السبت 24 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

تيجراى شاهد على الجريمة: اعتقال المعارضين ودعم الميليشيات سلاح «آبى أحمد» فى الفوز انتخابات «تقيد» الديمقراطية

«أفَضّل الموتَ، ولن أتخلى عن السُّلطة.. سنتخذ العديدَ من الإجراءات، القوّة التى أعددناها لهذا حان وقت العمل بها.. لذلك سيكون هناك إراقة دماء هائلة».. بهذه الكلمات جاءت تسريبات صوتية لـ«آبى أحمد» رئيس الحكومة الإثيوبية، واعدًا أنصاره أنه «لن يتولى السُّلطة أىُّ شخص آخر خلال السنوات العشرة المقبلة».



 

وعلى الرغم من أن مكتب رئيس الوزراء  الإثيوبى أصدر بيانًا ينفى من خلاله ما وُرد فى المقطع الصوتى؛ فإن نتيجة الانتخابات الإثيوبية التى تم إعلانها، الأحد الماضى، جـاءت بفــوز حــزب «الازدهــار» الحــاكــم لـ آبى أحمد بفوز ساحق فى انتخابات شابها العديدُ من الخروقات داخليًا وخارجيًا، وأصبح بقاءُ رئيس الوزراء الإثيوبى فى منصبه فترة ثانية، فى ظل مجاعة وحرب عرقية قاسية فى الشمال بالإضافة إلى عدد من الانقسامات فى مختلف الأقاليم فى ثانى أكبر مدينة إفريقية، الأمر الذى دعا المجتمع الدولى فى «التشكك» فى نزاهة هذه الانتخابات، والقلق مما قد تواجهه البلاد من زيادة الانقسامات الداخلية.. وهنا يبقى سؤال؛ هل ستكون هذه الانتخابات هى بداية الانقسام.. ويقود آبى أحمد أول طريق التفكك لبلاده؟ أمْ سيعمل «رجل نوبل للسلام» على توحيد شعبه مرة أخرى وهى المهمة الأصعب.. فالحروب العرقية أصبحت قنبلة قد تنفجر خلال أى لحظة فى أرجاء القارة السمراء من أجل فقط «الحفاظ على حُكم آبى أحمد».

الفوز فى انتخابات لم تُعقَد 

فى يوم السبت 10 يوليو أعلن الحزب الحاكم فى إثيوبيا عن فوزه الساحق فى الانتخابات البرلمانية؛ حيث حصل على 410 من أصل 436 مقعدًا فى البرلمان، خلال الانتخابات التشريعية التى أُجريت قبل أسابيع، وفق ما أعلنت اللجنة الانتخابية، وهو ما يُعتبر بمثابة تمهيد لولاية جديدة لرئيس الوزراء آبى أحمد، الذى وصف النتائج «بالتاريخية».

وقال «أحمد» فى بيان عبر موقع «تويتر» إن حزبه «سعيد بأن إرادة الشعب اختارته لإدارة البلاد». وكان آبى أحمد قد ترشّح للمرة الأولى فى 21 يونيو الماضى، وذلك منذ تعيينه فى 2018 إثر موجة مُظاهرات مناهضة للحكومة شهدها البلدُ الإفريقى، بعد أن كانت الانتخابات مقررة فى صيف العام الماضى، لكنه اتخذ قرارًا بتأجيلها بسبب وباء كورونا.

ورغم الفوز الساحق الذى حققه حزب آبى أحمد؛ فإن وثائق نشرتها اللجنة الوطنية للانتخابات لاحقًا أوضحت أنه ينبغى إعادة عملية التصويت فى 10 دوائر، وإعادة فرز الأصوات فى ثلاث منها.

وأُرجئت الانتخابات مرتين بسبب تفشى فيروس كورونا، ثم لمنح اللجنة الانتخابية مزيدًا من الوقت بعدما واجهت صعوبات لوجيستية، ورغم هذا الإجراء لم تحصل عمليات التصويت فى نحو خُمْس الدوائر الـ547 فى البلاد، بسبب مشاكل لوجيستية أو أعمال عنف عرقية الطابع، ازدادت وتيرتها فى عهد آبى أحمد.

وتعتبر هذه الانتخابات أول اختبار ديمقراطى لرئيس الوزراء الإثيوبى المنتهية ولايته، آبى أحمد، 44 عامًا، الذى وعد لدَى تسلمه السُّلطة عام 2018 بأن يجسّد التجدد الديمقراطى، بينما يواجه آبى أحمد وحكومته انتقادات دولية، وعددًا من الملفات الشائكة داخليًا وإقليميًا أبرزها أزمة «سد النهضة» والحرب والإبادة فى تيجراى ما يضعه أمام اختبار صعب.

