الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
كلمة و1/2..  تهذيب التاريخ أم تزوير الحقيقة!!

كلمة و1/2.. تهذيب التاريخ أم تزوير الحقيقة!!

عدد من الوقائع التى عاشها الفنانون،  كنت شاهدا عليها،  وعندما يعيدون روايتها مع مرور الزمن قد يسقطون شيئا أو يجملون شيئا ،  خوفا من سوء التفسير،  المجتمع المصرى فى الماضى،  كان أكثر مرونة فى أحكامه،  ويمنح الآخر مساحة فى الاختلاف،   ولهذا مثلا تجد فريد شوقى فى حوار شهير  مع الإعلامية الكبيرة ليلى رستم  - مطلع السبعينيات- سألته  هل يتناول الكحوليات ؟ أجابها نعم ولكن ليس أثناء أو قبل العمل.



هكذا  لم يخش فريد أن يغضب منه جمهوره،  قال الحقيقة وهى أنه لا يشرب أثناء العمل،  والجمهور اعتبرها وقتها حرية شخصية.

الكثير من الحقائق تم طمسها أو تغييرها مع الأيام ،  وإليكم مثلا بديع خيرى،   وهو من أكثر المظاليم فى حياتنا الإبداعية الكاتب الدرامى والشاعر والزجال الكبير بديع خيرى،  كان بديع هو بمثابة البنية التحتية لعملاقين ودعناهما قبل أن ينتهى النصف الأول من القرن العشرين،  سيد درويش 1923 ونجيب الريحانى 1949.

درويش هو روح  مصر الموسيقية،  والريحانى هو ضحكة مصر الصافية،  كل منهما ستكتشف أن القسط الكبر من رصيدهما  شارك فيه  بالنصيب الأوفر   بديع خيرى، كاتبا غنائيا مع درويش، ودراميا مع الريحانى. 

احتفظت الذاكرة المرئية  لبديع بحوار ممتع مع الإعلامية سلوى حجازي - فى بدايات التليفزيون المصرى الستينيات -  كما أنه شارك نجيب الريحانى  التمثيل مرة واحدة فى فيلم «ياقوت» أول فيلم ناطق لعب بطولته الريحانى، ولا يعرض إلا نادرا.

 بين بديع  ونجيب  موقفان  كان يقترب منهما بقدر كبير من الاحتراز ،   وذلك قبل أن نعيش زمن الاحتراز،  الأول أنه كتب من الباطن،  وهو ما يعرف بـ«كاتب الظل»، أى يتقاضى أجرا ولكن العمل الفنى ينسب لآخر،  كان بديع  كاتبا ناشئا،   ولهذا لم  يجرؤ أن يتقدم بأعماله مباشرة  للريحانى،  بعد أن أصبح الريحانى يبحث عن مؤلف بعد خلافه مع أمين صدقى كاتبه الملاكى،   بسبب مطالبة صدقى بزيادة أجره،  وبنسبة من الشباك،  فهو يرى نفسه  شريكا فى النجاح، بينما الريحانى رفض الإذعان،  فكان ينبغى البحث عن كاتب جديد، وتقدم له فعلا أحد الممثلين  فى المسرح برواية - كما كانوا يطلقون فى ذلك الزمن على النص المسرحى -  وأعجبته  فتعاقد عليها وتكرر الأمر أكثر من مرة، حتى همس أحدهم فى أذن الريحانى باسم بديع،  الكاتب الحقيقى  ، فاتفق مباشرة  الريحانى  مع بديع ،  لم يعد بديع  يذكر  أنه كتب من الباطن لأنها صارت حيلة  مستهجنة، بينما فى الماضى، وقبل إقرار حقوق الملكية الفكرية  لم  يجد حرجا فى ذكر أنه فعلها مضطرا  .

لدينا واقعة أخرى  ذكرها بديع فى مذكراته، بينما  صار الأصدقاء والورثة يتعمدون تغييرها، وهى كيف تغلب بديع على خجله عندما التقى الريحانى لأول مرة ؟، الواقعة كما ذكرها فى مذكراته أنه  ذهب إلى خمارة فى شارع «عماد الدين» بالقرب من مسرح الريحانى،  واحتسى كأسا أو اثنتين،  حتى يمتلك الشجاعة اللازمة،ومع تراجع المجتمع فى التسامح  مع  مثل هذه الأمور،  صار البعض يكتب  الواقعة على النحو التالى أنه ذهب للجامع وصلى ركعتين داعيا الله أن يقويه ويمنحه الشجاعة  فى لقائه الأول مع نجيب الريحانى .

هل نعيد كتابة التاريخ مجددا وفقا لما صارت تفرضه الرؤية الاجتماعية التى نعيش  الآن تحت سطوتها؟ أم أن التاريخ يجب أن نبعده عن أهوائنا أو حتى تخوفاتنا من سوء التفسير،  وربما الأحكام المتعسفة التى قد يسارع البعض بإصدارها ؟

أرى أننا عندما نروى حكاية من الزمن الماضى، يجب أن نضعها فى إطارها التاريخى،   بكل تفاصيلها،  ونحكم عليها وفقا لقانونها،بديع خيرى فى الثلاثينيات كان خجولا وقبل أن يقابل نجيب الريحانى  ليتغلب على تردده،  احتسى كأسا، ولم يصل ركعتين «بس خلاص»!!