السبت 24 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

حكومة الظل التى أسقطت كارتر واغتالت كيندى و«فرملت» كلينتون: تاريخ الدول العميقة الأمريكية.. من فرانكلين روزفيلت إلى دونالد ترامب "الحلقة الثانية"

حظر «الترامبية» عبر وسائل التواصل الاجتماعى كان موضوع سلسلة اجتماعات عقدت فى نوفمبر 2019، قبل عقد الانتخابات الأمريكية بعام كامل، أو بدء انتخابات الحزب الديمقراطى لاختيار مرشحه للرئاسة فى زمن كان ينظر إلى جو بايدن باعتباره آخر من سوف ينتخبهم الحزب الديموقراطى لهذا المضمار أمام بيرونى ساندرز وإليزابيث وارن ومايكل بلومبيرج.



هذه الاجتماعات بحسب تقرير مجلة تايم قد عقدت ما بين نشطاء وقادة منظمات المجتمع المدنى وحقوق الإنسان المتحدثين باسم الأقليات من جهة ومدراء فيس بوك وتويتر على رأسهم مارك زوكربيرج من جهة أخرى، من أجل سن قاموس كامل للصوابية السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعى يهدف إلى نفور مجتمعى وشعبى وانتخابى من الأفكار الترامبية، وحذف كلمات وآراء بعينها فور نشرها عبر فيس بوك وتويتر ونصب محاكم تفتيش رقمية وإعدام معنوى واغتيال معنوى عبر قوانين فيس بوك وتويتر لكل من يخدم التيار الترامبى عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وكان على رأس زعماء منظمات حقوق الإنسان ونشطاء الظل الناشطة فانيتا جوبتا التى أصبحت مساعد وزير العدل فى إدارة بايدن.

ولم تكن جوبتا هى الوحيدة من جيوش الظلال ونشطاء حملة الظل الذين نالوا مكافأة التعيين فى إدارة بايدن، إذ إن أغلب نشطاء اليسار الذين يعتبرون بيرنى ساندرز هو الأب الروحى لهم قد تم تعيينهم فى وزارة العدل الأمريكية، مثل الناشطة السوداء كرستين كلارك التى أصبحت مساعد وزير العدل للحقوق المدنية، كما شاركت ليزا موناكو فى جهود تلك المرحلة لنصب قاموس الصوابية السياسية المعادى للترامبية عبر شبكات التواصل الاجتماعى، حيث تمتلك خبرة واسعة فى الأمن السيبرانى حينما شغلت منصب مستشار الأمن الداخلى ما بين عامى 2013 و2017 فى إدارة أوباما، وقد أصبحت نائبة وزير العدل فى إدارة بايدن ولا عجب فى ذلك لأنه إذا كان بيرنى ساندرز هو الأب الروحى لإدارة بايدن فإن أوباما هو المرشد الأعلى لكل سياساتها وساستها.

كما تم دراسة الطعون القانونية المتوقعة التى سوف تقدمها حملة ترامب، ما يعنى أن «حملة الظل» المؤيدة لبايدن قد أدركت من قبل بدء الانتخابات أن هنالك شكوكًا قوية سوف يصدح بها التيار القومى حيال أسلوب إجراء الانتخابات نوفمبر 2020 عن أى انتخابات أمريكية مضت، وتم تحضير الردود القانونية مسبقًا قبل الانتخابات بل والترتيب مع بعض رجالات القضاء والقانون والمحامين الأمريكان من قبل بدء الانتخابات.

واستمر التواصل مع أعضاء الكونجرس من أجل إيجاد تمويل محلى للتنظيمات التى سوف تعمل على الأرض يوم الانتخابات، حيث تم تسجيلها باعتبارهم مراقبين للانتخابات وبالتالى لهم الحق فى الحصول على تمويل فيدرالى، ونظرًا لأن هذا الكم غير المسبوق من التنظيمات الحقوقية والمجتمع المدنى والتى فى حقيقة الأمر هى شبكات من نشطاء الظل أو نشطاء اليسار والحقوقيين، فإن رجال الكونجرس قرروا استخدام أموال الإغاثة من فيروس كورونا وتحويلها إلى إدارة الانتخابات، وهكذا وجدت حكومة الظل تمويلًا حكوميًا للعمل السرى! وللمفارقة فإن أعمال الإغاثة التى تمثل خطة إنعاش اقتصادى بـ 2 تريليون دولار كانت خطة ترامب لحماية المجتمع الأمريكى من تداعيات كورونا، فإذا بشبكة من الحزبين الكبيرين داخل مجلسى النواب والشيوخ تقوم باستغلال تلك الأموال لتمويل أنشطة غير قانونية تلاعبت بنتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية!

