الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

نساء فى حياة الأنبياء الهبوط من الجنة: آدم وحواء قصة خلق الإنسان! "1"

يرى البعضُ أن تعاليم الإسلام تنظر للأنثى نظرة دونية مقارنة بالذكر، وهى رؤية تأسَّست على فهم غير صحيح لآيات قرآنية، مثل قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) الزخرف 19، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) الطور 39، (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى) النجم 21.



فى القرآن الكريم قرر الله تعالى أنه لم يشهد أحد بداية خلق الكون أو خلق الإنسان: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) الكهف 51، ومع ذلك جاء الأمر منه تعالى بالبحث لمحاولة معرفة بداية الخلق: (قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) العنكبوت 20، ولذلك علمنا ببعض تفاصيل هذا الخلق نتيجة أبحاث العلماء. 

 

وفى القرآن جاءت قصة خلق أول بشر، والفرق بين البشر والإنسان فى القرآن، أن البشر هو الوجود المادى للإنسان ككائن حى: (إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشراً من طين) ص 71، أما الإنسان فهو الكائن العاقل: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) لقمان 14، ولذلك فإن دراسة جسم الإنسان تتم من خلال الطب البشرى وليس الإنسانى،أما العلوم الإنسانية من اللغات والتاريخ والفنون فهى لدراسة القيم والقدرة على التعبير، وهى ليست علوم بشرية، وفى القرآن سورة الإنسان وليس البشر.

قصة الخلق

يبدأ خلق البشر بعرض الله تعالى أمر خلق آدم على الملائكة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ) البقرة 30، وكلمة جاعل تدل على البشر الذى ستتغير طبيعته بعد خلقه ليصبح خليفة فى الأرض.

والملائكة لم يستشرهم الله، بل يخبرهم تعالى بأنه قرر أن يجعل فى الأرض خليفة، ولا يعنى ذلك أنه سيخلف الله فى الأرض، فالإنسان خليفة لأنه سيكون المتحكم فى إعمار الأرض: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِى الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) الأعراف 10. 

والخلافة مرتبطة بالجعل: (وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) الأعراف 69، قوم عاد جعلهم تعالى خلفاء بمعنى متحكمين فى الأرض بعد قوم النبى نوح، ولم يجعلهم خلفاء لهم، وأيضاً مع قوم النبى صالح: (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الأَرْضِ) الأعراف 74، ليكونوا خلفاء ليعمروا الأرض بعد عاد وليس خلفاء لهم: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هود 61.

واستفسار الملائكة كان قبل خلق آدم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء)، وجاء نتيجة لرفع الله غطاء غيب الزمن فرأت الملائكة ما سيكون مستقبلاً، أو لأنهم رأوا مخلوقات تعيش فى الأرض تفسد وتسفك الدماء، ورد عليهم تعالى: (إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة 30، مثل عدم علمهم بتكبر إبليس الموجود معهم.

وتم خلق أول رجل وهو آدم: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) الرحمن 14، ثم نفخ الروح فى جسد آدم، وتم خلق أول أنثى وهى حواء، ولم يذكر تعالى طريقة خلقها ولم يذكر اسمها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) البقرة 35، وفى الروايات أن الملائكة سألت آدم عن اسم زوجه فقال اسمها حواء لأنها خلقت من شىء حى.

وحدث تعليم الأسماء لآدم: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) البقرة 31، لقد وهب تعالى القدرة لآدم على تسمية الأشياء، مثلاً المكان الذى نعيش فيه فنسميه مدينة، ثم نضيف لها اسماً يميزها عن المدن الأخرى، فالإنسان يبتكر للأشياء المادية والمعنوية اسماً ووصفاً.

والأمر للملائكة بالسجود لآدم هو اختبار فى الطاعة، وقد ظن إبليس خطأً بأن السجود تفضيلاً لآدم، فرفض السجود: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) الأعراف 11، ولذلك توعد بالانتقام من آدم وذريته: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) الإسراء 62. 

الإنسان والجن

قال تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ. وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) الرحمن 14-15، فالجن مخلوق من نار، ومع أن كل المخلوقات مخلوقة من ماء: (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الأنبياء 30، إلا أنه توجد مستويات ونوعيات من الماء، منها الماء الثقيل، والماء النارى المخلوق منه الجن مثل ماء النار.

