الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

«روزاليوسف» فى بيت الموسيقار الراحل: تفاصيل الساعات الأخيرة فى حياة بليغ حمدى

كانت «روزاليوسف» أول من دخل بيت الموسيقار الراحل بليغ حمدى فى اليوم التالى لوفاته، عندما قرر أشقاؤه د.مرسى سعدالدين والسيدتان صفية وقسمت يوم الاثنين الماضى فتح شقته الشهيرة بميدان سفنكس لاستقبال أصدقائه وأقاربه انتظارا لوصول جثمانه من باريس يوم الأربعاء.



وقد حرصت الأسرة على أن يبقى كل شىء بالمنزل كما تركه بليغ تمامًا قبل أن يسافر لآخر مرة خاصة فى حجرة «الأرابيسك» الخاصة به والتى تضم آلاته الموسيقية وأوراقه والنوت الموسيقية للأغنيات التى يلحنها.

وعلى مدى يومين عرفت من الأسرة تفاصيل الساعات الأخيرة فى حياة الموسيقار الراحل.

وبخلاف ما أكد البعض فإن بليغ حمدى لم يكن يعلم حين غادر القاهرة إلى باريس للعلاج حقيقة مرضه الخبيث التى أخفاها عنه شقيقه د.مرسى سعدالدين وبالتالى فقد تردد مرتين على مستشفى «جوستاف» الفرنسى وهو يعتقد أن الحقن التى سيأخذها لعلاج تليف الكبد الذى كان يعانى منه لذلك كانت معنوياته مرتفعة لدرجة أنه استغل فترة وجوده بباريس لشراء ملابس وأحذية - على غير عادته - ومجموعة هدايا لأصدقائه إلى جانب الاطلاع على أحدث أجهزة الصوت التى كان ينوى شراءها للاستوديو الذى قرر افتتاحه فى الفيللا التى اشتراها بحى الهرم، بل إنه عندما علم بوجود مريضة مصرية فى حجرة مجاورة أرسل إليها زهرة وبطاقة بخط يده كتب فيها «أتمنى لك الشفاء لنعود إلى مصر معًا قريبًا».

يوم السبت الماضى (ليلة الوفاة) كان موعد إعطاء بليغ حمدى الحقنة الثانية ويبدو أنه - لسبب أو لآخر - كان يريد ألا يبقى فى المستشفى. ولذلك عندما أخبرته إدارته أنه مزدحم بالمرضى وأن عليه أن يشارك مريضا آخر حجرة واحدة أو يأخذ حجرة منفردة من دون حمَّام. رفض وتأهب لمغادرته ولكنه حين وصَل إلى باب المستشفى أبلوغه بالعثور على حجرة مناسبة.

وفى مساء السبت أخذ بليغ حمدى حقنة الكبد ولكن داهمته فى اليوم التالى (الأحد) أحد آثارها الجانبية وهو القىء المستمر الذى جاءته إحدى نوباته القوية مساء فى وقت لم يكن بجواره أحد ليقلبه من الوضع راقدا إلى وضع النوم على جنبه وهو ما أدى إلى حدوث حالة اختناق أسلم معها الروح فى الساعة السابعة والربع تمامًا وليس فى الثانية عشرة مساء كما قيل، إلى جانب أن ذلك ينفى دخول بلغى حمدى فى غيبوبة من أى نوع قبلها، أما ما تردد حول الوصية التى تركها مسجلة على شرائط كاسيت ستذيعها محطة راديو الشرق بباريس فقد أكد صديقه الحميم فتحى سلام أنه سأل ابن شقيق بليغ- هيثم - الذى كان مرافقا له فى الرحلة فقال له أنها ليست وصية ولكنه حديث إذاعى عادى.

