الأحد 11 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

تساؤل مجتمعى يثير خلافًا فقهيًا إخصاء المتحرش هل يقبله الشرع؟ المفتى: التحرش الجنسى جريمةٌ وكبيرةٌ من كبائر الذنوب .. ويجب معاقبة فاعلها بأشد العقوبات

أثارت حادثة التحرُّش التى تعرضت لها مؤخرًا  فتاة صغيرة بالمعادى الحديث عن عقوبة المتحرش؛ وبخاصة  الأطفال؛ حيث تداول البعض دعوات سابقة  تضمنت المطالبة بإخصاء المتحرش كعقوبة له ولمنعه عن التحرش مرة أخرى، لاسيما وأن هناك فتوى سابقة صدرت عن عميد كلية الشريعة سابقًا بجامعة «الإمام» الشيخ سعود بن عبدالله الفنيسان تؤيد تطبيق «الإخصاء الكيميائى» لردع من اعتاد التحرش بالأسواق أو الاعتداء الجنسى على الآخرين.وقال الفنيسان إن النبى محمد «نهى عن الإخصاء، لكن لو توصل العلم لعلاج كيميائى يقضى على الشهوة عند المنحرفين فأرى جوازه».



 

الإفتاء المصرية  من جهتها،  لم تصدر رأيًا واضحًا فيما يتعلق بعقوبة المتحرش التى يجب تطبيقها، واكتفت بمطالبة أولى الأمر بأن يتصدّوا لهذه الجريمة النكراء بكل حزم وحسم، وأن يأخذوا بقوة على يد كل من تُسَوِّل له نفسُه تلويث المجتمع بهذا الفعل المشين.

وفى السياق ذاته، أوضحت فتوى الإفتاء أن  التحرش الجنسى حرامٌ شرعًا، وكبيرةٌ من كبائر الذنوب، وجريمةٌ لا تصدر إلا عن ذوى الأهواء الدنيئة، والنفوس المريضة التى تُسوِّلُ لهم التلطُّخَ والتدنُّسَ بأوحال الشهوات بطريقةٍ بهيميةٍ، وبلا ضابط عقليٍّ أو إنسانيٍّ.

وأضافت أن الشرع الشريف قد عظَّم من انتهاك الحرمات والأعراض، وقبَّح ذلك ونفَّر منه، وتوعد فاعلى ذلك بالعقاب الشديد فى الدنيا والآخرة، فالنبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيَّ».

وحول التحرُّش الجنسى بالأطفال اعتبرته الدار  كبيرة من كبائر الذنوب تنأى عنها كل الفطر السوية، وانتهاكًا صارخًا للقيم الإنسانية فى المجتمع، فهو قتل للطفولة، وانتهاك للبراءة، وهو -إلى كونه فعلًا فاحشًا- غدر وخيانة.

من جهته، أكد الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية أن تطبيق القانون تطبيقًا صارمًا وكذلك العودة للأخلاق والقيم والمبادئ وتربية النفس هما خير علاج لمسألة التحرش وغيرها من المسائل السلبية. موضحا، أنه لا يوجد ربط فى تبرير التحرش بين ملابس المرأة والتحرش بها؛ فالتحرش الجنسى جريمةٌ وكبيرةٌ من كبائر الذنوب وفعلٌ من أفعال المنافقين، وقد أعلن الإسلام عليه الحرب، وتوعّد فاعليه بالعقاب الشديد فى الدنيا والآخرة، وأوجب على أولى الأمر أن يتصدوا لِمظَاهرِهِ المُشينة بكل حزم وحسم، وأن يأخذوا بقوة على يد كل من تُسَوِّل له نفسُه التلطخَ بعاره.

الدكتور إبراهيم نجم- مستشار مفتى الجمهورية-  من جانبه  وصف التحرش الجنسى بالفساد فى الأرض بسبب إثارته الفزع فى المجتمع وتخويف الأسر والعائلات، داعيًا إلى تغليظ العقوبات على الذين يثبُتُ فى حقهم تهم التحرش الجنسى،خاصة أن  تصاعد الجريمة فى الآونة الأخيرة يؤكد خطورتها.

وأكد أنه لا بُد أن تتبنى مؤسسات الدولة الدينية والفكرية والاقتصادية والسياسية والمجتمع المدنى مشروعًا قوميًّا لمواجهة الانفلات الأخلاقى بهدف تنمية منظومة القيم الأخلاقية، ومواجهة جرائم التحرش وغيرها. 

عقوبة مرفوضة 

وترفض الدكنورة سعاد صالح أستاذ الفقه بجامعة الأزهر مسالة الإخصاء للمتحرش بصوره كافة، وقالت: الإخصاء فى حد ذاته ضد إنسانية الإنسانية واعتداء على خلقة الله له  حيث قال تعالى: «وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ»، كما أن القول بالإخصاء الكيميائى ولو جزئيًا لتقليل الشهوة  للمتحرش مرفوض أيضا لأنه ضد تكريم الله لبنى آدم حيث قال تعالى «ولقد كرمنا بنى آدم».

