الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

أعدن الألوان والنقوش الأصلية والكتابات للأسقف والجدران: حكايات عن «مرممات» معبد «إسنا»

مفيش مستحيل، يوم ورا يوم بيثبت لنا أن المرأة المصرية قادرة على النجاح والتفوق؛ بل أن تثبت قدراتها بمجرد أن تعطى لها الفرصة.. هذه العبارات ليست شعارات ولا كلامًا مرسلًا؛ وإنما حقيقة تثبت لنا ونحن نقدم لكم فى «نون القوة» نماذج لسيدات مصريات مكافحات اخترقن عمل الرجال وأثبتن نجاحهن بجدارة.



 

 فعلى بُعد نحو 55 كيلومترًا من محافظة الأقصر كانت جولتنا فى معبد إسنا أو كما يلقبونه بـ«معبد خنوم» والذى يُعد واحدًا من أجمل المعابد المصرية التى ترجع إلى العصرين اليونانى والرومانى، ويقع فى قلب مدينة إسنا، والمذهل أنه يجمع بانوراما تجمع 4 حضارات من على سطح وكالة الجداوى الأثرية ومآذن المسجد العمرى الأثرية وكذلك كنيسة السيدة العذراء ومسجد الزاوية البيضاء وقيسرية إسنا التاريخية؛ حيث يتوسط معبد إسنا هذه الأماكن التاريخية.

وأثناء زيارتى للمعبد، استوقفنى مشهد تسلق عدد من المرممات للسقالات التى يزيد ارتفاعها على 7 أمتار فى محاولة منهن لتنظيف وإزالة الأملاح من على جدران وسقف المعبد وإظهار الألوان الأصلية للنقوش؛ وبخاصة النقوش الفلكية والتى يتميز بها سقف المعبد.. فشكرًا للمرأة المصرية.. «نون القوة» تصطحبكم فى جولة نتعرف من خلالها على حكايات المرممات فى المعبد، وكيف بدأن هذه المهنة الشاقة، والمشروعات التى قمن بها وأخيرًا أمنياتهن وأحلامهن لمجال الترميم وصيانة الآثار.

 دولاجى رؤوف: الوقوف لساعات طويلة على السقالات متعب

دولاجى رؤوف سنتاؤس دادود، فنى ترميم بمعبد إسنا، تحكى لنا أنها بدأت العمل فى الترميم عام 1997 بأجر نظير عمل بعد أن تخرجت من قسم الآثار الإسلامية والقبطية، وانتقلت إلى العمل فى قطاع المشروعات بمعبد خنوم، وهو معبد إسنا الذى تم اكتشافه عام 1843م فى أواخر عصر محمد على باشا، وذلك عندما قام العالم الفرنسى شمبليون بزيارة المعبد عام 1828م، وذكر العالمُ أنه رأى نقوشًا تحمل اسم الملك تحتمس، والمعبد الحالى- كما تحكى لنا دولاجى رؤوف- أقيم على أطلال معبد قديم ترجع بدايته إلى عصر الأسرة الثامنة عشرة؛ حيث عثر على نقوش تحمل اسم الملك تحتمس عام 1468 إلى 1436ق م، والذى جاء ذكر مدينة إسنا باسمها فى عهده.. وقالت إن معبد إسنا عبارة عن صالة مستطيلة الشكل لها واجهة ذات طراز معمارى خاص بعمارة المعابد المصرية القديمة فى العصرين اليونانى والرومانى، ويحمل سقفها 24 أسطوانة بارتفاع 13 مترًا ونصف المتر، ومزخرفة بنقوش بارزة ذات تيجان نباتية متنوعة، وتعتبر هذه القاعة من أجمل صالات الأعمدة داخل مصر، وتتميز واجهة المعبد بحوائط نصفية لكى تستر المعبد وتحافظ على أسرار الطقوس التى كانت تؤدَّى بداخله.

أمّا المناظر الداخلية بالمعبد؛ فتتعلق أغلبها بالديانة والعقيدة فى تلك الفترة وتتكون من مؤلفات دينية ونصوص عن خَلق العالم وأصل الحياة بالإضافة إلى التضرعات والتراتيل الدينية.

 ترميم جدران المعبد

وقالت: دورنا كان ترميم جدران المعبد؛ حيث عملنا مع البعثة الألمانية التى كانت تعمل على إعادة اكتشاف الأصول التراثية الثقافية لمدينة إسنا. مضيفة إنه رغم عملنا مع البعثة الألمانية؛ فإن العمل كان بأيادى مصرية خالصة، وأؤكد أن المرمم المصرى من أمهر المرممين على مستوى العالم فى إعادة الأثر إلى بدايته الأولى؛ خصوصًا إذا توافرت الإمكانيات اللازمة للترميم.