وقالت «الجارديان»، إن «التصويت كان بمثابة اختبار لآبى أحمد، الذى وصل إلى السُّلطة فى أبريل 2018 بعد استقالة رئيس الوزراء السابق وسط احتجاجات واسعة النطاق»، لافتة إلى أن «رئيس الوزراء الإثيوبى تعرّض مؤخرًا لانتقادات دولية شديدة بسبب تعامله مع الصراع فى منطقة تيجراى الذى خلف آلاف القتلى».

ومن جهة أخرى، تم إرجاء الانتخابات فى نحو خُمس الدوائر الانتخابية الإثيوبىة، والبالغ عددها 547 دائرة بسبب توتر الأوضاع الأمنية وبعض المشكلات اللوجيستية، وتيجراى على رأس القائمة المؤجلة، هذا بالإضافة إقليم الصومال الإثيوبى، وإقليم بنى شنقول، ودوائر أخرى فى ستة أقاليم إثيوبية تم تأجيلها للجولة الثانية المقررة فى 6 سبتمبر المقبل.

وواجهت الانتخابات الإثيوبية العديد من الخروقات التى قد تطيح بنزاهة هذه العملية الديمقراطية؛ حيث تم إلغاء عملية تصويت فى 100 مركز اقتراع بإقليم أوروميا بسبب مخالفات، وأوضحت رئيسة مجلس الانتخابات الإثيوبية، «برتكان مديكسا»، أن مجلس الانتخابات الإثيوبى قرر عدم إجراء انتخابات فى هذه المناطق، إلا أن مسئولاً (لم تحدده) بالمنطقة أمر بإجراء عملية التصويت بالدائرة والتى بها 100 مركز، وبسبب هذه المخالفة قرر المجلس إلغاءَ أكثر من 100 مركز اقتراع بالمنطقة.

 انتخابات فاسدة

أوضحت الصحيفة «الجارديان» البريطانية، أن أحزاب المعارضة فى إثيوبيا، اعترضت بشكل كبير على ما شهدته من «مضايقات وترهب».مشيرة إلى أن آبى أحمد أشاد بالانتخابات باعتبارها المحاولة الأولى لإثيوبيا لإجراء انتخابات «حُرة ونزيهة»، لكن الولايات المتحدة وصفتها بأنها «معيبة بشكل كبير»، مستشهدة باحتجاز بعض شخصيات المعارضة وانعدام الأمن فى أجزاء من ثانى أكبر دولة فى إفريقيا من حيث عدد السكان.

ونقلت الصحيفة عن زعيم المعارضة «برهانو نيجا» إن حزبه «المواطنون الإثيوبيون من أجل العدالة الاجتماعية»، قدّم 207 شكاوى بعد أن قام مسئولون محليون ورجال ميليشيات بمنع المراقبين فى منطقة أمهرة ومنطقة الأمم والجنسيات والشعوب الجنوبية. من جهة أخرى، أصدرت الخارجية الأمريكية بيانًا - قبل إعلان نتيجة الانتخابية- أعربت فيه عن «قلقها للغاية بشأن البيئة» التى ستجرى فى ظلها الانتخابات الإثيوبية، وفقًا لتقرير سابق لشبكة CNN.

وتابع البيان: «اعتقال السياسيين المعارضين ومضايقة وسائل الإعلام المستقلة... والعديد من النزاعات العرقية والطائفية فى جميع أنحاء إثيوبيا هى عَقبات أمام عملية انتخابية حرة ونزيهة...».

وقال بيان مماثل من دول الاتحاد الأوروبى إن التصويت يحدث فى «ظروف إشكالية». وكان الاتحاد الأوروبى قد سحب بعثته لمراقبة الانتخابات إلى إثيوبيا فى مايو، مشيرًا إلى موقف الحكومة غير المتعاون فى الوفاء «بالمتطلبات المعيارية» المتعلقة بأمن واستقلال مجموعة المراقبين.

وبالفعل فقد تعرّض الذين قبلوا بالمشاركة فى تلك العملية إلى صنوف من التعنت والإذلال بدءًا من طرد مراقبين سودانيين ذهبوا ضمن بعثة منظمة إيساف (قوات طوارئ شرق إفريقيا) واحتجت الخرطوم رسميًا، وصولًا إلى تعرّض عدد من المراقبين للضرب أثناء محاولة تأدية مهمتهم وفقًا لرئيسة الهيئة الوطنية للانتخابات «بيرتوكان ميديكسا»، التى شكت من وقوع اعتداءات جسدية عليهم فى ولاية الأمهرة وعفار ومنطقة جامبيلا، وأكدت عدم فتح اللجان للتصويت فى عدد من مراكز الاقتراع فى أنحاء مختلفة..

