الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

انتهاء حقبة المرأة الحديدية.. وبداية عصر متخم بالتحديات: قيادة ألمانيا والاتحاد الأوروبى مفتوحة على مصراعيها للمستشار الجديد

تقف ألمانيا على أعتاب تحوُّل سياسى كبير، عبر تشكيل حكومة جديدة بقيادة مستشار جديد، بعد مرور أكثر من عَقد ونصف العقد على حقبة المستشارة أنجيلا ميركل؛ حيث جرت الانتخابات الفيدرالية الألمانية- للمرّة الأولى- من دون «ميركل» التى قررت تسليم زمام الأمور والقيادة لخليفة جديد فى ساعة حرجة جدًا، بالنسبة للوضع الألمانى الداخلى، والخارجى.



 

على مدار 16 عامًا مضت، تولت ميركل-المعروفة بالمرأة الحديدية- مسئولية أقوى اقتصاد فى أوروبا، وواجهت خلالها العديد من التحديات، وعلى رأسها الحفاظ على تماسُك الاتحاد الأوروبى خلال عقد من الأزمات، بما فى ذلك: أزمة ديون منطقة اليورو، والعدوان الروسى على أوكرانيا، وزيادة أعداد اللاجئين، والتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وقضية الخلاف عبر الأطلسى خلال رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة، والتحرك السريع لمواجهة جائحة كورونا وتداعياتها، وغير ذلك.

ولكن؛ لكل بداية نهاية، فسوف ترحل ميركل، وتصبح قيادة ألمانيا، والاتحاد الأوروبى مفتوحة على مصراعيها للقائد القادم، الذى سيدخل عصرًا جديدًا مليئًا بالتحديات.

 النتائج الأولية 

عقب إغلاق مكاتب الاقتراع فى الانتخابات الألمانية لاختيار أعضاء الدورة العشرين من البرلمان (بوندستاج)، تصدَّر (الحزب الاشتراكى الديمقراطى)، بزعامة أولاف شولتز، النتائج الأولية الرسمية بنسبة (%25,7) من الأصوات، متفوقًا بنسبة طفيفة على (حزب المسيحيين الديمقراطىين المحافظين)، بقيادة أرمين لاشيت - خليفة ميركل-، الذى حاز على نسبة تصويت (%24,1)، وهى نسبة كارثية للحزب، إذ لم يسبق له أن سجل نسبة تقل عن (%30)؛ كما حصل حزب (تحالف الخضر) على المركز الثالث بنسبة (%14,8) من الأصوات؛ تلاه (الحزب الديمقراطى الحر) بنسبة (%11,5).

كما أفادت لجنة الاقتراع الألمانية، بعد انتهاء عملية فرز الأصوات، أن أكبر كتلة فى البرلمان التى يشكلها (الحزب الاشتراكى الديمقراطى) حظى على (206 مقاعد)؛ فيما سيحصل ائتلاف (الاتحاد الديمقراطى المسيحى - الاتحاد الاجتماعى المسيحى) على (196 مقعدًا)؛ أمّا (تحالف الخضر) فيحصل على (118 مقعدًا)؛ يليه (حزب الديمقراطىين الأحرار)، بـ(92 مقعدًا)؛ ثم حزب (البديل من أجل ألمانيا)، بـ(83 مقعدًا)؛ أما حزب (اليسار) فلم يتجاوز نسبة (%5)، لكنه حصل على ثلاثة انتدابات مباشرة، وبالتالى يحصل على الحق فى تشكيل كتلة فى البرلمان، وسيكون له (39 مقعدًا)،  ليزداد عدد نواب البرلمان الألمانى الجديد إلى 735 نائبًا.

ومن المفترض أن تبدأ - خلال الأيام القليلة المقبلة- مفاوضات ألمانية داخلية، من أجل صياغة اتفاق ائتلاف، وهو أساس الحكومة الألمانية الجديدة، كما يحدد الاتفاق خطط الحكومة الجديدة لمدة أربع سنوات مقبلة.