وبدأت تحكى لنا المشاكل التى واجهتها كونها سيدة تعمل فى مهنة ربما تكون شاقة للاحتياج إلى الوقوف لساعات طويلة على السقالات من أجل ترميم الأثر، فتقول دولاجى: واجهت مشاكل كبيرة فى بداية عملى؛ خصوصًا أن بعض الآثار تحتاج للوقوف إلى ساعات طويلة على السقالات لارتفاع الأثر؛ إلا أن شغفى لهذه المهنة وحبى لعملى لإعادة جمال آثار أجدادى جعلنى أتحدى كل هذه الصعوبات.

وأضافت: عملت فى عدة مشروعات أثناء وجودى فى قطاع الآثار الإسلامية والقبطية؛ حيث كنت من ضمن الفريق الذى رمم دير الشهداء بإسنا، وأحلم أن يكون معبد إسنا أجمل معبد فى العالم، وأن تتم جميع الأعمال الباقية. واختتمت كلامها معنا بأن المرأة نجحت فى أعمال الترميم لأنها قادرة على تخطى أى صعوبات، كما أنها قادرة على أن تجمع بين مختلف المجالات والإتقان والإبداع فيها.

 أمل عبده محمد: أحلم بإنشاء مدارس للمرممين والمرممات المصريين

أمّا أمل عبده محمد، إخصائية ترميم بمعبد إسنا فى منطقة تفتيش الآثار؛ فبدأت تحكى لنا بدايتها فى مجال الترميم فقالت لنا: بعد أن تخرجت من معهد الترميم لصيانة الآثار تدربت لمدة شهرين فى معبد إسنا، وقمت بأعمال الترميم، وبعد ذلك درست مواد الترميم فى كلية الآثار بجنوب الوادى بمحافظة قنا دراسة متعمقة أكثر، وتوظفت بعدها فى معبد إسنا، وقمت بأعمال الترميم فى هذا المعبد، ولا أزال أكتشف وأرمم أجزاء فى المعبد من كتابات وألوان غير موجودة مكتشفة مثل الكتابات فى بطن العَتب.

وأضافت أمل: لقد شاركت فى أعمال الترميم بالجزء الشمالى من الجدار الغربى بصالة الأعمدة بمعبد إسنا فى 2013، كما عملت مع مركز البحوث الأمريكى فى معبد الكرنك بمعبد خونسو فى مقصورة 2 لمدة سنتين من 2016 إلى 2017، وكذلك تشرفت بالعمل مع البعثة الألمانية المشتركة بين جامعة تيجن الألمانية ومركز تسجيل الآثار بمعبد إسنا من 2018، وحتى الوقت الحالى فى 2021. مضيفة: إذا كان المصريون أمهر فى عملية إعادة الأثر إلى بدايته الأولى؛ فإن التعامل مع الأجانب كان مُهمًا فى تحديد ميعاد بدء وانتهاء أعمال الترميم.

وقالت: إن كل مشروع جديد فى الترميم  بدايته تكون صعبة؛ لأن كل جزء له طبيعته الخاصة فى التعامل معه حسب حالته حتى يصل إلى الوضع الذى عليه حاليًا.

واستطردت قائلة: «أحلم بأنى أشارك فى بعثات خارج مصر لاكتشاف الخبرة والمعرفة، فضلًا عن إنشاء مدارس للمرممين والمرممات المصريين لإكسابهم الخبرة فى ترميم وصيانة الآثار».

 دميانة عبده زكى: دخلت مجال الترميم منذ 12 عامًا

واتفقت معها دميانة عبده زكى، فنى ترميم، والتى دخلت مجال الترميم منذ 12 عامًا تقريبًا: كان بداية عملى فى الترميم فى معبد خنوخ بإسنا. مؤكدة أن ارتفاع السقالات مخيف؛ خصوصًا أن عملنا يتطلب منا الوقوف على السقالات لفترات طويلة، ولكننا تغلبنا على هذه المشقة وتعودنا عليها، ومع توافر الإمكانيات والمواد الخام المتاحة ممكن أن تزيد أعمال الترميم وتزدهر؛ خصوصًا أننا بارعون فى إعادة أى أثر إلى رونقه وجوهره الذى أنشئ عليه.

