الأحد 3 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الأربعينيات والانعزال عن الواقع عندما نادت "روزاليوسف" بإنقاذ الفن من (أهل الفن)

كانت حقبة الأربعينيات حتى أول الخمسينيات، من أكثر الفترات صعوبة على «مصر»، والعالم العربى فى العصر الحديث، ففى الوقت الذى كانت «القاهرة» تحت الحكم الملكى، تعانى من احتلال بريطانى يشارك فى حرب عالمية عنيفة، انتهى الحال بحرب 1948، التى وصفت فى اللغة الدارجة بالـ(نكبة)؛ وهو مصطلح لم يأتِ من فراغ، إذ كانت بمثابة صفعة عنيفة على جميع المستويات، وألقت بظلالها على الجانب السياسى، والاقتصادى، والاجتماعى وحتى الفنى.



 

خلال هذا العقد الصعب، وتحديدًا الفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية، وحتى قيام ثورة 1952، حاول الكُتّاب والمثقفون رفع الروح المعنوية والحماسية للشعب المصرى، وكان منتظرًا من أهل الفن والفنانين أن يشاركوا فى مثل هذه الحملات الوطنية. 

لكن، على غير المتوقع، فى تلك الحقبة المهمة من حياة «مصر»، باتت السينما إلى حد كبير معزولة عن الواقع، ولا تتعرض لما يدور حولها، إلا بوميض لا يظهر منه أكثر من الهزل، وساهم فى تسطيح القضايا بشكل ملحوظ، رغم البداية القوية التى انطلقت منها السينما المصرية فى منتصف العشرينيات، حتى أواخر الثلاثينيات.

وعليه؛ لم تقف صفحات مجلة «روزاليوسف»- الفنية فى الأساس، ثم السياسية فيما بعد- مكتوفة الأيدى، فمثلما حاربت أقلامُ كتّابها المُحتلين، شجّعت تارة وعنّفت تارة أخرى جميع أطياف المجتمع، من أجل إبراز أى تحرك ملموس للتخلص من الملكية، والاحتلال.

ونال فنانو هذا الجيل نصيبهم من (صفعات الاستفاقة)، بعد أن صُدمت الجماهير بتنوع أفلام العقد الرابع من القرن العشرين بين الأفلام الاستعراضية والغنائية والأكشن والرومانسية، بقصص غير هادفة فى أغلبها، مُقتصرة على موضوعات بعينها، مثل: الأفلام الهزلية، والفواجع الإنسانية، التى تضع لها - دائمًا - نهايات سعيدة؛ وهو أمرٌ لا يقلل من قيمة بعض الأفلام الفنية المستمرة حتى وقتنا هذا، لكن فكرة اللجوء إلى الخيال، فى وقت كان من الضرورى التركيز فيه على قضايا الواقع، لاقى استهجانًا واسعًا حينها.

ولا يزال غيرُ معروف، إن كان اللجوء للخيال خلال تلك الفترة، كان بغرض الهروب من الواقع الأليم، أمْ عدم شعور بعض الفنانين بفاجعة ما حدث.

 أقلام تحارب الجهل الفنى

فى حوار أجرته مجلة «روزاليوسف» مع «أحمد بدرخان» نقيب السينمائيين عام 1948، بعنوان: «ليس للشيوعية مكان فى الوسط الفنى»، قال إن السبب الأول والأخير فى فشل السينما المصرية، هو اندماج بعض أثرياء الحرب فى الوسط السينمائى كمنتجين، واختيارهم

- لجهلهم بفن السينما - قصصًا ضعيفة، وفنانين مبتدئين، وممثلين وممثلات من الدرجة الثالثة.. والاتفاق على أفلام بغية الربح السريع. مؤكدًا أن الحرب هى التى دفعت الصغار لتولى مراكز أكبر من قدرتهم الفنية.

وبعدها بعام، نشرت صفحات «روزاليوسف» أحد أقوى العناوين الرئيسية، وهو: «أنقذوا الفن.. من أهل الفن»، التى وصف فيها الكاتب الراحل الكبير «عبدالمنعم السباعى» حالة الهزل، التى عاشها نسبة كبيرة من أهل السينما والفن، الذين لم يشعروا بمرارة الواقع الصعب الذى مَرَ بمصر.

فتناولت مقالته وصفًا لليلة كاملة فى فيللا إحدى ممثلات هذا الجيل، رفض ذكر اسمها، بتفاصيل عايشها عن قرب، جعله يبرر للمجتمع المصرى- وقتها- السبب فى تراجُع السينما المصرية، وسطحية الفنانين.

وكتب عن تلك الممثلة المشهورة، أنها: «وثيقة حية لقلب الأوضاع فى السينما المصرية، ولسخف العقلية التى تسيطر على هذه الصناعة الناشئة فى وطننا المتساهل». مؤكدًا أنه لو كان الأمر بيده لجذبها من أمام الكاميرا ليعيدها كما كانت بائعة برتقال بدون صرة!

ثم أعرب عن مدى انزعاجه من جهلها فى التمثيل، لكن سر الانجذاب إليها هو جمالها المبهر، الذى وصفه بنور يصدر من جسد قاتل مع سبق الإصرار والترصد، وإشعاع يشع من روح شيطان عربيد تقمَّص جسد ممثلة مصرية!

وبَعدها، بدأ فى وصف ليلته الصاخبة بصدمته عندما رأى الفنانين والفنانات، وبعض الكتّاب، والأدباء لعبت برءوسهم الخمر، وهم يتراقصون، ويتقاربون بشكل مُخزٍ مع استمرار الساعات والدقائق، حتى وصلت الساعة الرابعة صباحًا.