ويشير التقرير إلى أن 50 % من المصوتين فى انتخابات نوفمبر 2020 قد صوتوا عبر البريد! وهو الوسيلة أو الوسيط الانتخابى الذى شهد خروقات على نطاق واسع، بينما شارك 25 % من المصوتين عبر التصويت المبكر، وهكذا فإن 25 % فحسب من المصوتين قد صوتوا يوم الانتخابات أى أن 75 % ممن يحق لهم التصويت لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع يوم التصويت ولكن صوتوا عبر وسائل تصويت مشكوك فيها قبل الانتخابات.

75 % ممن يحق لهم التصويت لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع يوم الانتخابات ولكن أصواتهم كانت جاهزة عبر وسائط انتخابية أخرى، ما يعنى عمليًا أن نتيجة الانتخابات كانت محسومة من قبل عقدها!

ويشير التقرير إلى أن الانتفاضة الشعبية التى جرت من أجل تحقيق العدالة العرقية عقب مصرع الأسود جورج فلويد على يد ضابط شرطة أبيض، قد تمت إدارتها عبر شبكة هائلة من نشطاء يساريين وتقدميين وحقوقيين والسود تم تدريبهم على استراتيجيات رفع التوتر فى الشارع واستراتيجيات خفض التوتر أيضًا، وأن شبكة نشطاء الظل فى ميادين الثورة قد أداروا وصنعوا وحافظوا على الثورة طيلة صيف 2020 وجنبوا تسييس الثورة وأن تظل ذات خطاب شعبى يدعو إلى تصويت عقابى ضد ترامب فى أقرب انتخابات مهما كان منافسه.

التقرير يتحدث أن نشطاء الظل كسبوا خبرات ميدانية هائلة فى أشهر انتفاضة العدالة العرقية، وقاموا بتوظيف تلك الخبرات فى الانتخابات من أجل السيطرة على مقرات الانتخابات بدعوى أنهم مراقبون حقوقيون، والحفاظ على مقرات الانتخابات مفتوحة طيلة ثلاثة أيام عقب انتهاء الانتخابات من أجل توصيل صناديق التصويت البريدى اللازمة لكسر تفوق ترامب، وتأمين وصول تلك الصناديق من لجان التصويت إلى مقرات الفرز.

شكل نشطاء الظل ما أطلق عليه «ائتلاف حماية النتائج»، وبحلول نوفمبر 2020 كان نشطاء اليسار الأمريكى على استعداد لإغراق الشوارع بالمظاهرات والاضطرابات حال إعلان فوز ترامب، والحاصل أنه حينما أعلن عن تقدم ترامب عقب غلق صناديق الاقتراع، سرى توتر بين جيوش النشطاء ونادى بعضهم بالنزول إلى الشوارع والبدء بالشغب، وبحسب التقرير فإن حكومة الظل سارعت بنشر نشطاء مدربين على «خفض التوتر» بين المحتشدين ومجتمعات النشطاء من أجل طمأنتهم وتهدئة مخاوفهم والاستماع إلى كلمة جو بايدن حينما خرج عقب انتهاء التصويت ليعلن أنه فى طريقه للفوز بعدد من الولايات التى يتقدم فيها ترامب ما هدأ مخاوف نشطاء الظل بشكل رائع حتى يخيل لك أن كلمة بايدن كانت فى الأساس موجهة لنشطاء حكومة الظل للتهدئة! 

