الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولا.. التغيير.. يوم لا ينفعكم التلميع!

مصر أولا.. التغيير.. يوم لا ينفعكم التلميع!

سمعت حكاية من السياسى الراحل الدكتور رفعت السعيد، يسرد فيها تفاصيل دعوته إلى لقاء رئيس جديد لإحدى الدول العربية، لثقة هذا الرئيس فيه بسبب علاقته القوية بوالده. وسأله الرئيس من خلال تجربته الحزبية الطويلة: كيف يمكن إصلاح ما ورثه عن أبيه خاصة فى التعامل مع الحزب الحاكم؟ وكان رد السياسى المصرى صادمًا وقويًا ومعبرًا، إذ قال له بوضوح: لن تستطيع إصلاحه، ولكن اتخذ قرارًا بالتغيير السريع لبعض الفروع، وسيظهر باعتباره تغييرًا عظيمًا.



 

والسؤال: هل ما يحدث فى مصر هو تغيير حقيقى أم مجرد شكل؟ وهل يرتكز على مجرد تغيير شخصيات الوزراء والمحافظين؟

أسئلة تختلف إجاباتها بين ما قبل ثورة 30 يونيو وما بعدها، ليس فقط فى مضمون الأسئلة، ولكن أيضًا فى شكل طرحها للنقاش.

لذا لا تشغلنى كثيرًا بورصة الأسماء المرشحة للمغادرة أو لتولى منصب، بقدر ما تشغلنى أسئلة التغيير الأساسية، وهى: لماذا نحتاج إلى التغيير؟ ومن الذى يجب تغييره؟ ومتى يتم التغيير؟! وهى أسئلة تبعد إجاباتها تمامًا عن تحديد شخص بعينه سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر، ودون أى إيحاءات يُفهم منها ما لا أقصده.

لماذا نحتاج إلى التغيير؟ وبصيغة أخرى: هل نحتاج إلى التغيير؟ ومتى يتم التغيير؟

 سؤال شائك يُفهم بطريقتين؛ الأولى هى أن من يجب تغييره لم يقم بدوره كما يجب، والثانية هى أن التغيير فيه تنوع فكرى وثقافى وسياسى وإجرائى يعود بالنفع على المجتمع المصرى، وإن كنت أميل إلى المزج بينهما، فليس كل الوزراء والمحافظين قد قاموا بما هم منوطون به، كما أنه ليس كل المسئولين التنفيذيين كانوا بالكفاءة التى تجعلهم يستمرون فى مواقعهم.

 التغيير الإيجابى أمر مرغوب ومطلوب شعبيًا وسياسيًا

أما السؤال الثانى فهو: من الذى يجب تغييره؟ وهو سؤال يترتب على ما سبقه.. بمعنى أنه يجب تغيير كل من كان أداؤه أقل مما يجب، وكل من لم ينجح فى القيام بمقتضيات منصبه، وبالتالى فإن التغيير هنا سيرتبط بشكل أساسى بتقييم الجميع فيما قاموا به، بحيث يتم الفرز والعزل أو الدعم والتجديد، وهو أمر يرتبط عند الوزراء والمحافظين بدور سياسى لهم، يكون قد ظهر من خلال المبادرات الجديدة أو من خلال القدرة على مواكبة سرعة النظام الحالى فى تأسيس بنية أساسية قوية مرتكزة على رؤية عامة للتنمية والاستثمار.

أما السؤال الأخير حول توقيت التغيير، وهو أمر محكوم بالعديد من العوامل، يأتى فى مقدمتها استنفاد من يتم تغييره لفرص أخرى من أجل البقاء والاستمرار.  

إذن، حالة التغيير لن تكون كما كانت قبل ذلك. وبالتالى.. لن تفيد فيها العلاقات الشخصية أو «الواسطة» و«المحسوبية» وخلافه من سبل التأثير الساذج، كما لن ينفع «تلميع» البعض فى الأيام الأخيرة لأنفسهم، أو تصدير صورته على اعتبار أنه بطل مميز أو على النقيض مشاكس ومشاغب و«راجل بتاع مشاكل».

من يتتبع السياسة المصرية الآن.. يستطيع أن يلحظ تغيرًا جوهريًا فى ملامح التغيير، وهى بادرة بدأت فى التغييرات الصحفية الأخيرة، ومن قبلها فى اختيار مجلس الوزراء الحالى، وإن كنت أعتقد أن التغيير فى كل مرة سوف يعتمد مرجعية جديدة لتقييم الأداء ومعايير الاختيار للأفضل فى شغل المناصب.