جدير بالذكر؛ أنه عقب الانتخابات الفيدرالية السابقة فى 2017، لم يتم التوصل إلى الائتلاف الحكومى، إلا بعد ستة أشهر، ما أدى إلى شلل سياسى فى ألمانيا، لا سيما على صعيد القضايا الأوروبية، لهذا، أعلن (الحزب الاشتراكى الديمقراطى)، و(الاتحاد المسيحى الديمقراطى) منذ أيام، عن سعيهما إلى البت فى أمر الحكومة الألمانية قبل عيد الميلاد.

ربما يكون السر وراء اختيار هذا التوقيت؛ هو استمرار المستشارة الألمانية المنقضية ولايتها فى منصبها، مثلما يبقى جميع أعضاء حكومتها، حتى يتم توقيع اتفاقية ائتلافية جديدة. وإذا استمرت «ميركل» فى منصبها إلى عام 2022، فسيكون ذلك أطول منصب مستشارة فى ألمانيا، وهو اللقب الذى يحتفظ به - حتى الآن- المستشار الألمانى الأسبق هيلموت كول، الذى أشرف على إعادة التوحيد بين ألمانيا الشرقية، والغربية.

 تحديات 

سيكون التحدى الأساسى للمستشار والحكومة الألمانية المقبلة، هو إعطاء معنى ملموس لفكرة الاتحاد الأوروبى الجديدة (الاستقلال الاستراتيچى المفتوح)، هدفها زيادة النفوذ العالمى للاتحاد الأوروبى من خلال سيادة أكبر، وفقًا لأستاذ الاقتصاد السياسى الدولى بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة «جونز هوبكنز»، البروفيسور ماتياش ماتَيش.

وأوضح البروفيسور ماتَيش، أن صفقة الدفاع الأخيرة بين أستراليا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى انسحاب واشنطن من أفغانستان، مجرد تذكرين مؤلمين لأعضاء الاتحاد الأوروبى، بأنهم بحاجة إلى العمل معًا، بشأن سياسة دفاعية مشتركة، إذا كانوا يريدون أن يكونوا لاعبين جادين فى الشئون الدولية.. مشيرًا إلى تردد النخب السياسية الألمانية - حتى الآن- فى المشاركة فى هذا المجال.

التحدى الرئيسى الآخر من وجهة نظر ماتياش، هو إقناع بقية العالم بالتصدى لتغير المناخ، إذ ستحتاج برلين إلى أن تكون قدوة يحتذى بها، من خلال تحويل الآلة الصناعية الخاصة بها، والتى لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفورى، نحو الطاقة المتجددة.

أما على مستوى العلاقات الدولية؛ فيعد أكبر تحديين خلال الفترة المقبلة، العلاقات (الألمانية- الصينية)، والعلاقات (الألمانية-الروسية).

فعلى الصعيد (الألمانى- الصينى)، فمن المعروف أن علاقات «برلين» و«بكين»، هى موازنة بين القيم والمصالح، وفقًا للمحلل السياسى «ماتياس فون هاين». 

وأكد «هاين» أن المصالح تعتبر اقتصادية فى المقام الأول، إذ تعد «الصين» الشريك التجارى الأكثر أهمية لألمانيا منذ عام 2015. وقد تطورت العلاقة بين البلدين خلال 16 عامًا الماضية تحت إشراف المستشارة «ميركل»، ورفعت إلى مرتبة (الشراكة الاستراتيچية الشاملة)، ناهيك عن إدراك الجانب الألمانى لصعوبة حل أى  مشكلة رئيسية، من تلك التى تواجه البشرية، مثل: تغير المناخ، ونزع السلاح، من دون «بكين».

ولكن، فى الوقت ذاته، الصراع مع الجانب الصينى آخذ فى الازدياد، إذ جاءت أبرز علامة على ذلك فى مارس، عندما فرض «الاتحاد الأوروبى» عقوبات على «الصين» - لأول مرة منذ مذبحة «ميدان تيانانمين» عام -1989 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ضد «الأويجور»؛ مما يوضح تأرجح العلاقات.