انتفاضة العدالة العرقية كانت بروفة ورسالة إلى المجتمع الأمريكى للإذعان إلى كل الخروقات المتوقعة فى مرحلة الانتخابات، وبعيدًا عن ائتلاف حماية النتائج ومنظمة حماية الديموقراطية وشبكة من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدنى إضافة إلى «التحالف المستحيل» بين الرأسماليين والاشتراكيين يوم تحالفت الغرفة التجارية مع النقابات المهنية، فإن النشطاء السود الذين اكتسبوا خبرات الحشد والتلاعب بالعواطف إبان انتفاضة العدالة العرقية قد حشدوا نساء الضواحى الأمريكية لتشكيل حركة نسويات من أجل الديموقراطية Fems for Dems كما قدم مانحون تابعون للحزب الجمهورى مساعدات مالية للحركات اليسارية والتابعة للحزب الديموقراطى من أجل هزيمة ترامب فى خرق أيديولوجى مبهر على ضوء الخلاف الفكرى بين اليمين المحافظ داخل الحزب الجمهورى ويسار الحزب الديموقراطى.

ويعتبر ديك جيفهاردت Dick Gephardt واحدًا من أهم زعماء الدولة العميقة وحكومات الظل وصانعي جيش نشطاء الظل فى أمريكا منذ تقاعده عن عضوية مجلس النواب التى شغلها ما بين عامى 1977 و2005 عقب انتهاء خدمته بالجيش الأمريكى، ويصنف من زعماء «اللوبهات – جمع لوبى» lobbyist فى السياسة الأمريكية، أسس عقب خروجه من مجلس النواب شركة «مجموعة جيفهاردت» the Gephardt Group الناشطة فى التأثير على الحركات العمالية الأمريكية لصالح الحزب الديموقراطى أو من يدفع أكثر، إضافة إلى تأسيسه شركة جيفهاردت للعلاقة العامة الحكومية Gephardt Government Affairs firm المعنية أيضًا بممارسة ضغط واستخدام لوبى خاص بها داخل الكونجرس ومؤسسات الدولة الأمريكية لصالح من يدفع أكثر.

ديك جيفهاردت المنتمى للحزب الديموقراطى، حيث حاول الترشح عن الحزب لرئاسة أمريكا عام 1988 وذهب الترشيح لـ مايكل دوكاكس، وعام 2004 حينما ذهب الترشيح لـ جون كيرى، كما حاول الترشح لمنصب نائب الرئيس عبر الحزب الديموقراطى خمس مرات، ولكن الترشيح ذهب إلى لويد بانتسون عام 1988، وآل جور عام 1992، وجوزيف ليبرمان عام 2000، وجون إدواردز عام 2004، وجو بايدن عام 2008.

ما بين عامى 2019 و2020 استغل ديك جيفهاردت اتصالاته وشبكات اللوبى التى تقع تحت شركاته من أجل صناعة شبكة ضخمة تحت قيادته يديرها عبر تطبيق ZOOM تضم قادة عسكريين سابقين وأعضاء سابقين فى الكونجرس إلى جانب مجلسى النواب والشيوخ فى عدد من الولايات الأمريكية وعدد من حكام الولايات ووزراء العدل إلى جانب شبكة من نشطاء ورجال أعمال ينتمون إلى الحزبين الكبيرين.

الغرض من «شبكة جيفهاردت» هو تشكيل غرف عمليات فى كل ولاية مستهدفة، بغرض عرقلة أى اتصالات رئاسية لترامب مع حكام تلك الولايات أو وزراء العدل فى تلك الولايات، أو غرف الكونجرس التابعة لتلك الولايات، من أجل قطع أى محاولة لترامب للتأثير على الانتخابات بشكل قانونى أو غير قانونى، وأن تصبح غرفة العمليات فى كل ولاية لوبى مستقلًا بذاته يضغط على حاكم الولاية ووزراء وحكومة وكونجرس الولاية من أجل عدم الانصياع لترامب وتياره والعمل على تجاهله وتجاهل صلاحياته الرئاسية وتغذية فكرة أن هزيمة ترامب فى انتخابات نوفمبر 2020 هو انتصار لأمريكا وانتصار للديموقراطية الأمريكية وانتصار للدولة الأمريكية وانتصار لنظام الحزبين الكبيرين فى أمريكا بدلًا من سعى ترامب لتفكيك هذا النظام بشعبيته الخارقة فى الحزب الجمهورى على حساب الزعامات التقليدية للحزب.. ويكفى القول أن وزير خارجية ولاية مثل جورجيا، تعتبر معقل الجمهوريين فى الجنوب، قد انحاز وزير خارجيتها الجمهورى براد رافنسبرجر Brad Raffensperger إلى شبكات الظل النيوليبرالية المناهضة لترامب، وهكذا رأينا الولاية التى تصوت للجمهوريين بشكل دائم قد ذهبت أصواتها إلى الديموقراطى جو بايدن وسط اتهامات واسعة بالتزوير والتلاعب.

