الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

الانتخابات على الأبواب: جهود دولية لإنقاذ ليبيا.. تحديات ومشهد داخلى مرتبك

أحداث سريعة التغير تشهدها ليبيا فى الفترة الأخيرة مع اقترب إجراء الانتخابات الليبية المقررة فى 24 ديسمبر لإنهاء المرحلة الانتقالية والبدء فى بناء الدولة وعودة الاستقرار إليها من جديد.



مؤتمر باريس الأخير الذى حضره قادة دول العالم من أجل تصحيح المسار الليبى بعد أن ظهرت مطالبات بتأجيل الانتخابات، أكد على ضرورة إتمام العملية الانتخابية كما كان مخططا لها؛ بل والتصدى لجميع محاولات عرقلتها وإخراج جميع المرتزقة دون تأخير.

 

ورُغم ذلك؛ فإن أمام ليبيا تحديات كبيرة قادرة على تجاوزها إذا تكاتفت مؤسّسات الدولة على محوها من أجل الوصول بليبيا إلى بَر الأمان والعمل على بنائها.

 مؤتمر باريس الفرصة الأخيرة

يرى محللون أن مؤتمر دعم استقرار ليبيا الذى عُقد فى باريس، قد يكون الفرصة الأخيرة أمام ليبيا للخروج من دوامة العنف والانقسام، والعودة إلى مسار السلام والاستقرار، واستعادة سيادته، وتوحيد أراضيه ومؤسّساته، من خلال الانتخابات المقررة فى الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل.

وأكدت أليسيا ميلكانجى، أستاذة التاريخ المعاصر لشمال إفريقيا والشرق الأوسط فى جامعة سابينزا بروما، أن حصيلة المؤتمر الدولى حول ليبيا الذى عُقد فى باريس إيجابية، وذلك رُغم التداعيات المشابهة لتلك التى ميزت الاجتماعات السابقة.

وقالت ميلكانجى: «القمم المختلفة التى عُقدت فى العاصمة الفرنسية وأيضًا فى باليرمو وأبو ظبى واجتماعين فى برلين، شهدت لقاءات غير متبوعة بنتائج إيجابية لأنها كانت فى الغالب بعيدة عن الواقع الليبى».

وأضافت: «إيطاليا خرجت بالتأكيد بموقف قوى ومعزز، ويمكن القول إن المؤتمر كان ناجحًا لرئيس الوزراء الإيطالى ماريو دراغى؛ لأنه كان قادرًا على إيجاد وساطة ومساحات فى منتدى عقدته فرنسا مع الفكرة المعتادة المتمثلة فى التصرف كحكم؛ حيث شدد على أربع ركائز بالنسبة لليبيا: وهى الانتخابات والأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان؛ حيث تُعد الآن هى الأولويات الأوروبية لإدارة عملية الاستقرار الدقيقة».

وتابعت: «يجب إجراء الانتخابات لأنه لا يوجد مَخرج آخر من المستنقع، فهناك عدة مَخاطر؛ حيث سيكون عدم قبول الخاسرين للنتيجة أمرًا خطيرًا فيما يحتاج الليبيون أن يروا أمامهم طريقًا آخر ممكنًا وأن هناك حلًا سياسيًا لأزمة استمرت لسنوات، كما أن غياب التصويت سيكون كارثيا؛ حيث سيكون فرصة لجميع الجهات الفاعلة لاستغلال الوضع، الأمر الذى سيسفر عن تفاقم الانقسام المؤسّسى الموجود بالفعل».

وحول المشكلات التى تواجهها ليبيا، قالت: «فى المقام الأول هناك المسألة المعقدة جدًا المتعلقة بالإطار القانونى والقضائى الذى ينبغى أن تجرى فيه انتخابات ديسمبر- فى إشارة إلى قانون الانتخابات الرئاسية والبرلمانية- فضلاً عن مسألة انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، بالإضافة لانقسام البنك المركزى وصعوبات توزيع عائدات المؤسّسة الوطنية للنفط».

واستطردت: «هناك حاجة لاتباع مسار دولى مع تهديد العقوبات ضد أولئك الذين سيعرقلون عملية التصويت ودعوة اللاعبين الداخليين والخارجيين لمواجهة بعضهم البعض، وهذا لا يعنى أن الواقع غالبًا ما يكون مختلفًا تمامًا، ولا يوجد حل يضمن اليوم الخروج من المستنقع الليبى».

واستكملت: «الخيارات المطروحة على الطاولة محفوفة بالمَخاطر أيضًا بسبب الصدام المؤسّسى بين المجلس الرئاسى والحكومة، وبين مجلس النواب ومجلس الدولة». مشيرة إلى حالة التوتر بين المجلس الرئاسى والحكومة الليبية بشأن وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش؛ حيث تم تعليق مهامها وحظرت من السفر على خلفية مخالفات إدارية، ثم قام الدبيبة بإعادتها وشاركت فى مؤتمر باريس.

