجوب أمْ وزير الداخلية الذى مر موكبه من المكان نفسه قبل مرور موكب المحجوب.

وكتب الأستاذ عبدالقادر شهيب مقالًا تحليليًا لمختلف الروايات بشأن الجريمة بعنوان «لماذا اختاروا المحجوب؟» تناول فيه التحليلات والاجتهادات بل والتخمينات المختلفة حول هوية الجناة الذين تمكنوا من الهرب بعد ارتكاب جريمتهم؛  حيث رأى فريق أن الجناة إمّا عراقيون أو فلسطينيون انتقامًا من موقف مصر الرافض للغزو العراقى للكويت، فى حين رأى فريق آخر أن الجناة مصريون نظرًا لاختيارهم موقع الجريمة ونوعية الأسلحة البدائية المستخدمة بالإضافة إلى فرار أحدهم مشيًا على الأقدام فى حوارى وأزقة بولاق التى يتوه فيها الأجنبى.

تعرّض الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك خلال سنوات حكمه لمصر منذ عام1981 حتى تنحيه عام 2011، إلى 5 محاولات أغتيال كادت أن تودى بحياته، ولكن القدَر كان يحول دون نجاحها، وكان أشهرها على الإطلاق عام 1995 فى مدينة أديس أبابا الإثيوبية.

خاضت «روزاليوسف» معركة صحفية مع السفارة الأمريكية على خلفية محاولة اغتيال مبارك فى أديس أبابا؛ حيث نشرت تقريرًا مطولًا تابعت فيه الحادث كشفت خلاله بعض الحقائق والأسرار، تمثلت فى التالى:

1ـ إثيوبيا إحدى مناطق النفوذ الأمنى للولايات المتحدة، وبالرغم من ذلك لم تنقل واشنطن للقاهرة أى معلومات عن مؤامرة اغتيال مبارك قبل أن تقع.

2ـ رجلان تابعان للمخابرات الأمريكية من طاقم سفارة أمريكا فى إثيوبيا كانا فى مكان الحادث وقت تنفيذه، قام أحدهما بإنقاذ السفير الفلسطينى من الرصاصات الطائشة التى أصابته.

3ـ السفير الأمريكى فى القاهرة وقت الحادث كان مشغولًا برحلة صيد.

4ـ قائد الأسطول السادس الأمريكى زار مصر فى نفس الفترة زيارة لم يعلن عنها.

5ـ السفير الأمريكى بعد أن عاد من رحلة الصيد فى جنوب مصر التقى فى سجن مزرعة طرة برجل تابع لعمر عبدالرحمن وبمواطن أمريكى اسمه چيمى مارتن كان متهمًا فى قضيتين: تخابر وشيكات دون رصيد.

وردت السفارة الأمريكية ببيان نشر فى إحدى الصحف القومية، لترد عليه «روزاليوسف» بموضوع بعنوان «بجاحة دبلوماسية فى القاهرة... محاولة اغتيال مبارك بين روزاليوسف والسفارة الأمريكية»، أكدت فيه أن السفارة الأمريكية من خلال بيانها تعترف بصدق أخبار «روزاليوسف»، كما تحدت المجلة أن تنشر السفارة الأمريكية تفاصيل ما دار بين السفير الأمريكى ورجل عمر عبدالرحمن والجاسوس الأمريكى فى سجن مزرعة طرة.

 مذبحة الأقصر

شهدت مدينة الأقصر مذبحة عبر هجوم إرهابى وقع فى 17 نوفمبر 1997 فى الدير البحرى، أسفر عن مصرع 58 سائحًا، وكان لهذه العملية تأثير سلبى على السياحة فى مصر، وأقيل على إثر هذا الهجوم وزير الداخلية اللواء حسن الألفى.

نشرت «روزاليوسف» موضوعًا للأستاذ وائل الابراشى بعنوان «سمير أبوالمعاطى... الأب الروحى لمذبحة الأقصر»، شددت فيه على ضرورة كشف الحقائق وأن يعرف الجميع كل شىء عن الذين موّلوا والذين خططوا والذين نفذوا العملية بعدما قُتل جميع منفذى العملية فى مغارة جبل القرنة بالأقصر.

وسلطت «روزاليوسف» الضوءَ على سمير أبوالمعاطى الأب الروحى للخلية؛ حيث وصفه منفذو العملية بأنه «صاحب الفضل علينا»، أى أنه لم يكن مجرد قيادى أو عضو بارز فى الخلية لكنه كان بمثابة راع لهم أو أب روحى.

المفاجأة التى فجّرتها «روزاليوسف» أن «أبو المعاطى» لم يسبق اتهامه فى أى قضية ولم يسبق اعتقاله ولا حتى الاشتباه فى صلاته بالجماعات الإرهابية والذى كان فى ذاك الوقت بعمر 27 سنة خريج كلية التربية بجامعة أسيوط عمل بعد تخرجه مدرسًا فى نجع حمادى، واختفى فى ظروف غامضة واتهمت الجماعات الإسلامية وزارة الداخلية بتعذيبه حتى الموت وأصدرت بيانًا هددت فيه بالانتقام له.

ما ذكر فى السطور السالفة الذكر مجرد غيض من فيض عن معارك «روزاليوسف» الشجاعة والقوية فى مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف خلال عقدَى الثمانينيات والتسعينيات، فى الوقت الذى هرب فيه آخرون من ساحة المعركة وهادنوا تلك التيارات على حسب الوطن.