وإذا كان تقرير «تايم» قد اختتم سيل التصريحات والحقائق الذى لا يمكن عنونته إلا بـ«كيف زورت الانتخابات الأمريكية برضا جميع الأطراف السياسية ما عدا التيار الترامبى»، فإن ثمة «سطر واحد» يُشير إلى عملية اقتحام الكونجرس، بأنه وفقًا لحكومة الظل كان مشهدًا مطلوبًا، وأخيرًا فى سلسلة شيطنة ترامب والترامبية، وأن «هذا هو ما كنا نريده بالضبط حينما اتهمنا ترامب بالتآمر على الديموقراطية».

 صراع الدول العميقة 

يوم اقتحام الكونجرس

إن اضطرابات 6 يناير 2021 الأمريكية سوف تظل تحمل مفارقات صارخة فى حسابات المراقبين العقلاء بعيدًا عن خبراء القص واللزق من الصحف العالمية النيوليبرالية، والحاصل أن «اضطرابات يناير الأمريكية» شهدت صراعًا داخليًا بين أكثر من شبكة مصالح وأكثر من «حكومة ظل»، ولعل تبرئة ترامب السريعة فى الكونجرس خلال فبراير 2021 من التحريض على اقتحام الكونجرس لم يكن الغرض منها التصالح مع هذه الاضطرابات أو غلق صفحة الترامبية ولكن كان الغرض هو غلق صفحة التحقيق فى اضطرابات الكونجرس وما خلفها من واقع أمريكى قبيح لا يتصور وجوده أغلب الأمريكان أنفسهم.

فى هذا اليوم عمل فى أمريكا نسختان من حكومات الظل وشبكات مراكز القوى، الأولى تؤيد ترامب والثانية استكملت المهمة ضده وصولًا إلى ما أسماه تقرير تايم: «كان ينقصنا مشهد يثبت اعتداء ترامب على الديموقراطية».

من الصعب الوصول إلى أسماء كلتا الشبكتين، أو حتى إذا كان ترامب قد وافق بشكل شخصى على إجراءات «الحكومة السرية» الموالية ضد «حكومة الظل» المضادة، ولكن منذ انتهاء الانتخابات التى نشر لها نصف أعضاء الحزب الجمهورى على الأقل وفقًا لاستطلاعات الرأى باعتبارها مزورة، قام الجنرال مايكل فلين المستشار العسكرى الدائم لترامب من قبل ترشحه للرئاسة وأثناء حملته الانتخابية وأول مستشار أمن قومى فى عصر ترامب، الرجل الذى تولى المخابرات الحربية الأمريكية واستقال حينما تصادم مع رؤية أوباما فى إطلاق العنان للإسلاميين فى دول الربيع العربى، الجنرال فلين اقترح على ترامب تعليق العمل بالدستور وإعلان الأحكام العرفية وإعادة الانتخابات واستدعاء الجيش للمشهد السياسى بشكل مباشر بعد 225 عامًا من سيطرة الجيش الأمريكى على المشهد الأمريكى من خلف الستار.

ولكن من أجل تحقيق رؤية فلين، كان يجب أن يحدث صدام دموى أو صدمة مجتمعية رهيبة فى الشارع، حتى يصبح تعليق العمل بالدستور وإعلان الأحكام العرفية ونزول الجيش أمرًا حتميًا ينسجم مع مسئولية رئيس الدولة فى حماية المجتمع.

