الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

عــــودة طالبان الرابحون والخاسرون

فى 6 من أغسطس الجارى، استيقظ العالم على سقوط أول عاصمة ولاية أفغانية فى يد حركة «طالبان» هى مدينة زرنج فى جنوب غرب البلاد، بعد نحو شهر أو أقل من المناوشات بين القوات النظامية والحركة المسلحة، وذلك عقب بدء تنفيذ خطة الحكومة الأمريكية وحلف الشمال الأطلسى فى 1 يونيو الماضى فى البدء لسحب القوات العسكرية بعد 20 عامًا من الاحتلال عقب هجمات الـ11 من سبتمبر 2001. وفى 16 أغسطس الجارى وبعد غضون أيام استطاعت «طالبان» الوصول إلى العاصمة كابول، بعد سقوط أغلب عواصم الولايات الأفغانية وهروب القوات النظامية أمام زحف الميليشيات المسلحة، وانسحاب الرئيس الأفغانى أشرف غنى وهروبه إلى طاجيكستان معلنًا تخليه عن السُّلطة، وسيطرة «طالبان» على القصر الرئاسى وإعلانها أنها الجهة المنوطة الآن بحُكم «إمارة أفغانستان الإسلامية».



 

 الانسحاب السياسى

وفق محللين فإن قرار الانسحاب الأمريكى لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية؛ بل يمثل فشلاً سياسيًا؛ حيث فشلت القوات الأجنبية فى القضاء على القدرات العسكرية لطالبان التى صمدت وقاتلت طوال عشرين عامًا، وأظهرها الانسحاب الأمريكى بمظهر المنتصر عسكريًا. وكانت نتائج الفشل السياسى وخيمة، فقد كانت واشنطن قادرة على الحفاظ على حكومة الرئيس أشرف غنى بعدد قليل نسبيًا من الجنود الأمريكيين وحلفائهم فى حلف شمال الأطلسى (الناتو)؛ بل كان هذا قرارًا «سياسيًا- اقتصاديًا» بوقف التورط فى أفغانستان. وقد جسّد هذا القرار اعترافًا بفشل سياسى آخر فى سياسات ما سُمّى «بناء الأمَّة» أو «بناء الدولة» بواسطة قوة احتلال.

ومن ناحية أخرى يمكن النظر إلى قرار الانسحاب الأمريكى من أفغانستان اعترافًا ضمنيًا بقبول وجود طالبان كطرف رئيسى فى حُكم البلاد، ومن ثم فإن انتصار طالبان «الساحق» لن يثير عداوة الغرب؛ خصوصًا بعد طريقة دخول طالبان كابول والتى تكشف عن نوع من التفاهمات التى جرت مع الولايات المتحدة، ومن ثم ستتشكل سياسة الغرب؛ خصوصًا واشنطن، تجاه حُكم طالبان بناءً على توجهات الحركة نفسها فى الفترة المقبلة؛ خصوصًا فى بعض القضايا من أهمها: (مدى التزام طالبان بمنع استخدام أفغانستان كساحة للجماعات المسلحة، تشكيل الحكومة المقبلة، السياسة المحلية تجاه الأقليات والنساء ومسائل الحريات).

 تقارُب المصالح

كتقدير عام، ستعمل طالبان على الاستفادة من الواقع الجديد الذى فرضته، والذى سيجعلها بصورة ما محل سباق بين الأطراف المتنافسة جيوسياسيًا؛ حيث تدرك الحركة طبيعة التنافس «الأمريكى- الصينى»، و«الصينى- الروسى»، و«التركى- الروسى»، والباكستانى- الهندى»، و«الإيرانى- الباكستانى»، وحتى التنافس فى منطقة الشرق الأوسط بين إيران والسعودية. صحيح أنه ليس من المتوقع أن تقف الحركة على الحياد دائمًا بين هذه الأطراف؛ خصوصًا بين باكستان والهند فى بعض القضايا مثل أزمة إقليم «كشمير»، إلا أنها ستعمل على الاستفادة من هذه المصالح المتنافسة فى تعزيز بدائل تحالفاتها الخارجية.

وفى كل الأحوال؛ فإن صعود طالبان وتصدّرها للمشهد الدولى مرة أخرى، تكون له بعض التداعيات المؤثرة على العديد من الدول سواء فى الجوار الآسيوى أو حتى على القوى الدولية، ولذلك نرى أنه يوجد فريقان رابح وخاسر فى هذه المعركة، فلم تكن خسارة الولايات المتحدة هى الوحيدة فى أفغانستان، وربما يكون مكسبها من هذا الانسحاب لم يتضح بعد؛ فإن من المؤكد أن عودة طالبان ستشكل واقعًا جديدًا لدى موازين القوى الدولية.

 أولًا: الرابحون - باكستان:

لسنوات طويلة دعمت باكستان حركة طالبان، لأسباب قبلية وأيديولوچية وأمنية، رُغم تحالفها مع الولايات المتحدة، وفى مقابل استثمار باكستان فى علاقتها مع طالبان، راهنت الهند على الحكومة المدعومة من الغرب، لذا، يمثل حُكم طالبان ربما نهاية للنفوذ الهندى المناوئ لباكستان عبر حدود أفغانستان.

من جهة أخرى، من المتوقع أن تستفيد باكستان من علاقاتها مع طالبان فى ضمان تأمين طرُق الحرير البرية عبر أفغانستان المتجهة إلى ميناء «كويدر جوادر»، بالإضافة إلى عدة موانئ أخرى قد يتم تفعيلها أكثر، مثل «كيتى بنودر»، «بورت قاسم»، «كارتشى بورت».

