الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

«الإلحاد الإلكترونى» الخطر القادم

لا تزال قضية الإلحاد إحدى أهم القضايا التى تهدد مجتماعتنا، وتُعَد مصرُ من أكثر الدول المستهدَفة فى بنيتها الدينية الفطرية من خلال نشر فكرة الإلحاد.. ومما يسبب صدمة أن بعض التقارير تؤكد تزايُد المُحلدين فى  مصر والعالم العربى.. بل توجد بعض التصريحات  سابقة تحدد عدد المُلحدين بالملايين.



وما زاد الأمر خطورة هو ظهور ما يُعرف بالإلحاد الإلكترونى، وسط استغلال لانتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعى بين مختلف الفئات العمرية، وهو ما كشف عنه كتاب جديد للباحث محمد حبيب، الباحث فى علم النفس ومؤلف أول موسوعة نفسية فى القضايا الفكرية؛ حيث أوضح حبيب لـ«روزاليوسف» أنه قام فى كتابه بمحاولة رصد لهذه الظاهرة الخطيرة. مشيرًا إلى أن  أكثر الصفحات انتشارًا الصفحات الإلحادية الساخرة أو ذات الموضوعات الجذابة والجديدة أو الموضوعات الموثقة بالأدلة أو ذات التقنية الفنية العالية.

ومع هذا يؤكد «حبيب» أنه ليس من السهولة حصر كل المُلحدين على الإنترنت، ولكن هناك استحالة فى حصر كل المُلحدين على الإنترنت لسببين: الأول هناك من يخفى إلحادَه، والثانى هناك من ينشر محتويات إلحادية بصورة غير مباشرة كمَن ينشرها تحت اسم غير إلحادى على صفحته، ولكن الأدق هو حصر عدد مشاهير المُلحدين المجاهرين بالإلحاد على الإنترنت أو أصحاب الحسابات أو الصفحات أو القنوات النشطة أو المتفاعلين مع الأخذ فى الاعتبار صعوبة حصر الإلحاد فى كل اللغات.

وأوضح قائلاً:«من خلال رصدنا وإحصائنا لعدد المُلحدين المجاهرين أو حتى النشطين على مواقع التواصل الاجتماعى لا يتعدّون 400 ألف شخص ناطق باللغة العربية على مستوى العالم، وإجمالى عدد مشاهدات فيديوهات الإلحاد باللغة العربية فى أشهَر القنوات على اليوتيوب لا تتعدى 200 مليون مشاهدة منذ تأسيسها حتى أول 2021. 

أضاف: إن حركة التفاعلات فى اليوتيوب فى أكبر 15 قناة إلحادية تدل على زيادة كبيرة بالمقارنة بموقع الفيس وتويتر فى آخر 2020 بالمقارنة بآخر عام 2019، وهى زيادة 42 % فى عدد المشاهدات بنحو 56 مليون مشاهَدة، فأصبح عدد المشاهَدات الإجمالية لأكبر 15 قناة إلحادية على اليوتيوب 189 مليون مشاهَدة فى آخر 2020، بعدما كانت 133 مليون مشاهدة فى آخر 2019، وبزيادة نحو 310 آلاف مشترك جديد بنسبة 33 %، ولكن فيهم مشتركون مكررون، فأصبح عدد المشتركين مليونًا و244 ألف مشترك فى آخر 2020 بعدما كانوا 934 ألف مشترك فى آخر 2019.

ولفت إلى أن  أكثر الجنسيات العربية التى تجهر بالإلحاد على الإنترنت هى السعودية، ومصر والمغرب والعراق وسوريا، هذا من واقع البيانات التى دوّنوها فى منصّاتهم، وهذا ظاهر جدًا من لهجتهم واهتمامهم بأحوال بلدانهم، وعدد كبير منهم مقيم بالخارج؛ خصوصًا أمريكا وأوروبا.

