السبت 16 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
الدراما المعلوماتية والمنافسة الصحفية

الدراما المعلوماتية والمنافسة الصحفية

تابعتُ بشغف صحفى قبل أن أكون مُشاهدة ثلاثة أعمال غاية فى الأهمية لما تحويه من كم معلومات حقيقية عشناها هى وتوابعها على مدار أربعين عامًا بالتمام، أحداث لم يعش بدايتها مَن هم فى سن النضوج الرشيد الآن، ولكن عاشها جيلنا فى مراحل عمرية وتعليمية ما بين الثانوى والجامعة ورأينا أشخاصًا يشبهون هؤلاء الذين يؤدون أدوارهم ممثلين مصريين عظامًا فى الأداء والاحترافية المهنية، وأتحدث بشكل خاص عن ثلاثة مسلسلات لا يمكن وضعها فى توصيف (الدراما) فقط؛ ولكن (دراما معلومات الواقع الحقيقى الذى تجسده شخوص تلك المسلسلات)، وهى (القاهرة كابول - الاختيار 2 - هجمة مرتدة)، الأمر لم يكن سهلاً علىَّ كصحفية عرفت بأننى أعشق المعلومة؛ بل إننى مصنفة (صحفية معلومات) انتابتنى الغيرة المهنية ليس عن تقاعسى فى الحصول على المعلومة لا سمح الله، لأننى أبذل جهدًا مضنيّا فى هذا وأحصل على معلومات بمشقة ليس لها مثيل، ولكن الغيرة أتت من مبدأ (الثقة)، وذلك عندما ألقيتُ على نفسى سؤالاً: لماذا لا تمنحنا الجهات صاحبة المعلومات الحق مثلما تمنح كُتّاب تلك المسلسلات؟



قبل 2011 كانت تلك الجهات تختار من بين الكُتّاب الصحفيين أقلامًا واعية وتعطيها الثقة وتمنحها المعلومات لتنقلها فى حلقات عبر الصحف والمجلات ثم تصير فيما بعد عملاً دراميّا مسلسلاً أو فيلمًا، لكن منذ خمس سنوات لمستُ أن مهنتنا ليست على لائحة تلك الجهات فى مساعدتنا ومَدّنا بالمعلومات وصار كل ما لدينا هو اجتهاد من طرفنا فقط، مثل ما فعلتُ فى الجزء الأول من حلقات قمتُ بنشرها تحمل عنوان (كيف ولماذا حَكم السيسى مصر ؟)، وهى أحداث واقعية 100 ٪ كنتُ فى كواليسها وبين جنباتها من واقع عملى كمحررة عسكرية ومندوبة بمجلس الوزراء، وهذا ما جعلنى أرصد وأدوّن كل صغيرة وكبيرة، والأهم الكواليس التى اعتبرتها أمانة لدَىّ حتى يحين وقتها، وقد فعلتُ ككاتبة وشاهدة عليها مهمة التبصير والوعى لأحداث يجب أن يعرفها كل الناس فى الوقت المناسب حتى لا تتكرر الأخطاء والأحداث التى كانت تهز الوطن بجبروت العمالة والخيانة والمصالح الشخصية.

من الحلقات الأولى التى شاهدتها لتلك المسلسلات وأخص بداية مسلسل اعتبره (فورة دراما رمضان هذا العام) إنه (القاهرة كابول) والذى نعرف أحد شخوصه جيدًا ولا يخفى على أحدنا مَن هو بمتابعة دقيقة للفنان «فتحى عبدالوهاب» الذى قام بأداء دور (إعلامى معروف) نستدل على شخصيته بسهولة ويسر عندما ترى حركات وجه وأصابع «فتحى»؛ خصوصًا لو كنتَ قد جمعتك مثلى مع هذا الإعلامى حضور مناسبات ما بين ٢٠١١ و٢٠١٣ ولتعرف دوره الذى أتى له خصيصًا فى هذا التوقيت لمصر ولا يكون لديك شك فيما كان مكلفًا به تجاه هدم بلده؛ لأنه من رواد استخدام حرف اللام ألف (لا) فى بيع الوطن بالدولار كما تقول حروف الكلام لشاعرنا «عبدالرحمن الأبنودى»، هذا الإعلامى الذى كان همزة الوصل بين المخابرات الأجنبية والإرهابيين ناقل رسائل ومسجل حلقات تبهر المشاهدين وكأنه الناجى الوحيد لدى فرق الإرهاب من حُكمهم فى قتل العباد، والحقيقة أنه (مراسل للإرهاب)، هذه الشخصية التى لعبت كل أدوار التكليفات الاستخباراتية حتى تم كشفه وتعريته مهنيّا من أنه حامل رسالة إعلامية استخباراتية شكلا ومضمونًا، هذا الإعلامى (ى. ف) ظهر معه فى المسلسل مخرج مصرى قام بعمل فيلم وثائقى عن مقتل الشيخ الذهبى فى عام 77، هذا المخرج وهو ضيف شرف الحلقات وقد كان وطنيّا أظنه (ش. ع) وقد رفض التلميع على حساب الوطن الذى حاول أن يسوقه له الإعلامى إياه والذى هو صديقه للأسف ولكنه رفض بشدة وقد قام بإخراج العديد من الأفلام الخاصة بقضية الإرهاب، وتعتبر قصة (مقتل الشيخ الذهبى) هى التى حفرت فى وجدانه وجعلته ضد الإرهابيين، وذلك عندما سمعها فى أول يوم لنزوحه مع أسرته من الصعيد إلى القاهرة وكان طفلاً لم يتعدَّ العاشرة ليقف أمام معنى (الشيخ الذهبى قتله متدينون) ليظل لديه سؤال استنكارى من الطفولة حتى صار مخرجًا (كيف يَقتل متدينون شيخًا ؟)، وقد قطن هذا المخرج هو وأسرته حى السيدة زينب ليجاور الإعلامى وصديقين آخرين أحدهما ضابط والآخر إرهابى أربعتهم من عُمْر واحد وطبقة متوسطة وتلقوا تعليمًا نفس المستوى ولكن اختلفت مهنهم واتجاهاتهم، وسيكشف لنا المسلسل كونية باقى الأبطال الحقيقيين مَهما حاول كاتب المسلسل (عبدالرحيم كمال) أن يوحى بأن الشخصيات المصاحبة للإعلامى هى من إضافته الشخصية لاستكمال صورة العمل الدرامى؛ لأن هذا لا يجوز ويفقد الشخصية المحورية الحقيقية المراد إبرازها، سواء (الإرهابى أو الإعلامى) مصداقيةالتناول وتوحى بأن هناك تجنيًا على ما قاموا به من أعمال إجرامية وإرهابية، ولذا فإننا لا يمكننا القول بأن هناك شخصية من الأصدقاء الأربع ليست حقيقية.