 غياب الحملات الترويجية

انتقد ليبيون غيابَ الحملات الترويجية للانتخابات العامة، الرئاسية والبرلمانية، وبالتحديد عدم استخدام الرسائل لدعوة المواطنين من أجل استلام بطاقات الناخبين، التى بدأ توزيعها بالفعل خلال الأيام القليلة الماضية.

كما أن آلية الرسائل لم تفعل فى هذا السياق، رُغم استخدامها بكفاءة وبشكل دورى خلال الفترة الماضية للتوعية من فيروس كورونا المستجد، الأمرُ الذى جعل الإقبال ليس كبيرًا حتى الآن.

وتساءل الإعلامى الليبى مصطفى الأوجلى، عن عدم إقدام شركات الاتصال، المملوكة للدولة، عن أداء دورها التوعوى للمواطن، رُغم أنها شاركت فى مناسبات سابقة، مما يجعل أصابع الاتهام تتجه إلى تنظيم الإخوان، الذى يسيطر أفرادُه على مراكز قيادية فى العديد من المؤسّسات الحكومية.

وطالب «الأوجلى» بجعل الانتخابات على رأس الأچندة، والتذكير دائمًا بموعدها، وأماكن الاقتراع، وحث المواطنين على المشاركة والإسراع فى استلام البطاقات من المراكز الانتخابية.

ويحذر المهتمون بالشأن الليبى من ترك الساحة أمام الخطاب المضاد، الذى يقلل من قيمة الانتخابات تارة، أو يتوعد المرشحين وحتى الناخبين الراغبين فى المشاركة بها تارة أخرى، وهو الأمر الذى أدى إلى قلة الإقبال حتى الآن على استلام البطاقات الانتخابية.

أمّا الباحث السياسى محمد قشوط، فتساءل عن السر وراء غياب شركات الاتصال المملوكة للدولة عن تنظيم الحملات الترويجية، قائلاً: «أين النخب من المثقفين والفنانين، وأصحاب الرأى والرياضيين، والدعاة والشيوخ على المنابر».

ولفت إلى أن هؤلاء جميعًا لهم دور حاسم «فى هذه المرحلة المصيرية»، فأولى بهم أن يصطفوا إلى جانب الوطن، ويحثوا الناس على الذهاب لاستلام بطاقاتهم الانتخابية، والاستعداد لاستحقاق ديسمبر كى يكون «عُرسًا حقيقيًا»، يساهم فيه الليبيون فى ميلاد ليبيا الجديدة.

ولا يرَى «قشوط» حجة فى التذرع بـ«حاجز الخوف» من بعض الأطراف التى تتوعد بعرقلة الانتخابات، مؤكدًا ضرورة كسر هذا الحاجز وإلا «تضيع البلاد».

وختم قائلاً: «هؤلاء يروجون للحرب، ونحن ندعو إلى الانتخابات وبطريقة سلمية، سيقبل الأغلبية بنتائجها، كى نخرج مما فيه».

 التمسك التركى بالمرتزقة يجرها لمواجهة دولية

يشكل مؤتمر باريس جبهة دولية لمواجهة «التعنت التركى» حيال سَحب قواته من ليبيا. وكان المتحدث باسم الرئاسة التركية، «إبراهيم كالين»، قد رد على دعوات الرئيس الفرنسى لإخراج القوات التركية من ليبيا، بالتأكيد على أن حضور بلاده فى ليبيا يمثل قوة استقرار- على حد قوله. لافتًا إلى أن وجود الجنود الأتراك فى ليبيا جاء بموجب اتفاق مع الحكومة الليبية- فى إشارة إلى حكومة الوفاق السابقة، التى كانت محسوبة على تيار الإخوان المسلمين المقرب من تركيا.

ورأى محللون أن استمرار الوجود العسكرى التركى يتعارض مع مبادئ الاستقرار الليبى المعتمدة والمدعومة دوليًا، ما يعنى أن تمسّك أنقرة بموقفها قد يجرها إلى مواجهة دولية كبيرة، لافتًا إلى أن الموقف التركى حاليًا يسبح عكس التيار الدولى.

كما أشاروا إلى أن الأوضاع الحالية فى تركيا والأزمات الاقتصادية واقتراب البلاد من موعد الانتخابات الرئاسية، التى يخطط أردوغان من خلالها للاحتفاظ بالسُّلطة لولاية رئاسية جديدة؛ تُحد من قدرة تركيا على مواجهة المَطالب الدولية وتعنتها اللا محدود بقضية الانسحاب من ليبيا، مشيرًا إلى أن تركيا لن تكون قادرة على مواجهة عقوبات اقتصادية جديدة قد يفرضها المجتمع الدولى عليها.