أمّا فيما يتعلق بأزمة أقليم «كشمير»؛ فمن المتوقع أن تتلقى باكستان دعمًا من حكومة طالبان؛ خصوصًا إذا تم اتخاذ خطوات فى هذا الملف عن طريق باكستان وتركيا معًا.

- تركيا:

رُغم التوتر الأخير بين تركيا وطالبان، المتعلق بتأمين مطار كابول؛ فإن أنقرة فيما يبدو ليست متشائمة من صعود طالبان. فهناك ثمة مؤشرات توضح أن مسألة مطار كابول جارى التفاهم حولها حاليًا، وأن تركيا ستتخذ موقفًا إيجابيًا تجاه حكومة طالبان المنتظرة، وهو ما بات واضحًا فى ظل إعلان تركيا أنها مستعدة للاستمرار فى تقديم التشغيل الفنى للمطار «إذا طلبت طالبان ذلك»، وهى رسالة تعيد صياغة العلاقة وفق أسُس مقبولة من قِبَل طالبان الراغبة فى إنهاء صفحة التواجد الأجنبى المرتبط بالاحتلال.

- الصين وروسيا

رُغم عدم تطابق مصالحهما؛ فإن الانسحاب الأمريكى من المنطقة يخدم مصالح كل من الصين وروسيا، كما أنه يخدم دعاية بكين وموسكو المناهضة للولايات المتحدة؛ حيث سيكون من المفيد الإشارة لكيفية تخلى واشنطن عن حلفائها حين تخاطب الصين باكستان على سبيل المثال، أو حين تمارس روسيا ضغوطها على جمهوريات آسيا الوسطى.

وتعتزم الصين الحفاظ على استثماراتها فى أفغانستان، ورُغم أن مبادرة «الحزام والطريق» لا تشمل أفغانستان؛ فإنها مهمة كطريق عبور عبر آسيا الوسطى إلى دول أخرى مثل إيران، التى وقّعت الصين معها اتفاقية اقتصادية وأمنية مدتها 25 عامًا.

أمّا روسيا، فوفق صحيفة «واشنطن بوست»؛ فقالت آنا بورشفسكايا، المحللة المختصة بالشأن الروسى فى «معهد واشنطن»: إن موسكو تريد ملء الفراغ الذى تركته الولايات المتحدة، لكن الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين «مهتم أكثر بالخطاب المعادى للولايات المتحدة أكثر من محاربة الإرهاب، فطالبان مصنّفة بالفعل منظمة إرهابية فى روسيا، إلا أن هذا لم يمنعها من بناء علاقات معها»، وهو ما ظهر خلال جميع التعليقات الروسية الرسمية إلى ترحيب ضمنى بسيطرة طالبان والتقليل من المخاوف التى أثارها السياسيون الغربيون، كما أن روسيا تريد «منع انتقال حالة عدم الاستقرار فى أفغانستان إلى منطقة آسيا الوسطى»، وهى جزء من الاتحاد السوفييتى السابق «تعتبره ساحة خلفية خاصة بها»، وألا تصبح أفغانستان «نقطة انطلاق للجماعات الإسلامية المتشددة الأخرى

 ثانيًا: الخاسرون - الإمارات والسعودية

خلال فترة المفاوضات الماضية كان رهان الإمارات على الحكومة المركزية، كما رفضت طالبان مساعى أبوظبى لاستضافة جولة المفاوضات بين الحركة والولايات المتحدة، ومن ثم انخرطت فى المعسكر المناهض للحركة لدرجة أنها وافقت على استضافة مقر عمليات الطائرات من دون طيار الذى أعلن عنه البنتاجون كى يكون داعمًا للجيش الأفغانى ضد طالبان بعد الانسحاب الأمريكى، وهى دلالة لافتة على اصطفاف أبوظبى فى المعسكر المناوئ لعودة طالبان.

كما أن السعودية كذلك تُحسَب فى صفوف الخاسرين، فمن جانب، تاريخيًا كانت السعودية صاحبة التأثير الأكبر فى ملف أفغانستان، حتى تصدّرت الإمارات ميدانيًا التعاون مع الولايات المتحدة وغابت السعودية عن المشهد منذ سنوات طويلة، وهذا ربما سينتقص من نفوذها الإقليمى بعد سيطرة طالبان على أفغانستان.

- الهند

تُعتبر الهند من أكثر الدول استثمارًا اقتصاديًا وعسكريًا فى النظام الأفغانى المنهار، وهى سياسة ارتبطت بصراعها طويل الأمد مع باكستان التى كانت داعمًا أساسيًا لحركة طالبان، لذا تعتبر الهند خاسرًا كبيرًا مما جرى، وربما تتجه إلى المحافظة على استثماراتها فى أفغانستان واستخدامها فى تقليص الضرر وإقامة علاقات ودّية مع طالبان اعترافًا بالواقع الجديد.

وبينما تسعى الهند لتغيير الواقع فى كشمير بصورة نهائية؛ فإن صعود قوة إسلامية مثل طالبان فى المنطقة من شأنه أن يعزز من الدعم الإقليمى لموقف باكستان والمجموعات الموالية لها فى كشمير؛ حيث من المرجح أنها لن تتغاضى عن سياسات حكومة الهند القومية الهندوسية.

 إيران وميزان الربح والخسارة

يبدو الموقف الإيرانى أكثر تعقيدًا من أن يُصنف ضمن حسابات الربح والخسارة المباشرة، فمن ناحية، يمثل الانسحاب الأمريكى وإنهاء تواجُد واشنطن العسكرى والاستخبارى الواسع فى أفغانستان مكسبًا لطهران، لكن فى المقابل، ثمة تحديات سيكون على إيران التعامل معها، فتمكين قوة سُنّية محافظة مثل طالبان من شأنه أن يهدر الاستثمار الإيرانى الضخم فى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية فى أفغانستان.