تحاول بعض الشخصيات العامة هذه الأيام أن ترسم صورة لنفسها بما ليس لها، ولكنها أساليب معروفة ومفهومة لن تؤثر فى قرارات الاختيار لأن التغيير أصبح يرتبط عندنا بعملية معقدة لصنع القرار السياسى، وهو ما يحدث فى مصر الآن، وتبقى دائمًا مرحلة اتخاذ القرار وإصداره.

تقييم الأداء الذى ذكرته أكثر من مرة، هو تقييم يرتبط بالعمل وإنجازاته، وليس بأشخاص محددة تولت مناصب معينة، وهو ما يجعلنا نقترب بوضوح شديد من تلك المناصب التى كنا نطمح فى وقت من الأوقات أن يتناسب دورها الفعلى مع متطلبات المجتمع المصرى وتحدياته الحقيقية.

إن ما سبق، يجعلنى أؤكد ما كتبته قبل ذلك على صفحات «روزاليوسف» عن أهمية أن يكون لدينا - أو تحديدًا يعود إلينا - منصب الوزير السياسى، بمعنى وجود رؤية سياسية للوزير، تتم ترجمتها لبرنامج عمل تنفيذى يحقق أهداف وزارته من جانب، ويتواكب مع طموحات الوزير فى تفعيل دور الوزارة التى يتولاها على مستوى المجتمع من جانب آخر، فى إطار رؤية النظام الحالى لطموحات المواطن ومستقبل هذا الوطن ومكانته.

التغيرات التى طرأت فى الفترة الأخيرة على الحياة السياسية المصرية تؤكد أننا قد دخلنا مرحلة جديدة تتسم بالتغيير والتقييم والتقويم، أكثر مما ترتبط بالثبات والجمود. لقد أصبح من المتوقع أن يكون التغيير مرتبطًا بشكل أساسى بما يمكن تقديمه من رؤية جديدة، تمكِّن أصحابها من اختبار رؤيتهم عمليًا على مستوى التنفيذ، ومن قبلها سياسيًا على مستوى ترويج أفكارهم.

أعتقد أننا فى ظل المتغيرات المتلاحقة، أصبحنا فى أمسِّ الحاجة لأن يكون لدينا وزراء سياسيون بمنطق المسئولية ومنطق الوعى والتفكير، بحيث يستطيع الوزير أن يمارس جميع السلطات المخولة له من منطق المحاسبة والشفافية، وليس بمنطق «دارى على شمعتك تقيد». وما يتطلب ذلك أن يكون لدى الوزير منطق منهجى فى التفكير واحترم المواطنين المصريين. 

دون نقاش، يتم اختيار الوزراء والمحافظين والمسئولين من خلال معايير محددة منها: امتلاك رؤية واضحة فى إنجاز أى مهمة والانتهاء منها، والقدرة على إعداد وتنفيذ برنامج عمل جماعى بمنطق الشفافية التامة، والقدرة على اتخاذ قرارات وتحمل تبعيتها، والاستعانة بأهل الخبرة، وليس أهل الثقة.

وفى هذا الصدد، أذكر هنا تجربة فرنسا قبل عدة سنوات عندما أتوا بطبيب أطفال، ليتولى مهام منصب إحدى الوزارات الأمنية رفيعة المستوى. وربما يكون قد آن الأوان لأن نفكر على أن يكون الوزير من خارج تخصص الوزارة التى سيرأسها لأن ذلك ربما يكون مفيدًا جدًا باعتبار أن منصب «الوزير» هو منصب خدمى تنفيذى للمجتمع فى سبيل الارتقاء بالمواطن العادى من خلال ما يتم تقديمه من خدمات يشعر بها المواطن المصرى العادى، يعاونه فى ذلك فريق من أفضل الخبراء والمتخصصين فى مجالات عمل الوزارة التى يرأسها.  

 

نقطة ومن أول السطر

السياسة هى فن صناعة الممكن، غير أن العمل العام هو فن يصنعه وزير سياسى ناجح، ويدعمه محافظ متميز، ويسانده مسئول تنفيذى مبدع ومبتكر فى ظل نظام سياسى يمتلك رؤية لمصر، وحُلمًا لاستعادة حقوق المواطن المصرى وترسيخ مكانته. إنها دولة 30 يونيو.. الجمهورية الجديدة.