 تأمين الاستحقاق الانتخابى

اجتماعات مكثفة يعقدها المسئولون فى ليبيا لمناقشة الموضوعات المتعلقة بإجراءات تأمين الاستحقاق الانتخابى القادم، ومن أبرزها العمل وفق الخطة الصادرة عن وزارة الداخلية، والتأكيد على مديرى الأمن بالمناطق بضرورة التواصل والاستعانة بالأجهزة الأمنية لتوزيع المهام على الجميع، كما تم الاتفاق على تأسيس قوة احتياطية للتمركز، وإشراك الأجهزة الأمنية فى دورات القادة، مع التأكيد على دور العنصر النسائى فى الوزارة فى تأمين هذا الاستحقاق.

كما تم الاتفاق على إشهار الغرفة الرئيسية لتأمين الانتخابات وتوضيح اختصاصاتها، بجانب التركيز على الحدود الإدارية للبلديات ومديريات الأمن بما يعمل على ربط مراكز الاقتراع، كذلك إشراك هيئة السلامة الوطنية ومصلحة الجوازات والجنسية وشئون الأجانب لدعم مديريات الأمن فى الحالات الطارئة.

وأكد وزير الداخلية على أهمية هذا الاستحقاق فى إرساء دعائم الاستقرار الأمنى والسياسى والاقتصادى بما يتطلب مشاركة جميع الأجهزة الأمنية بالدولة فى تأمين وحماية المقار وصناديق الاقتراع وكذلك الأشخاص.

 عقوبات منتظرة

وصف السفير والمبعوث الأمريكى الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، الانتخابات الليبية بأنها مفتاح الاستقرار الوحيد فى ليبيا، مؤكدًا دعم الولايات المتحدة للعملية الانتخابية.

وأثنى نورلاند على جهود المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واصفًا المفوضية بأنها «مؤسّسة تقنية وتعمل بمهنية عالية، وقد مهّدت الطريق بكفاءة عالية لإجراء الانتخابات فى موعدها».

وعن احتمالات عرقلة إجراء الانتخابات، أكد نورلاند أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولى سيتخذان الموقف اللازم لمعاقبة أى شخص يدعو إلى العنف، قبل وأثناء أو بعد الانتخابات، وجزم بحتمية اتخاذ ردود الفعل المناسبة تجاه أى شخص يسير فى طريق تعطيل الانتخابات.

وأضاف نورلاند إن الولايات المتحدة لا تُفكّر فى الوقت الحالى فى فرض العقوبات على أى شخص بعينه حاليًا؛ بل على مَن هم مستعدون لإثارة العنف أو الدعوة إليه، إما لإعاقة سير الانتخابات عندما تنطلق، أو للتشكيك فى النتائج بعد ظهورها.

 الدور المصرى فى الأزمة الليبية

القاهرة دومًا حريصة على تحفيز دور المؤسّسات الدولية، والعمل على إنجاح جميع المبادرات السياسية الدولية والإقليمية الرامية إلى حل الملف الليبى، فشاركت بفاعلية فى مؤتمر باريس حول ليبيا، الذى تم عقده فى مايو 2018، وكذلك فى مؤتمر باليرمو الذى عُقد فى نوفمبر من العام نفسه، ثم كانت مشاركتها الفعالة فى مؤتمر «برلين-1» الذى عُقد فى شهر يناير 2020، بمثابة أولى خطوات التوصل إلى وقف لإطلاق النار فى ليبيا، وبدء مسارات سياسية واقتصادية وعسكرية لحل الملفات العالقة، وهو ما عرضته القاهرة خلال هذا المؤتمر، الذى شارك فيه الرئيس المصرى «عبدالفتاح السيسى»، وأبرز حينها خطورة التدخلات الإقليمية غير البناءة فى الملف الليبى، ودشن تفاهمات أساسية مع دول مثل روسيا وفرنسا وإيطاليا بشأن سُبُل الحل فى ليبيا، ساهمت فى توسيع دائرة الثقة الدولية فى قدرة مصر على تصدُّر جهود الحل فى ليبيا.

كما شاركت مصر فى مؤتمر باريس الذى عُقد الأسبوع الماضى بشأن ليبيا، وأكد الرئيس «عبدالفتاح السيسى» على أن استعادة الاستقرار الدائم وتحقيق السلم الاجتماعى والحفاظ على الهوية والنسيج الوطنى فى ليبيا له متطلبات لا يمكن تجاوزها تتمثل فى إتمام المصالحة الوطنية الشاملة بين جميع أبناء الشعب الليبى وإيلاء الاهتمام للتوزيع العادل للثروات لتحقيق التنمية الشاملة فى سائر أقاليم ليبيا دون استثناء.