وترى د. سعاد أن الأولى هو  فرض عقوبات بغرامات مشددة على من يثبت فى حقه أمر التحرش خاصة فى الأطفال، وزيادة برامج التوعية بخطورة التحرش  وكيفية مواجهته.

فيما ترى الدكتورة آمنة نصير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر،  أن فرض عقوبة إخصاء الرجل المتحرش معمول بها فى بعض الدول، إلا أنها لا تُرحب بهذا الأمر مطالبة بسن قوانين مغلظة وعقوبات مشددة على المتحرش.

ويؤكد د. أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر وعضو اللجنة العليا للإفتاء بالأزهر أن «التحرش الجنسى حرام لأنه من مقدمات الزنى وفعل قوم لوط إذا كان بالولد، وهو خطوة من خطوات الشيطان، لذا فإن غض البصر أمر إلهى ورد فى القرآن الكريم بالآية 30 من سورة النور: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ».. إلخ. ورغم  أن د. كريمة  يعتبر التحرش جريمة يجب أن يُعاقب عليها فاعلها لاسيما فى التحرش بالأطفال؛ فإنه  يرفض فكرة إخصاء المتحرش ولو كيميائيًا باعتبار أنه  مخالف للشريعة، وفيه  مثلة  بآدمى، مؤكدًا أن  العقوبات الدنيوية تثبت بنصوص شرعية.

د. علاء الشال من علماء الأزهر،  أوضح  أن التحرش جريمة غريب أمرها  بين البشر، وتعد من الفظائع فى مجتمعنا لاسيما إن كانت بأطفال فى عمر الزهور، وقد أخبرنا النبى صلى الله عليه وسلم بوقوع وشيوع هذا البلاء العظيم فقال (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنى، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد) متفق عليه.

أضاف أن العقوبة الشرعية للمتحرش جنيسًا هى «التعزير» من جانب الحاكم، وهى كلمة فضفاضة فلذلك تركت لاجتهاد العلماء الذين قالوا فيها أن يقوم الحاكم بتوبيخ المتحرش أو ضربه أو سجنه..فإذا زاد البلاء فى المجتمع فالسلطة التشريعية لها أن تشرع من القوانين ما يمنع من وقوع تلك الجريمة من خلال سجن المتحرش أو فصله من الوظيفة العامة، أو تغريمه.

أما الإخصاء فإنها عقوبة مؤلمة قد تفضى إلى موته أو انقطاع نسله.

ولفت إلى أنه يكفى أن المتحرش يلحقه مذمة تطاله فى نفسه وأسرته، عقابًا له على ما صنع، أمّا الخصاء فهو منهى عنه، ومن ذلك ما روى عن  عبد الله بن مسعود أنه  قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك.

واستطرد د. علاء أن الحكمة فى منع الخصاء أن فيه من المفاسد: تعذيب النفس، والتشويه، مع إدخال الضرر الذى قد يفضى إلى الهلاك، وفيه إبطال معنى الرجولية التى أوجدها الله فيه، وتغيير خلق الله، وكفر النعمة، وفيه تشبه بالمرأة، واختيار النقص على الكمال.

ذئب جنسى 

من جهته، يوضح الشيخ أحمد تركى من علماء الأوقاف قائلًا: إنه من الحلول المقترحة  بجانب جهود الدولة فى  قضية التحرش هو  إصلاح الخطاب الدينى وترميمه ليكون خطاب إصلاح شامل يوقظ الضمائر ويدعم الأخلاق ويعالج الثغرات فى المجتمع بعمق وليس خطابًا شعائريًا باهتًا!! وهذه هى الحكمة التى قال ربنا جل جلاله عنها: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».

وشدد على أنه لا بُد من نشر ودعم الوعى والمشتغلين به،  وخصوصًا فيما يخص مقاومة الإباحية  ورزائل الأخلاق، ومبررى الجرائم باسم الدين،  بالإضافة إلى إطلاق حملات  للعلاج النفسى ضمن مشروع 100 مليون صحة،  فالمرض النفسى أخطر من المرض الجسدى  لأنه يدفع إلى أزمات غير متوقعة تهز المجتمع والأسرة كما القنبلة فى انفجارها، لافتًا إلى أهمية إصلاح الدراما والسينما  وعدم السماح بأى مشهد تحرش على الشاشة،   فقد شهدت الفترة الأخيرة مشاهد فجة على الشاشة  فى التحرش بالنساء والأطفال وكلمات خادشة للحياء  دون مراعاة لأى اعتبار مجتمعى.