الخميس 23 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

ترى أن الفنون الشعبية استخدمت السوشيال ميديا للانتشار بشكل أكبر: حنين طارق: الفلكلور يؤكد أن المرأة هى «الحافظ الأول للتراث»

اسمعهن..



«روزاليوسف» تقدم مساحة حرة للتعرف على الموهوبات فى المجالات المختلفة.. نلقى الضوء على الأفكار.. التحديات.. الطموح.. نقدمهن للوسط الثقافى والفني..

من هنا تبدأ الرحلة فاسمعهن.. 

 منذ المحاضرة الأولى لها فى كلية آداب جامعة القاهرة، قررت أن تطارد الحكايات، ترافق أبوزيد الهلالى فى تغريبته، تنتظر مع شهريار الليلة التالية متشوقة إلى رؤية شهرزاد، أو تسير فى ليل الصحراء تسمع الحادى يغنى كى لا تمل الإبل من السير.. وتطوف على أغانى الزار بلا توقف.. 

هكذا خطفت الحكايات والسير الشعبية عقل «حنين طارق»، التى قررت أن يكون الفلكلور مجال دراستها ورحلة بحثها المقبلة، تبحث عن الحكاية المفقودة على طريقة الأساطير.. لكن كيف بدأت حكايتها هى مع الفلكلور؟

 

تقول: أول محاضرة لى فى كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية في مادة «مدخل إلى الدراسات الأدبية» لـ أ.د.خالد أبو الليل، كنا ندرس فيها أنواعًا من الأدب، من ضمنها الأدب الشعبى وألف ليلة وليلة، ساعتها كنت منبهرة تمامًا، وكان إحساسى وقتها «وكأن حاجة بتندهلى».. أنا مؤمنة أن الأشياء تختار صاحبها، ومن هنا بدأت الرحلة.

 أثناء تلك المحاضرة.. ما الذى جذبك بالتحديد لدارسة الأدب الشعبى؟

- الرهافة والخيال.

 بمعنى؟

- فى الفلكلور عمومًا يشعر الإنسان بكل ما حوله، ينحى غروره جانبًا، ولا يشعر أنه مركز الكون، تظهر الحكايات أن أبطالها قادرون على الشعور بأبسط الأشياء، بل ويعتبرون كل ما حولهم يشعر أيضًا.

على سبيل المثال كانت تقول لى أمّى إن جدتى كانت دائمًا ما تسمّى الله عند تقطيع بصلة؛ لأن البصلة لها رأس وبالتالى لها شعور، الآن يمكن أن تقول إن ذلك مجرد كلام هزلى من دون معنى وتستنكر «إزاى يعنى البصلة هتحس»، لكنهم افترضوا ذلك وصدقوه؛ لأن كل حاجة ليها روح.

أيضًا نجد فىمعتقد آخر عندما يشترى أحدهم بيتًا يكون مقتنعًا أن للبيت سكانًا، حتى بعد أن مَلكه بشكل كامل، هو يفترض ذلك ويتعامل على أساسه، فيدفن جنيه دهب فى البيت «هدية» كرسالة سلام لـ«سكان البيت» بحسب ما يعتقد، وكأنها معاهدة سلام مع البيت الذى يملكه بالفعل، وهكذا كل الحكايات والمعتقدات  الشعبية مليئة بالإحساس.

 وماذا عن الخيال؟

- الخيال حاضر بقوة فى التراث الشعبى، من أول أبوالقمصان مساعد أبوزيد الهلالى، لحكايات الجن، إلى الطلبات المقررة على سيف بن ذى يزن للزواج من شامة، ورغم أن كل ذلك من ضروب الخيال؛ فإنه استطاع حجز مساحة مهمة فى واقعنا.

 يحمل الفلكلور قيمًا بنت وقتها وبيئتها ربما نختلف معها الآن.. منها مثلا أغنية «لما قالولى ده غلام انشد ضهرى واستقام.. ولما قالولى بنيَّة مالت  الحيطةعليّا». كيف تشتبكين مع التراث برؤيتك الآن؟

- بالطبع هناك حكايات أو أغانٍ لا أتفق معها، ولكن الفلكلور ملىء بالحكايات المختلفة فى المعنى والأفكار والرؤية، هو فى منتج خارج من البشر ملىء بصخب حياتهم وتناقضاتهم، فطبيعى أن تتفق وتختلف معه.

وهناك رواية أخرى تعارض التى ذكرتها تقول: «لما قالولى ده غلام قلت دى ليلة ظلام.. أكبّره وأسمّنه وياخدوه منّى النسوان.. ولما قالولى بنيّة قلت ياليلة هَنيّة».. هذا ما أقصده، هم ينقلون الحياة حتى بتناقضاتها وتفاصيلها.

 دائمًا ما يتردد أن حكايات التراث مهددة بالاختفاء من الذاكرة الجمعية.. من وجهة نظرك فى بداية طريقك للبحث ماذا نحتاج لمواجهة ذلك؟

 - طول الوقت نحاول الدفاع باستماتة عن الأدب الشعبى فى حين أننا نحتاج فعلا لدراسته وتحليله كما هو، حتى تجاه فنون الطبقات الشعبية الآن من المهم دراستها وفهمها لا التعالى عليها أبدًا.