وبغض النظر هل كان ترامب أو فلين من المجموعة التى أيدت اقتحام الكونجرس، فإنه فى الساعات الأولى للأحداث بات واضحًا أن هنالك تواطؤًا فى البنتاجون بموافقة ضمنية من البيت الأبيض على عدم نزول الجيش أو الحرس الوطنى للجم الفوضى إلى أن تحقق الهدف المرجو منها، القائد العام للحرس الوطنى الأمريكى الجنرال وليام ووكر أكدت التحقيقات أن وزير الجيش ريان مكارثى، ووزير الدفاع كريستوفر ميللر رفضوا طلبه بنشر قوات من الحرس الوطنى فور بدء الأحداث وتراخوا عن التحرك أو حتى الاستجابة لاتصالات العديد من الساسة والجنرالات ووقفوا موقف المتفرج أمام اقتحام الكونجرس لبضع ساعات.

ولاحقًا أشارت التحقيقات إلى أن هنالك العشرات من المنتسبين للشرطة والجيش والحرس الوطنى الأمريكى قد شاركوا فى اقتحام الكونجرس برداء مدنى، بمعنى أنهم لم يشاركوا فى الاضطرابات بصفتهم العسكرية أو الأمنية ولكن بصفتهم مواطنين أمريكان ينتمون إلى أيديولوجيات اليمين القومى ورافضون لما أسماه تزوير الانتخابات وهيمنة النظام العالمى على أمريكا واستخدام أمريكا للترويج لأچندة العولمة.

عقب انتهاء الاحداث، خصوصًا مع تولى حكومة بايدن، جرت عشرات التحقيقات فى أقسام وزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطنى ووزارة الدفاع ووزارة الجيش والمخابرات المركزية والمخابرات الوطنية من أجل تمشيط تلك المؤسسات من «الترامبيين» و«القوميين» و«اليمين القومى» و«المتطرفين البيض» و«النازيين الأمريكان» إضافة إلى تيار «الكونفدراليين الجدد» الداعين إلى إعادة فصل الجنوب عن الشمال الأمريكى كما الحال أبناء الحرب الأهلية الأمريكية.

كانت هنالك «حكومة سرية» داخل إدارة ترامب عملت يوم اقتحام الكونجرس على الوصول إلى مستوى من العنف والفوضى يصبح واجبًا على الرئيس الأمريكى الذهاب إلى حزمة إجراءات تصب لصالح إلغاء الانتخابات وحماية أمريكا – وفقًا لرؤية هؤلاء – من سيطرة النظام العالمى مجددًا على أمريكا عقب أربع سنوات من «الاستقلال الترامبى» عن العولمة.

أما نشاط حكومة الظل، فهو مرعب أكثر لفكرة الدولة المدنية، إذ كما أشار تقرير «تايم» فإن التحالف المعادى لترامب أو التحالف النيوليبرالى كان يريد هذا المشهد بشدة باعتباره مشهدًا ختاميًا مشينًا لحكم ترامب، وصمة العار التى يمكن استخدامها ضد الترامبية على مدار التاريخ، حكومة الظل التى اخترقت إدارة ترامب منذ اليوم الأول عرفت بخطة الحكومة السرية، وسعت إلى قلبها على رأس ترامب، شملت تلك التحركات اختراق صفوف «ثوار الكونجرس» فلا يعقل أن يصدق أى مراقب أن مؤيدي ترامب ذوى المشاعر الوطنية سوف يقومون بإسقاط العلم الأمريكى من فوق الكونجرس، ولكنها أفعال تليق بالميليشيات اليسارية التقدمية وأفكار بيرنى ساندرز الأب الروحى لليسار التقدمى الذى عمل طيلة عامين مع العولمة لإسقاط ترامب.