وفور انتهاء الحفل، سأل «السباعى» صديقه الذى كان بصحبته طوال الليلة، إن كان ما رأى، هى عادة أهل الفن؟؛ ليرد الأخير بنعم، مبررًا أن هذه حياتهم الخاصة؛ ليؤكد «السباعى» أنه لا يقصد الحديث حول حياتهم الخاصة؛ بل اكتشافه تلك الليلة «السر فى فشل الفيلم المصرى، وتدهور السينما المصرية»، وهو أن أجسام الممثلين مريضة، وعقولهم فارغة.

ثم شرح الكاتب الراحل بكلمات حادة المقصود من كلامه، إذ كتب: «هذه الممثلة ومثيلاتها، وذلك الممثل وأمثاله يسرقون أموال الشعب بتمثيلهم التافه.. إنكم بعملكم تهدمون الفيلم المصرى»، متسائلاً: كيف يمكن لهؤلاء الذين يستيقظون منتصف النهار، بعد ليلة غامرة بالخمر، والحفل الصاخب، ليذهبوا أمام الكاميرا، ويؤدون أدوارهم التى لم يقرأوا عنها شيئًا!.

وفى النهاية، استنكر إضاعة الوقت فى أمر بديل عن قراءة الأدب الذى من شأنه أن يصقل من ثقافتهم!

يذكر، أنه- خلال تلك الفترة- نشرت مقالات شبيهة داخل صفحات المجلة، تبرز سلبية بعض الفنانين، بغرض تنبيههم للواقع الصعب الذى تعيشه «مصر»، وحثهم على القيام بدورهم الوطنى المنشود، ولكن فى الوقت ذاته حرص كتّاب «روزاليوسف»على رصد إيجابيات بعض الفنانين الآخرين بغرض التشجيع.

 احتفاء وتشجيع

احتفت «روزاليوسف» فى عددها (1042) الذى نُشر عام 1948 بالفنانين الذين نسوا مشاكلهم الفنية، ومشاحنتهم الشخصية، ليفكروا فى الجهاد المقدس، فى تحقيق، بعنوان: «الفنانون فى خط النار».

فسألت المجلة كبار النجوم عن تحركاتهم فى سبيل دعم الفن للجنود على الجبهة، وقالت حينها «أم كلثوم» أنها عرضت استعدادها لتُحيى الحفلات فى ميادين القتال للترفيه عن الجنود، متحملة جميع نفقاتها ونفقات التخت (الفرقة المصاحبة لها).

ومن جانبه، أكد موسيقار الأجيال «عبدالوهاب» أنه على أتم الاستعداد للذهاب إلى ميدان القتال بنفسه لو تطلب الأمر ليشارك الجنود. مؤكدًا أنه لا يمانع فى بيع أشرطته مجانًا للجنود هناك.

واتفقت معه «ليلى مراد»، التى أوضحت أنها وزوجها «أنور وجدى» تبرعا بأموالهما للجنود، وأنهما على استعداد لتقديم أفلامهما للجنود هناك مجانًا.

على صعيد آخر، نشرت صفحات «روزاليوسف»، قبل ثورة يوليو 1952 بعام، مقالاً بعنوان «الدم.. والفن.. والثورة»، حرّضت فيه أهل الفن على الثورة، من أجل الاستقلال والحرية، من خلال التعقيب على إلغاء حفل «أم كلثوم» بأمر من وزير الداخلية حينها، بناءً على رغبة الشعب.

لكن، لم يكن إلغاءُ الحفل ردَّ فعل غاضب من الشعب على (كوكب الشرق)، التى دعمت كل الأعمال الوطنية؛ بل رغبة من الشعب فى تحويل الحفل الغنائى لثورة غنائية؛ حيث كانت حفل «أم كلثوم» المذاعة لها استعدادات خاصة من قبَل مستمعيها، الذين يحولون هذه الليلة إلى حفل وجلسة استماع للمذياع، وخلال تلك الفترة، لم تكن هذه المشاعر حاضرة بين جموع الشعب المصرى؛ بل كانت الثورة الوطنية، هى كل ما يشغل بالهم.

ومن هنا، نادت «روزاليوسف» أهل الفن بجميع من يعمل فى السينما، والمسرح، وحتى فنانى الرسم، بتوجيه فنهم للثورة المصرية.

 

فنصحت المجلة أهل السينما، بأن يلعبوا دورهم فى تصوير الأحداث التى تجرى كل يوم، ويُعرض فيها كل مصرى بدوره وواجبه، ثم نصحت المسرح بأن يكون منبرًا للوطنية، من خلال عرض روايات هادفة وموسيقى بديعة. ونوهت المقالة فى نهايتها، إن «مصر» تنتظر هذا من فنانيها، وكتبت: «أيها الفنانون.. هذا وطنكم، وهذا دوركم».

 

فى النهاية، إن هذه الفترة الصعبة على الفن المصرى، لم تمنع وجود أفلام تناولت قضايا سياسية، لكن تعرَّض بعضها للانتقاد اللاذع من قبل الملكية، فيما تعرّض غيرها للمنع، ولكنها عُرضت بعد ثورة يوليو 1952؛ لكى تؤكد على الفساد المنتشر خلال العصور السابقة.

وأيضًا نتأكد أن «روزاليوسف» لم تغفل - خلال أكثر من عقد - عن التأكيد على دور الفن فى مساندة الوطن.