 بعد شهور ستبدأين رحلة الماچستير فى دراسة الفلكلور.. هل يستطيع الباحث معايشة كل التفاصيل محل الدراسة أمْ تظل مجرد عيّنة بحث؟

- لا يمكن دراسة الفلكلور والأدب الشعبى من المكتب أو فى عزلة عن بيئته، وإلا فلماذا تدرسه أصلا!.. الفنون الشعبية يعنى الناس.. والوجود وسط الناس ضرورى.. تعيش معهم كل التفاصيل.. تأكل على طريقتهم.. وحتى تحاول أن تؤمن بما يؤمنون.. حتى تفهمهم وتحترمهم، والأهم أن تشعر بهم.. لتتعرف على فنونهم العظيمة.. وأتمنى أن أستطيع فعل ذلك خلال بحثى.

 الأمر يحتاج الكثير من البحث والدراسات الميدانية.. هل يمكن أن يشكل ذلك عنصر قوة للرجل أكثر من الباحثات؟

- بشكل شخصى لا يوجد عندى مشكلة فى البحث الميدانى ولا يشكل لى عائقًا كونى أنثى؛ بل يمكنه أن يشكل عنصر قوة لى عندما يتطلب الأمر التواصل مع نساء من بيئات مختلفة.

 فى وقت ما كانت السيرة والحكايات الشعبية عنصرًا أساسيًا على المقاهى عن طريق مُغنى الربابة.. الآن بعد ظهور السوشيال ميديا كيف يشكل ذلك تحديًا لانتشار الفلكلور فى أوساط مختلفة كما كان؟

- التراث لا يزال موجودًا بشكل فعال؛ بل يمكننا القول إنه وظف السوشيال ميديا لخدمته وانتشاره على نطاق أوسع.. نجد مثلاً الريس محمد عزت مُغنى السيرة له قناة على اليوتيوب اسمها «فنان العرب» كما يطلقون عليه، ويذيع من خلالها حفلاته التى يظهر منها وجود حضور بالآلاف.. كما تحصد الفيديوهات مشاهدات كثيرة.. كما وجدت النكتة طريقا لتصبح مرئية.. لذلك أظن أن السوشيال لم تؤثر بشكل ملحوظ على انتشار الفلكلور بشكل عام وسهلت الوصول إليه.

 فى رأيك.. ما المشاكل التى تجدينها معطلة لدراسة الفلكلور؟

- بشكل خاص لا تواجهنى معوقات كبيرة، المراجع متاحة كما أن هناك الكثير من الدراسات المنشورة فى هيئة الكتاب وجمعية الفنون الشعبية، ربما هناك أزمة فى دور النشر الخاصة بشأن نشر الكثير من العناوين ودراسات الأدب الشعبى والفلكلور لحسابات السوق.. لكن ذلك من شأنه فتح مجال كبير لنشر الدراسات الشعبية.

أيضًا هناك الكثير من الباحثين يحاولون أثناء دراسة الأدب الشعبى إخضاعه لمنظومة أخلاقية، وهو ما يتناقض ما طبيعة البحث بشكل عام، ويضر النص الشعبى الذى يصل إلينا منقوصًا بسبب محاذير أخلاقية يراها الباحث، فعلى سبيل المثال أغانى الزواج الشعبية هى أغانٍ صريحة وبها إيحاءات واضحة، فنجد أن بعض الباحثين يعارضون ذلك، منهم من يطلق عليها «أغانى الغرف المغلقة» عكس الحقيقة، فحتى وإن كان غرضها تعليميًا، يتم تداولها فى تلك المناسبات بشكل صريح ومعلن.

وأنا أثناء البحث كل ما علىّ هو دراسة الظاهرة ومحاولة فهمها لا وضعها فى إطار أخلاقى ودينى؛ لأنهم يعبرون عن مشاعرهم وأحاسيسهم بهذه الطريقة، يستعيرون الصور من الطبيعة حولهم فيصفون الصدر بالرمان والشفايف بالفراولة.. هم أحرار فى ذلك وليس دور الباحث إصدار أحكام أو تشويه الصورة.

 أخيرًا.. حدثينا عن «المرأة» فى الفنون والتراث الشعبى؟

- فى كل المَصادر هناك جملة مهمة جدًا: «المرأة هى الحافظ الأول للتراث والحكايات».. حكايات السيدات هى التى ساهمت فى وصول التراث إلينا، وهن من يرددن الأمثال الشعبية.. وخلال بحثى عن السِّيَر وجدت أن الكثير من مغنىّ السيرة ورثوها عن أمهاتهم، كانت الأم تلقن أبناءها السيرة لتكسبه صنعة تؤمّن له مصدر دخل ومكانة فى المجتمع.

أمّا صورة المرأة فى الحكايات نفسها؛ فقد تتعدد الروايات وتختلف كطبيعة الفلكلور، لكن أغلب الحكايات تعزز المرأة وتقدرها.. حتى إننا نجد فى معظم السير الشعبية أن المرأة هى التى تبادر بالحب ما يدل على قوة وحضور كبير للأنثى فى الحكاية الشعبية.