أما (مَارِجٍ مِنْ نَارٍ)، فقد يعنى طاقة غير مادية تختلف عن الطاقة المعروفة فى عالمنا المادى،وذراتها مختلفة عن ذرات عالمنا وتتحرك جزيئاتها بسرعات عالية. 

وإبليس كان ضمن الملائكة، فلما عصى صار من الجن: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) الكهف 50، كان هنا بمعنى أصبح، فإبليس حين رفض السجود لآدم أصبح من الجن، مثل قوله تعالى عن الصوم: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) البقرة 184، أى من أصبح مريضاً أو على سفر فله أن يفطر ويقضى الأيام التى أفطرها. 

رفض إبليس ارتبط بالاستكبار وليس بالاعتذار، فتم طرده من الملأ الأعلى: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) الحجر 34-35، وعصيان آدم وحواء ارتبط بالندم والتوبة: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف 23، فتاب عليهما تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) طه 120.

جنة آدم وحواء 

وكلمة جنة يأتى معناها حسب السياق فى القرآن، كفار قريش طلبوا أن تكون للنبى عليه الصلاة والسلام جنة: (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ) الإسراء 91، هنا بمعنى حديقة أو بستان، وتأتى بمعنى جنة الآخرة: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة 8.

وتأتى بمعنى جنة الاختبار لآدم وحواء: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) طه 117، فقد كانا فى الجنة لا يتعبان، ويختلف وصف جنة آدم عن وصف جنة الآخرة، فالخلود من صفات جنة الآخرة، أما جنة آدم فليس فيها خلود، بدليل استجابته لإغراء الشيطان: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) طه 120.

الهبوط إلى الأرض

مع أن الأمر والنهى جاءا لآدم وحواء معاً: (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) البقرة 35، والشيطان أزلهما معاً، وأخرجهما من الجنة معاً: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) البقرة 36، إلا أن آدم هو المسئول الأول لأن الخطاب كان له مباشراً: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِى) طه 115، والنهى كان باجتناب الشجرة وعدم الاقتراب منها، ولم يحدد الله تعالى تعريفًا بالشجرة ولا بسبب الأمر بالبعد عنها.

وفى الجنة كان جسداهما تغطيه طبقة تحجب أعضاءه: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ) الأعراف 22، وحاولا تغطية ما ظهر من أعضاء جسديهما بورق الجنة، والشيطان ينزع عنهما ما تبقى من الغطاء: (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) الأعراف 27.

وأمرهما الله تعالى بالهبوط إلى الأرض: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) البقرة 35، هما الاثنان ويخاطبهما تعالى بصيغة الجمع (اهْبِطُواْ)، و(جَمِيعاً): (َاهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) طه 123، لأن هبوطهما يعنى هبوط ذريتهما معهما ومن خلالهما.

والهبوط يختلف عن النزول، فالنزول هو انتقال من مستوى إلى مستوى آخر، فالقرآن أنزله تعالى من اللوح المحفوظ إلى الأرض: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) البقرة 185، ولم يهبط القرآن، فالفعل هبط يستخدم فى التعبير عن الانتقال من مكان إلى آخر: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا) هود 48.

وفى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) آل عمران 33، حرف واو العطف بين الأسماء يدل على أن الاختيار كان من بين نفس الخلق (الْعَالَمِينَ)، وهى نفس ساحة الاختيار والتفضيل لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران.

والاصطفاء يتعلق بخواص تختلف عما يتصف به باقى البشر، فمثلاً من الصفات التى اصطفى الله تعالى بها آدم على باقى البشر، آدم هو أبوالبشر، وسجدت له الملائكة، وآدم وزوجه اختارهما تعالى ليعيشا فى جنة الاختبار، ثم أخرجهما تعالى من الجنة ليعيشا فى الأرض.

ومن قصة آدم وحواء يحذرنا تعالى من الشيطان: (يا بَنى آدَمَ لا يَفتِنَنَّكُمُ الشَّيطانُ كَما أَخرَجَ أَبَوَيكُم مِنَ الجَنَّةِ) الأعراف 27، ويعلمنا أن الأصل فى الإنسان وقوعه فى الخطأ والنسيان، ومع ذلك لا ييأس من رحمة الله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر53، ونعرف أهمية العلم لأنه شرط للخلافة، مع قصور علم المخلوقات مقارنةً بعلم الخالق، وأن أفعال الخالق تكون لحكمة، وأن شرط الهداية هو اتباع أمر الله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة 38.