الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
حقائق وهواجس.. جريمة عدم قطع العيش

حقائق وهواجس.. جريمة عدم قطع العيش

لم تكن مفاجأة أن يعلن الكاتب الصحفى محمد عبد الرحمن، عن صدور كتاب جديد له تحت عنوان «فلسفة البلوك»، يرصد فيه ما فعلته بنا «السوشيال ميديا» طوال سبعة عشر عامًا، منذ أن أطلق مارك زوكربيرج أولى شبكات التواصل الاجتماعى «الفيسبوك»، فهو – عبدالرحمن - من رواد الصحافة الرقمية، ويشهد على هذا نجاحه فى تأسيس وبث الموقع الإلكترونى «إعلام دوت كوم» لحوالى سبع سنوات الآن، هو سباق دائمًا فى هذه المنطقة، ورغم أنه من أبناء مؤسسة عريقة فى الصحافة الورقية هى «روزاليوسف»، وتحديدًا مجلة القلوب الشابة والعقول المتحررة «صباح الخير»، إلا أنه كان مبادرًا نحو مواكبة اجتياح التكنولوجيا لبلاط صاحبة الجلالة.



المفاجأة كانت فى طرح رؤية مهنية وإنسانية ناضجة بهذه الجدية، فى سياق موضوع يفرض عادة حالة من السخرية والتهكم حينما نتحدث عنه، أو لعله صار ملهاة إلى حد المأساة فى حياة المجتمع المصرى على اختلاف فئاته، تَرَاجُع شكل الحياة على الأرض لصالح الحياة «أونلاين» أو فى عالم افتراضى، موضوع هام وشائك تناوله عبد الرحمن من خلال حزمة أفكار تعدت الثلاثين فكرة، فى إيقاع سريع ولغة سلسة وخفة ظل مؤلمة قبل أن تكون مضحكة، تشخيص موضوعى لسطوة «السوشيال ميديا» على حياتنا، وإلى حد أن صارت النفوس خربة أكثر منها سوية، وردود الأفعال أسرع أكثر منها أعقل، والسلوك يفضح أكثر منه يستر.

«إذا كانت الفلسفة هى حب الحكمة، وإذا كان التفكير الفلسفى من المفترض أن يقود الناس لحياة أفضل، فإن فلسفة سلبية أخرى فرضها الجموح نحو استخدام التكنولوجيا الحديثة، عزلت الفرد عن محيطه، وجعلت قواعد بغيضة تتحكم فى جُل تصرفاتنا، ولا ينجو منها إلا مَن سيطر على عقله وأصابعه وهو يستخدم تلك المواقع أو منحه الله القدرة على مقاطعتها من الأساس».. «البلوك إذًا لم يعد قاصرًا على حظر س لـ ص لأن الأخير تجاوز فى حق الأول، لكن البلوكات تكاثرت علينا، وبتنا نحن المحظورين من فعل الكثير، فقط لأن القواعد التى فرضتها منصات التواصل الاجتماعى تفرض ذلك، وتتحكم فينا ليس كما تتحكم الحكومات الوارد تغييرها، والسياسيون الجائز انتخاب غيرهم، بل هو تحكم من قوى ضخمة مجردة لا يمكن الفكاك منها إلا بإرادة فردية عفية قابلة للصمود».. هكذا مهد عبدالرحمن لـ«فلسفة البلوك».

قضية مهمة طرحها محمد عبدالرحمن بحسم ضمن أفكار الكتاب، تماست مع واقع أعيشه لسنوات طويلة فى مجال إدارة الموارد البشرية، أسوأ قاعدة يطبقها أى إنسان فى أى بيئة عمل هى «حرام قطع العيش»، العمل بها يقع بنا فى عدة أخطاء، الأول أننا أهدرنا فرصة لبديل كان يمكن أن يحل مكان العنصر المُقَصِر ويؤدى واجباته بدقة ومهارة وضمير، الثانى أننا أعطينا المثل لباقى الزملاء أنهم مهما اجتهدوا فهناك من يشاركهم نفس الدخل والمزايا، والثالث حرمان الشخص غير الكفء من تطوير نفسه عندما يضطر للبحث عن عمل آخر بعدما يدرك أنه لن يستمر فى أى مكان جديد بحجة «حرام تقطعوا عيشى».

الجريمة حقًا هنا هى عدم قطع العيش، جريمة فى حق جميع الأطراف، قبل أن تكون فى حق المجتمع بالكامل، أوافق عبد الرحمن تمامًا فى هذا الطرح، ولا تتسرع بالحكم فى أن هذه القضية لا علاقة لها بموضوع الكتاب، ينبهك الكاتب إلى أن التفلسف صار مجاله واسعًا وصالحًا للامتداد فى كل اتجاه، محمد عبدالرحمن يطالبك بأن تحكم ضميرك وتصل لحقيقة أنك مسئول عن تنظيف دوائر عملك من المندسين غير الأكفاء، ستشعر براحة نفسية هائلة، لأن أحدًا لن يتهمك فى المستقبل بأنك تخاذلت يومًا ما وتركت الباب مفتوحًا لمن لا يستحق، افعلها واحظر هؤلاء كما تحظر الآخرين على شبكات التواصل الاجتماعى.