وقال حبيب: «هناك غياب للرد العلمى والمعتدل من كثير من العلماء على شبهات الإلحاد على الإنترنت؛ لاعتقادهم أنها لم تصل لحد الظاهرة بعد، أو لأنهم مجرد مرضى نفسيين، وأنهم فى مصر مثلًا لا يزيدون على 800 ملحد مصرى». 

واستطرد قائلاً: «من خلال دراستى ورصدى للإلحاد؛ خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعى، وجدت هناك ارتباطا إيجابيًا وآخر سلبيًا بين عدة عوامل؛ فبالنسبة للعمر أو سن المُلحدين وجدت أغلب المتفاعلين أو النشطاء مع الإلحاد من صغار السّن والشباب؛ فكلما زادت السّن قل الإلحاد، وهذا ارتباط سلبى أو عكسى، وبالنسبة للتعليم والثقافة والرفاهية وجدت ارتباطا إيجابيًا؛ فكلما زاد التعليم والثقافة أو الرفاهية زاد الإلحاد، بمعنى الإلحاد شبه منعدم عند قليلى التعليم أو الأميّين أو الفقراء، وبالنسبة لجنس الشخص أو الجندر وجدت أن الإلحاد يقل جدًا بين النساء عن الرجال، وربما يكون لدوافع غريزية فطرية أن المرأة تحتاج للأمان فتجد فى الله قدرًا كبيرًا من الأمان.

وعن الأسباب التى تدفع الشباب للإلحاد عبر الانترنت، أكد أنه من الخطأ الشديد رغبة البعض فى حصر أسباب الإلحاد وربما أيضًا التطرف والإرهاب فى سبب واحد، فهناك دوافع متعددة، وكل الأسباب واردة وتختلف من حالة إلى حالة، وقد يكون أكثر من سبب مترتب أحدهما على غيره.

ولفت إلى أنه فى غالب الحالات الإلحادية نجد أن التنشئة الخاطئة تعمل على إحداث صدمات للشخص فتتسبب فى مشاكل نفسية ثم تؤدى المشاكل النفسية إلى طرح آراء عقلية تعتنق وتعلن تغيير المعتقد سواء الإلحاد أو الإيمان، أى يحدث تحوُّل وتغيير أيًا كان نوعه.

 مواجهة مؤسّسية  

ومع تزايُد الإحساس بالقلق تجاه قضية الإلحاد قام الأزهر والأوقاف والإفتاء  من وقت لآخر  بتنظيم ندوات وحملات لمواجهة الإلحاد كان منها  ما أعلنه الدكتور «مختار جمعة»، وزير الأوقاف، عن إطلاق الوزارة مبادرة  تحت عنوان «التعايش باحترام» تركز على معانى المواطنة ومخاطر الإلحاد.

ويرى وزير الأوقاف  أن الإلحاد فى عالمنا العربى عامّة ومصر خاصة هو إلحاد موجَّه ومصنوع، قائلاً: «هناك منظمات وهيئات يعنيها تمزيق الكيانين المصرى والعربى فتدعم الالحاد كما تدعم الإرهابَ فإن وجدت فى بعض الشباب ميلاً للتشدد جرّته للجماعات الإرهابية وإن وجدت منه ميلاً للتفريط فى الدين أخذته لاتجاه الإلحاد والملذات. 

وشدد أن الدعوة للإلحاد والخلاعة وحرية الجنس وما شابه ذلك قنابل موقوتة مثل قنابل الإرهاب سواء بسواء، ونحن لن نسكت عن مواجهة الإلحاد بنفس القدر فى مواجهة التطرف، والإلحاد لأن كلا الأمرين شديد الخطروة علينا.

   رؤية دينية 

فيما أوضح د.«جميل إبراهيم» رئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، أن المَلاحدة رُغم إنكارهم بآيات القرآن؛  فإن القرآن الكريم أوضح لنا  أن الإنسانية جميعًا تقر بوجود الله تعالى؛ حيث أخذ علينا العهد والإقرار ونحن فى عالم يقر بوجود الله تعالى، بل إن الكائنات غير العاقلة تقر وجود الله تعالى، وبالتالى من ينكر وجود الله فإنه يسير عكس التيار. 