وهذا ينقلنا إلى طرح سؤال آخر إذا كنا نحن الصحفيين لسنا فى ميزان (الثقة والمهنية) عند تلك الجهات التى تمد هؤلاء كُتّاب الدراما بكنز المعلومات ليكتبوا ويبدعوا، وتتركنا دون أدنى مساعدة ونحن نفتش عن المعلومة وننحت الصخر لنحصل على طرف من أطرافها، ثم بعد ذلك يكون التقييم والتوصيف للصحافة بأنها غير مؤثرة ولا جاذبة للقارئ، كيف ونحن فى عصر (الصورة تدعم الكلمة والكلمة تفسر الصورة) هل هذا ينطبق على الصحافة مثل الدراما؟ الحقيقة (نعم) أقولها بملء الفم، إذا كانت الدراما ستترك الشخوص الحقيقية مثل الكلمات المتقاطعة للمُشاهد يبحث عنهم ويستدل عليهم وربما يصيب أو يخطئ ولكنه فى النهاية عمل مشوق وممتع بالنسبة له، فهل يمكن للصحافة أن تكون مشوقة للقارئ وتمنح العمل الدرامى بُعدًا جديدًا فى التناول والتشويق، أكيد سوف يحدث عندما يستخدم الكاتب الصحفى الحروف الأولى من اسم الشخص الحقيقى وتصحبه صورة يرسمها رسام ماهر وما أكثرهم فى مؤسَّسَاتنا الصحفية ويمنح ملامح شخص الرواية جزءًا من أبعاد وجهه ويترك القارئ للتشويق فى حل رموز الحروف وترجمة الصورة، وهنا يكون لدينا مكسبان؛ الأول جذبت القارئ مرة أخرى إلى أهمية القراءة وإعمال العقل واستردته بعد غياب وعزوف، ولا يصير المشاهد متلقيًا فقط. 

والحقيقة أيضًا أن العمل الصحفى يكسب الدراما مُشاهد أكثر وعيًا وإدراكًا وتشويقًا أيضًا لأنه يريد معرفة تلك الشخوص التى قرأ عنها وهى تتحرك ، وقصص كثيرة أخذها كُتّاب الدراما عن أعمال صحفية وحوّلوها إلى مسلسلات ينتظرها الجمهور بشغف أكثر ووعيًا أعمق مثل شخصية «محفوظ عجب» فى مسلسل (فى بلاط صاحبة الجلالة) التى كتبها الصحفى الكبير «موسى صبرى» على حلقات فى أخبار اليوم ثم صارت مسلسلاً وفيلمًا ولا تزال شخصية «عجب» حتى عند الصحفيين أنفسهم لها أكثر من شخص تنطبق عليه المواصفات، أو بمعنى أدق هو كوكتيل من أداء بعض الصحفيين جمعها الكاتب فى شخص «عجب» وأيضًا ماكان يكتبه «صالح مرسى» من ملفات المخابرات وكان ينشرها حلقات فى روزا وغيرها من الإصدارات، بل بعضها كان يُنشَر فى عدة إصدارات فى وقت واحد لتصل لكل القراء الذين يُفضلون هذا الإصدار أو ذاك، مثل (رأفت الهجان) و(الحفار) و(الصعود إلى الهاوية) و(دموع فى عيون وقحة)، وكان يقوم كُتّاب السيناريو بتناول ما كتبه وترجمته إلى أعمال درامية تليفزيونية وسينمائية وكان ينتظره القارئ قبل المشاهد الذى قرأ الحلقات ويريد أن يرى كيف سيتم تجسيد تلك الشخوص الحقيقية.

إن الصحافة تصنع الخيال والدراما تجسّد الخيال والمشاهد يترجم الخيال الذى قرأه وشاهده، هكذا تكون منظومة الإبداع مع رحلة الوعى والإدراك كاملة بكل مصوغاتها، ولنا مع الدراما المعلوماتية لقاء آخر خلال شهر رمضان إن شاء الله.