وبعيدًا عن العلاقات الثنائية بين البلدين؛ فإن الخطر الحقيقى الذى يؤرق «برلين»، هو المنافسة (الأمريكية- الصينية)، التى تتطور يومًا تلو الآخر، إذ تواجه «ألمانيا» خطر الوقوع بين الأولى التى تعتبر (أقوى حليف)، والثانية التى تعد (أهم شريك تجارى)؛ خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتكنولوچيا.

وتوقع الباحث فى مركز «المجلس الألمانى للعلاقات الخارجية»، «جوزيف برامل»، أن «برلين» لن تكون قادرة على إبعاد نفسها عن القضية إلى الأبد، قائلًا، إن: «مع استمرار المنافسة الشرسة، من أجل مجالات النفوذ السياسى، والتكنولوچى، سوف تزيد «الولايات المتحدة» من الضغط على دول ثالثة، وتجعلهم يختارون ما إذا كانوا يتعاملون مع «أمريكا»، أو «الصين»».

أما على صعيد العلاقات (الألمانية- الروسية)، فقد وصلت علاقات السياسة الخارجية بين البلدين إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق فى تاريخ ما بعد «الاتحاد السوفيتى»؛ خصوصًا بعد ضم «روسيا» لمنطقة «شبه جزيرة القرم»، وفقًا لـ«جانيس كلوج»، الباحثة فى «المعهد الألمانى للشئون الدولية والأمنية».

وأكد أن الأغلبية فى «ألمانيا» ترى «روسيا» كعدو استراتيچى، موضحة أنه يوجد ثلاث معضلات فى العلاقات (الألمانية- الروسية)، وهى: السياسات الروسية الداخلية القمعية المتزايدة، واضطهاد وسائل الإعلام المستقلة، والمنظمات غير الحكومية، والمعارضة السياسية؛ عمليات المخابرات الروسية فى «الاتحاد الأوروبى»، وهنا لا يتعلق الأمر بالهجمات المباشرة فحسب؛ بل يتعلق بهجمات قرصنة الكمبيوتر على المؤسسات السياسية فى «ألمانيا»، والصراع فى «أوكرانيا، وهى القضية الأساسية فى العلاقات (الألمانية- الروسية). 

وعلقت «جانيس»، أنه  طالما لم يتم إحراز تقدم فى الأزمة الأخيرة تحديدًا؛ فلن يكون من الممكن محاولة استعادة الثقة فى «روسيا».

ومن جانبه، رأى مدير «مركز الحداثة الليبرالية فى برلين»، «رالف فوكس»، أن الهدف الرئيسى للحكومة الألمانية القادمة، ستكون تطوير سياسة «الاتحاد الأوروبى» المشتركة بشأن «روسيا».. موضحًا أن المهمة الألمانية لا تتمثل فى إقامة علاقة أفضل مع الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين»؛ لكن، فى إعادة تعديل العلاقة بين الصراع والتعاون. 

وأضاف إن النقطة، هى توضيح الخطوط الحمراء بالنسبة للاتحاد الأوروبى بشكل عام، و«ألمانيا» بشكل خاص.

جديرًا بالذكر؛ أن تلك القضايا يجب أن تُحل جنبًا إلى جنب مع قضايا أخرى تواجه «ألمانيا»، من: تغير المناخ، ومواجهة الإرهاب، وتدفق اللاجئين، وتداعيات فيروس كورونا، وغير ذلك.

فى النهاية، يبدو أن قائمة المستشار الألمانى القادم وحكومته طويلة، ومفعمة بالتحديات الداخلية والخارجية، وتختلف أولوياتها عن تلك التى واجهتها «أنجيلا ميركل»؛ ولكن، مثلما أثبتت تلك (المرأة الحديدية) نفسها خلال الـ16 عامًا الماضية، يبدو أن الاختبار الحقيقى للمستشار القادم، هو إثبات أنه الرجل الحديدى.