 مصداقية مهزوزة

وفى تصريحات لـ«فرانس برس»، حذر محللون من اقتراع غير كامل وأزمة مصداقية فى إثيوبيا، مؤكدين أنه حتى فى المناطق التى تجرى فيها عملية التصويت، تقاطع بعض أحزاب المعارضة الاقتراع؛ احتجاجًا على سجن قادتها، مع مخاوف أخرى بشأن نزاهة العملية.

وفى هذا الصدد، حذر كبير المحللين فى مجموعة الأزمات الدولية، «وليام دافيسون»، من أن الاقتراع غير الكامل قد يسمح لـ آبى وحزبه الحاكم «الرخاء» بالفوز بأغلبية مريحة وتشكيل حكومة.

وأشار دافيسون، إلى أنه «فى ظل هذا السيناريو، ستظل هناك شكوك كبيرة حول مصداقية العملية فى نظر العديد من الإثيوبيين وكذلك المراقبين الدوليين».

ومن جهة أخرى أوضح محللون، أنه على الرغم من فرص آبى أحمد للفوز برئاسة وزراء إثيوبيا مجددًا؛ فإن الأمر قد يقوده إلى تهلكة سياسية محتومة، لافتين فى هذا الصدد إلى وضع اقتصادى قيد الانفجار ومجاعة واسعة فى إثيوبيا.

وأشارت قناة BBC البريطانية إلى مفارقة واضحة فى حُكم آبى أحمد، الذى أطلق سراح ألف سجين سياسى فى بداية عهده، وأوصل النساء إلى مناصب عليا، ورفع الحظر المفروض على الأحزاب السياسية والإعلام، إلا أنه بعد أقل من سنة ونصف السنة فى عهده عادت السجون لتمتلئ بآلاف المحتجزين مرة أخرى، من بينهم 20 صحفيًا معتقلاً.

كما أشارت BBC إلى أن العديد من الأحزاب فى أوروميا، أكثر المناطق كثافة سكانية، قاطعوا الانتخابات بسبب الترهيب الحكومى، مضيفة إنه «مَهما كانت نتائج انتخابات هذا الأسبوع- ومن غير المتوقع أن يخسر آبى- فسيتعين عليه التعامل مع أزمة اقتصادية تلوح فى الأفق. وتواجه الدولة التى يبلغ عدد سكانها 110 ملايين نسمة نقصًا حادًا فى العملة الأجنبية.. وسعت دون جدوى لتأجيل سداد الديون».

وأوردت الشبكة البريطانية الخسائر السياسية لآبى أحمد، لافتة إلى دعوة الأحزاب المعارضة فى أوروميا، إلى مقاطعة الانتخابات، متهمة قوات الأمن الإقليمية بترهيبها، مضيفة، إن الخبير فى الشأن الإثيوبى أديم أبيبى، أكد «أن بعض الأورومو الذين دعموا آبى أحمد منذ البداية، أو كانوا محايدين تجاهه، انقلبوا الآن ضده».

وأضاف أبيبى: «فى تيجراى، تحولت حالة انعدام الثقة به إلى كراهية، كما تأثر دعمه القوى فى أوساط الأمهرة مؤخرًا، بسبب تكرار الهجمات العرقية ضد أفراد هذا المجتمع الذين يعيشون فى منطقتى أوروميا وبنيشنقول-جوموز».

وأشارت الـBBC إلى أن حزب آبى، هو الأوفر حظًا فى الفوز، معللة ذلك بأن المعارضين الرئيسيين يقبعون خلف القضبان من جهة، وبسبب مقاطعة بعضهم الانتخابات من جهة أخرى.

واعتبرت الشبكة البريطانية أن المسألة فى إثيوبيا انتقلت من فقدان الثقة إلى الكراهية، لافتًة إلى أنه عندما تسلم آبى أحمد السُّلطة، وعد الإثيوبيين بإحياء السلام والديمقراطية والازدهار، لكنه الآن لا يواجه مشكلة فقدان للثقة به من قبل جزء كبير من سكان بلاده فحسب؛ بل وحتى من الحلفاء الغربيين الرئيسيين مثل الولايات المتحدة؛ خصوصًا بعدما أصدرت أمريكا قرارات عقابية ضد مسئولى النظام الإثيوبى بسبب الانتهاكات والإبادة فى تيجراى.