 نوال محمد فوزى: أتمنى وضع قوانين تنظم عمل المتخصصين

لم تختلف قصة نوال محمد فوزى، فنى ترميم فى معبد منتو بأرمنت الحيط بالأقصر، فى بداية عملها فى مجال الترميم؛ حيث كانت تعمل فى معبد منتو بأرمنت الحيط والذى يُعد واحدًا من أقدم المعابد الفرعونية فى مصر وأغرقت المياه الجوفية القادمة من المنطقة السكنية المحيطة أجزاء من ساحته الداخلية. وقالت نوال: عملت مع البعثة الفرنسية لمدة خمس سنوات.

ويُعتبر أرمنت مركزًا لعبادة «منتو» إله الحرب والضراوة، ومنذ الأسرة العاشرة انتقل البيت الملكى من أرمنت إلى طيبة  (الأقصر) وجعلوا منها دارًا للحكم وعاصمة للبلاد، وبعد أن كانت مجرد مدينة عادية بدأت شهرتها تطغى على شهرة أرمنت حاضرة الإقليم القديم، ومسقط رأس الملوك، وظلوا فى الوقت نفسه أوفياء لرب أرمنت ونسبوا أسماءهم إليه مثل منتو، وأصبحت أرمنت منذ الأسرة التاسعة والعشرين أى فى القرن الخامس قبل الميلاد تحوى جبانة العِجْل المقدس «بوخيس» المعروفة بالبخيوم الموجود أطلالها بمعبد أرمنت الحيط.

ومن أرمنت كان يخرج موكب عروس النيل كل عام ومنها كانت تزف إلى نيل مصر الخالد، وفى العصر الرومانى كانت أرمنت مدينة مهمة؛ حيث كانت عاصمة للإقليم الهرمنتبولى تُضرب فيها النقود وتُصنع فيها الميداليات وكانت قاعدة حربية مهمة، وفى العصر القبطى كان بها أساقفة كبار، ومن أهم الآثار المسيحية «دير مار جرجس» الذى يرجع تاريخه إلى 1500 سنة.

وأضافت نوال، أنها عملت مع البعثة الأمريكية بمنطقة جنوب العساسين فى عدة مقابر لمدة 3 سنوات متتالية، فضلاً عن مشاركتها فى أعمال صيانة وترميم وكالة الجداوى الأثرية، وأخيرًا مشاركتها فى ترميم وصيانة طريق الكباش بين معبدَى الأقصر والكرنك.

وأكدت أن بُعد المسافة بين موقع العمل والمنزل من أكثر التحديات التى واجهتها؛ خصوصًا أن عليها أن تقطع يوميًا أكثر من 60 كيلومترًا للوصول إلى الموقع المراد ترميمه فضلاً أيضًا عن ارتفاع السقالات.

وقالت إن المرأة المصرية نجحت فى اختراق مجال الترميم الذى كان قاصرًا على الرجال. متمنية أن يتم الاهتمام والارتقاء بمجال ترميم وصيانة الآثار مع وضع مواثيق وقوانين تنظم عمل المتخصصين فى مجال ترميم الآثار المصرية.

رئيس الوزراء أبلغنا بتحية الرئيس «عبدالفتاح السيسى» لفريق الترميم لنجاحه فى إعادة نقوش المعبد الملونة. وأعربت عن فرحتها بزيارة رئيس الوزراء د.«مصطفى مدبولى» وإعجابه بالعمل القائم فى معبد إسنا، وبفريق عمل المرممين وما تم إنجازه لإظهار الرسومات التى يتفرد بها المعبد، وتثبيت الألوان وإزالة السناج فى المقصورات والجدران المختلفة، وتركيب بعض البلوكات الحجرية التى تساقطت عبر الزمان، فى إطار خطة وزارة الآثار لتطوير المناطق الأثرية.

شيماء أبوالعباس: عملت على ترميم وصيانة عدد من المقابر

واختتمنا جولتنا فى معبد إسنا بالحديث مع شيماء أبو العباس، إخصائى ترميم الآثار فى معبد إسنا، والتى أكدت لنا أنها عملت على ترميم وصيانة عدد من المقابر فى البر الغربى ومعبد الكرنك، وأخيرًا ترميم الجدار الشمالى بصالة الأعمدة فى معبد إسنا عام 2018.

وتمنت أن يتم الاهتمام أكثر بالمرمم المصرى مع تبادل الخبرات بين المرممين فى المواقع المختلفة والمشاركة مع البعثات الأجنبية فى الترميم مع المشاركة فى بعثات خارج مصر.