أضاف إنه إذا نظرنا إلى حركات الإلحاد نجدها أنها حركات فردية، ولا يعرفون حقيقة الله تعالى، ولا يدركون حقيقة الأديان. لافتًا إلى أن سيكون هناك قريبًا فى الأزهر مؤتمرٌ عالمى عن الإلحاد. 

ولفت إلى أن أكبر  شبهة يعتمد عليها المَلاحدة هى عدم رؤية الله تعالى، ولكن الرد فى أن الروح لا نراها ومع ذلك هى موجودة فى أجسادنا وهى تدل على وجود الله. 

د.«محمد عبدالسميع»، أمين الفتوًى بدار الإفتاء، يرى أيضًا أن الإلحاد أصبح قضية العصر، وهى موجة  تشير إلى أهمية تجديد الخطاب الدينى لاستخدام أدوات مهمة للإقناع والفهم. ولفت إلى أن من أسباب الإلحاد هو الخطاب الدينى المتشدد مما جعل الشباب ينفر من الدين بمجرد السماع.

وشدد إنه إذا استطاع الدعاة والعلماء والمؤسّسات الدينية أن ينتجوا نموذجًا مبهرًا وتعلن عنه فسنجذب الشباب المُلحد ونفتح معه حوارًا دائمًا، ونحن نحاول أن نفعل هذا وفى طريقنا لفعله.

 تحليل نفسى واجتماعى 

وحول اعتبار الإلحاد مرضًا نفسيًا كان للدكتور «هانى السبكى»، استشارى الطب النفسى،  رأى واضح وهو أنه لا يمكن القول بأن متبعى  الإلحاد أصحاب مرض نفسى؛ لأن المرضى النفسيين قد يستخدمون الإلحاد كعَرَض من الأعراض النفسية.

وأوضح أن :« الشباب الذين يلحدون يحاولون البحث عن الحقيقة ولا يمكن أن نصفهم بالسلب؛ ولكن علينا أن نلتفت إليهم، ومن الممكن أن يكونوا أصحاب دعوة فيما بعد ذلك، وهذا رأيناه من قبل فيمن مارسوا تجربة الإلحاد كتجربة فكرية؛ ولكن علينا أن نعترف بنقاط القصور التى تجعل هؤلاء الشباب يتوجهون للإلحاد. 

أضاف: «إن من أسباب الإلحاد هو التغريب الذى اجتاح التعليم. مشيرًا إلى أن العلاج لا بُدّ أن يكون بالحوار؛ لأن المُلحد مُجادل أخذ ببعض النقاط القوية ونحتار فى الرد عليه؛ خصوصًا أننا فى بعض المساجد نسمع قصصًا على المنابر تصل أحيانًا لحد الخُزعبلات، وأهملنا التربية الفكرية للفرد ونعرّفه كيف نفكر ولم نرغّبه فى الدين، فنحن أهملنا منهج الدين فى تعليمنا وهذا فى حد ذاته قد يخلق مُلحدين».

د.«هاشم بحرى»، رئيس قسم الطب النفسى بجامعة الأزهر، من جهته  يرى أن المصالحة بين الشخص وأسرته وبينه وبين المجتمع العقلانى الذى يستطيع التواصل معه سيؤدى بنا للوقاية من الإلحاد. موضحًا أن الخطاب الدينى غير الجاذب والفاهم لطبيعة الشباب هو أحد أسباب جَرّ الشباب إمّا للإلحاد وإمّا للتشدد، وعليه من يقوم بالدعوة لا بُدّ أن يستمع أولًا للشباب لمساعدته على الخروج من المحنة ثم توجيه الخطاب لديه بما يحل له تلك المحنة.

وشدد أننا  بحاجة إلى الحصول على شىء نستطيع أن نجذب به المُلحدين ثم بعد ذلك نبدأ معهم الحوار.