السبت 16 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
كلمة و 1/2: حتى الموت..  لا يطفئ نيران الحقد!!

كلمة و 1/2: حتى الموت.. لا يطفئ نيران الحقد!!

سألنى هل تتفقُ معى أن الاهتمام به كان مبالغًا؟ أدركتُ بالطبع مَن هو المقصود، ولهذا قلتُ له على الفور حتى بَعد الرحيل لم تهدأ المعركة، لقد عاش صاحبُنا فى حالة استنفار دائم من الحفاوة التى يلقاها الكاتبُ الكبيرُ بين معاصريه، وبينهم رجل الشارع البسيط، وكان دائم التشكك فى موهبته وفى تمكنه من أدواته، وكان رأيه أن ما يدفع الكُتَّاب والنُّقاد للإشادة بإنجازه، هو القَعدة الظريفة التى تجمعه بأصحاب الأقلام، وبمجرد أن تنتهى لن يتذكره أحد، الذى حدث واقعيّا أن حُضوره بعد رحيله عن الدنيا بات أكثر حضورًا. قلت له الزمن هو المقياس لأى نجاح، قشرة الذهب البراقة تتآكل بعد لحظات ونرى حقيقة المعدن، أتصور أن الموتَ هو أكبرُ اختبار يمر به الإبداع، وبالتالى يمنحنا القدرة على الحُكم المحايد على المبدع، الموت يُظهرُ عُمق مشاعرنا وما نعلنه أو نخفيه. أستعيد الجملة التى قالها أميرُ الشعراء أحمد شوقى لتلميذه والذى كان يشغل فى قلبه مساحة ابنه الروحى: (أنا عايزك تموت يا محمد)، يقصد الموسيقار محمد عبدالوهاب،الذى ارتعد خوفًا، كان «عبدالوهاب» وقتها فى مطلع العشرينيات، شديد الوَسوَسة على حياته، وصحته هى رقم واحد بالنسبة له، ولهذا قال له «شوقى» مُبددًا مخاوفه :(عشان أكتب عنك قصيدة تخلدك)، طبعًا «عبدالوهاب» لا يريد هذه المرَّة أن يحصل على مثل هذا الخلود، سبق أن تنازل أمير شعراء الفصحَى عن عرشه، من أجل عيون «عبدالوهاب»، وكتب له أكثر من 10 أغنيات بالعامية، منها (الليل لما خلى)، وخاض معارك طاحنة مع معاصريه بسبب ارتباطه بـ«عبدالوهاب»، ورُغْمَ ذلك تمنّى أن يكتب قصيدة عنه بعد الرحيل، تأمّلوا المعنَى، الموت يجعلنا نستجمع لا شعوريّا كل ما فى داخلنا من طاقة النقاء والنور، لكى نمنحها لمن لم يَعُد فى استطاعتنا أن نقول لهم كم نُحبّكم.



 هل تختلف صورة الإنسان بعد الموت، أقصد عندما نراها بعد سماع خبر الرحيل؟ أتصور أن الإجابة هى نعم، تابعوا مثلًا ما الذى كتبه عميد الأدب العربى طه حسين، عن غريمه عملاق الأدب عباس محمود العقاد، عاش طه حسين نحو تسع سنوات بعد رحيل «العقاد»، ولم يكن يترك مناسبة إلّا ويُعَدد مآثره، رُغم ما شهدته الساحة الأدبية بينهما من معارك طاحنة، حتى إن «العقاد» كان يطلق ساخرًا على طه حسين (عَمَى الأدب العربى).

 ورُغم ذلك فلقد مسح الموتُ من قلب طه حسين أىَّ مَشاعر عدائية للانتقام من غريمه الراحل.

الآنَ باتت مَنصات التواصل الاجتماعى، أقصد فى جزء كبير منها ليست بعيدة عن كل ذلك، تتناول صُوَرَ الموتَى من الأصدقاء والشخصيات العامّة، البعض فى لحظة يضع صورة إنسان عزيز عليه ويبدأ فى ذكر محاسنه وإضافاته، ويشارك العشرات والمئات، فى الحديث بكل الحب، أمّا لو كانت المناسبة هى الاحتفال بجائزة، ستجد أن (السوشيال ميديا) قد اشتعلت هذه المرّة بقذائف عكسية تقلل من قيمة الجائزة أو الإنجاز الذى تحقق.

الكاتب الكبير الراحل على سالم قال، فى واحدة من مقالاته، إن الفنان الذى يغادر الحياة يتنازع مَن يكتبوا عنه إحساسان متناقضان، الحزن لفقده وأيضًا السعادة المغموسة بالمصلحة؛ لأنه سوف يَترك بشكل أو بآخر مساحتَه لهم.

الصورة مع مَن فقدناهم تسبق عادة السيرة، كل من رحَل، بمجرد سماعنا الخبر نستدعى صورهم من الذاكرة، ونعايش مجددًا مواقفهم ويسقط تمامًا فى لحظات أى مساحات غضب أو سوء فهْم عابر، إلا أن هناك نفوسًا أخرى، لا يطفئ حتى الموت نيران الغيرة التى تمتلئ بها قلوبهم، هؤلاء الراحلون هزموهم بتواجدهم فى الحياة، ولايزالون من العالم الآخر يواصلون هزيمتهم، هناك من يتنفس الحقد بدلًا من الأوكسجين، ويواصلون إشعال النيران التى تحرقهم بقدر ما تضىء الراحلين!!