قبل بدء الاضطرابات، جرى اتصال بين نانسى بيلوتسى رئيسة الكونجرس وإدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، ولم يكن قد جرى تنصيبه رسميًا بعد، مع قيادات البنتاجون وتحديدًا الحرس الوطنى من أجل «الاستعداد للنزول إلى العاصمة خلال يناير ولفترة قد تطول إلى 90 يومًا»، ولقد قابل عناصر الحرس الوطنى تلك الاتصالات والمطالب باستهانة ولكنهم ضربوا كفًا بكف حينما حدثت الاضطرابات نادرة الحدوث فى تاريخ أمريكا وبدأت إجراءات نزول الجيش إلى العاصمة للسيطرة عليها وسرت أسئلة داخل فرق الحرس الوطنى التابع للجيش الأمريكى لعل أهمها.. هل كانت رئاسة الكونجرس ومعسكر الرئيس المنتخب على علم بأن هنالك اضطرابات من القوة أنها سوف تستلزم استدعاء الجيش إلى العاصمة للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى؟

وكما جرى طيلة عامين من عمل حكومة الظل ضد ترامب، تم تحضير النصوص القانونية والدستورية اللازمة حيال المؤسسة العسكرية، وكيف أنها يجب أن تحمى الدولة والأمن والقانون والسلم الأهلى والعيش الكريم المشترك، ولم يتم التواصل مع إدارة ترامب أو وزير الدفاع أو وزير الجيش أو حتى قيادة الحرس الوطنى، ولكن جرى التواصل فور بدء الاضطرابات مع «هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكى» الحاكم الحقيقى للجيش الأمريكى ووزارة الدفاع أو البنتاجون كما يطلق عليها إعلاميًا، ولقد تفهم رئيس الأركان المهام الدستورية والقانونية الموكلة إلى الجيش الأمريكى، وقامت هيئة أركان الجيش الأمريكى برفع مطلب التحرك إلى وزير الدفاع مع توصية لازمة بالإمضاء عليه من أجل بدء لجم «الفوضى الترامبية» فى الشارع.

جرت تلك الاتصالات عقب حصول حكومة الظل على جميع الفيديوهات والصور اللازمة التى سوف يتم تسويقها لسنوات على «وحشية التيار الوطنى والقومى والترامبى» وكيف اقتحم الفوضويون الجمهوريون والكونفدراليون والبيض والنازيون الأمريكان لمعقل الديمقراطية الأمريكية.

وبالفعل وافق وزير الدفاع ذو الشخصية الضعيفة والماضى العسكرى الهزيل على مطالب رئيس أركان الجيش الأمريكى، فيما يعد انقلابًا ناعمًا حداثيًا، لتنتهى واحدة من أغرب جولات صراع «الدول العميقة» الأمريكية ومراكز القوى، صراع بين «الحكومة السرية» الموالية لترامب و«حكومة الظل» الموالية لبايدن، فى دولة تموج مؤسساتها وولاياتها بالتنظيمات السرية بينما ساستها مجرد موظفين ومندوبين لتلك المنظمات التابعة لشبكات المصالح الاقتصادية الغربية.

 حروب الدول العميقة 

الأمريكية فى زمن بايدن

هل انتهى الصراع برحيل ترامب من البيت الأبيض؟ تكاد تكون الإجابة هى جملة ترامب حينما علم ببراءته يوم 13 فبراير 2021: «لقد بدأت حركتنا للتو»، فإن الصراع الداخلى وحروب الدول العميقة ومراكز القوى والشبكات السرية داخل نخبة واشنطن مستمرة، ولكن لها شكل مختلف وطابع مختلف فى سنوات بايدن، سواء شبكات القوميين الرافضة لعودة النيوليبراليين إلى البيت الأبيض، أو شبكة من اليسار التقدمى تعتبر الأب الروحى لها هو بيرنى ساندرز وليس جو بايدن، إلى جانب شبكة أخرى تابعة لباراك أوباما، وثالثة لهيلارى كلينتون، ومجموعة عمل تدين بالولاء لبايدن منذ سنوات عضويته فى الكونجرس.

مع عدم إكمال بايدن شهوره الأولى فى البيت الأبيض، يصبح من المستحيل الإشارة إلى نقاط الحسم والضعف فى خرائط حروب الدول العميقة فى سنوات بايدن، ولكن من المؤكد أن الصورة سوف تضح أكثر فأكثر عشية انتخابات الرئاسة الأمريكية نوفمبر 2024.