وقبل رحلته وأثناءها سمعت صوت الموسيقار الراحل مرتين فليلة سفره إلى باريس حاضرنى صوته مثقلا بكل شجون الخمسة أعوام الأخيرة من حياته يقول أستعد للسفر غدا بعد تحديد الموعد مع الطبيب الفرنسى، لدى إحساس أنى سأعود قريبا بإذن الله.

وبعد أسبوع جاءت آخر مكالمة بيننا من باريس تحمل صوته الملىء بالتفاؤل، التقيت بالدكتور وحددنا خط سير العلاج أشعر بتحسن هائل بعد الحقنة الأولى وسأعود بعد موعد الحقنة الثانية يوم 8 سبتمبر.

ومشاكل بليغ الصحية بدأت أثناء إقامته منذ سنوات فى باريس بحالة تليف فى الكبد.

أحد أمراض الغربة التى أصباته نفسيًا وعضويًا.. وازدادت الحالة سوءًا فىِ العام الأخير لدرجة أن الأطباء منعوه من القهوة والشاى والكثير من الأطعمة حيث اقتصر طعامه على المسلوق ولكن أحيانًا كنت اضبطه متلبسًا يتناول طبقه المحبب «الملوخية» متجاهلاً نصائح الأطباء، فمن يستطيع التحكم فى بليغ الذى عاش كل لحظات عبقريته وانطلاقه دون أن يخضع حياته لتخطيط دقيق.

فى الشهر الأخير ازدادت الآلام وقرر بليغ السفر إلى السعودية لإجراء فحوصات وظهرت النتيجة السوداء، مرض خبيث دخل كبد بليغ حمدى ولكن أحدا لم يبلغه بذلك وعاد إلى القاهرة.

توقفت نبضات قلب بليغ الساعة السابعة  والربع مساءً يوم الأحد الماضى لكنه عاش تجربة موت من نوع آخر يوم صدور الحكم عليه فى قضية مشهورة اضطرته لركوب الطائرة والابتعاد عن المساحة الكبرى من قلبه - مصر - وقد التقيت به فى اليوم التالى لعودته من عاصمة غربته باريس بمنزله فى ميدان سفنكس حاول أن يكابر أو يواسى نفسه قائلاً: لقد شعرت بلحظات الآلم القاسية فى تجربتى التى استمرت خمس سنوات لكن ما خفف من ولعها أننى لم أسافر وحدى بل اصطحبت مصر فى حقيبة سفرى، لذلك لم أشعر بإحساس الغربة القاتل، داعيته قائلة «معقول» فرد بما أردت إظهاره من خبايا نفسه: أنا اخترت أن أعيش فى مصر وأنا بعيد عنها، رغم ذلك فقد كانت لحظات الألم تتضخم فى وجدانى عندما أدرك حقيقة أنى لا استطيع العودة عندما أريد لذا كنت أتجنب مقابلة أصدقائى القادمين من مصر فى غربتى لأنهم يذكروننى بتلك الحقيقة.

وقد رأيت بليغ أكثر من مرة أثناء وجوده فى لندن، وكان أقرب لكنه ألم وإحساس بظلم كبير وقع عليه. كان يتجنب الحديث عن كل ما يتعلق ببلده حتى لا تظهر لحظات الضعف، بليغ كان يحب أن تعكس صورته مظاهر القوة والتفاؤل والأمل حتى فى أحلك المواقف التى عاشها.

ورغم كل محاولاته بعد العودة إلا أن داخل هذا الفنان المرهف تكسر - وبعض الأشياء يصعب ترميمها انزوى وابتعد عن المجتمعات والناس مواعيد التسجيل والاستوديو.

«أنا موجود على طول» كانت الجملة المكررة كلما طلبت لقاءه كان يتحدث معى كثيرًا عن الأمل والطموحات - وهو نبع موسيقى غزير، لكن الآثار المدمرة؟ سنوات والأيام القاسية التى سبقتها غلبت الحماس والموهبة.

 

نشر هذا المقال فى العدد 3406 عام 1993