السبت 27 فبراير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

225 عامًا من مقاومة الهيمنة الدولية: التاريخ السِرّى لأمريكا

عقب هزيمة الأنظمة الأوروبية فى الحروب الصليبية، وانتصار ساحق لإمبراطوريات الشرق على إمبراطوريات الغرب، واستقلال الإمبراطورية المصرية عن الإملاءات الأمَويّة والعباسية، أدركت دوائر صناعة القرار فى أوروبا أن موعد التغيير الجذرى قد حان، وأن فكرة قيادة السلالات الملكية والحكومات الموالية لها وكنيسة روما للنظام الدولى كانت السبب الرئيسى فى خسارة الاستيطان الأوروبى لدويلاته الأربع فى الشام والأناضول.



وعبر سلسلة من الاجتماعات بين نخب سياسية وعسكرية واقتصادية وحتى دينية، جرى الاتفاق أنه حان الوقت لكى يكون أصحابُ النفوذ خلف الستار، وأن تكون الملكيات والعروش والحكومات وحتى الكنيسة أدوات للسياسة، وليست محركة لها، فإذا سقطت الإمبراطورية الرومانية المقدسة لا يسقط النظام الغربى، ولكن الدوائر المحركة للنظام الغربى وقتذاك تنقل كفة قيادة الغرب إلى آل بوربون فى فرنسا، أو حتى الملكية فى إنجلترا، عكس الاتحاد السوفيتى الذى ما إن سقط حتى سقط نظام الكتلة الشرقية كاملًا.

إنتاج النظام العالمى الحاكم

ما أنتجه الغرب عقب الهزيمة فى الحروب الصليبية هو شبكات مصالح مترامية الأطراف هى التى تدير المعسكر الغربى، وتحاول الهيمنة على العالم، تارة باسم فرنسا، وتارة باسم بريطانيا، ولاحقًا باسم الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبل السعى للهيمنة على العالم كان يجب أولًا إخضاع الغرب للنظام العالمى الجديد، لذا دعمت شبكات المصالح الغربية الأيديولوجيات العَلمانية، سواء ليبرالية أو حتى شيوعية، من أجل إنهاء نفوذ الكنائس على السياسة؛ خصوصًا كنيسة روما، كما تواطأت شبكات المصالح الغربية بالصمت إزاء الاجتياح الإسلامى العثمانى لكنيسة القسطنطينية، وتبديد الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية.

ونظرًا لأن الدين له عامل مهم فى العمل السياسى، دعمت شبكات المصالح الغربية ظهور رجل الدين «مارتن لوثر»، وبعد حروب عصور الإصلاح والنهضة والتنوير، استقر الحُكم فى الغرب لشبكات المصالح الغربية، التى تعانى بين الحين والآخر من ظهور قائد متمرد فى الغرب على تلك الهيمنة، فيتم توحيد الغرب ضده وإقصائه من المشهد.

الاستعمار الأوروبى لأمريكا

ومع اكتشاف إسبانيا الكاثوليكية للقارة الأمريكية، تسابقت الدول الأوروبية على نفس لعبة الحروب الصليبية فى توطين سكانها بالقارة الجديدة، وصناعة مستوطنات أوروبية يمكن أن تصبح لاحقًا دويلات تابعة للغرب، أسّست بريطانيا مستعمرة «أمريكا البريطانية»، و«كولومبيا البريطانية»، و«أمريكا الشمالية البريطانية»، و«جزر الهند الغربية البريطانية»، بينما أسّست بولندا مستعمرة «كورلاند»، وامتلكت الدنمارك مستعمرة «جرينلاند»، و«جزر الهند الغربية الدنماركية»، وأسّست النرويج «مستعمرة الهند الغربية النرويجية».

أمّا المملكة الهولندية فأسّست مستعمرة «هولندا الجديدة»، التى كان من أبرزها مدينة نيو أمستردام، التى أصبحت اليوم نيويورك، إلى جانب مستعمرة «جزر فيرجن الهولندية»، ومستعمرة «البرازيل الهولندية»، أمّا الإمبراطورية الفرنسية فأسّست مستعمرة «فرنسا الجديدة»، و«كندا»، و«غينيا الفرنسية»، و«جزر الهند الغربية الفرنسية»، و«فلوريدا الفرنسية»، بينما أسّست البرتغال ما يُعرف بـ «البرازيل اليوم»، وكذا إسبانيا التى أسّست «كوبا، وجواتيمالا، وفنزويلا، وتشيلى، وبيرو، وبورتوريكو، وهايتى، والدومنيكان، ومستعمرة «إسبانيا الجديدة»، و«لاس كاليفورنياس»، و«لويزيانا الإسبانية»، و«فلوريدا الإسبانية»، و«تكساس الإسبانية»، إلى جانب مستعمرة «السويد الجديدة» المملوكة للأسرة الملكية السويدية».

وقام النبلاء الألمان بتأسيس مستعمرة «سانت توماس» Saint Thomas الألمانية، و«فينيسيا الصغرى»، أو «ويلسيرلاند» Klein-Venedig (Little Venice) or Welserland، إلى جانب بعض المستعمرات الألمانية، والإيطالية المملوكة لبعض النبلاء والأسر الملكية فى إيطاليا وألمانيا.

كما استعمرت روسيا منطقة الآلسكا، وأطلقت عليها مستعمرة «أمريكا الروسية»، ومقاطعة سونوما بولاية كاليفورنيا الأمريكية اليوم تحت اسم «فورت روس» Fort Ross أو الحصن الروسى.

ويلاحظ تكرار اسم الهند فى المسميات الأوروبية؛ حيث ظن الأوروبيون فى بادئ الأمر أنهم دخلوا شبه القارة الهندية من شمالها ولم يتعرفوا إلى فكرة أنهم وصلوا أرضًا جديدة إلا بعد سنوات من بدء الاستعمار الأوروبى لأمريكا، وحتى مع معرفة تلك الحقيقة؛ فإن الثقافة الأوروبية ظلت تعتبر القارة الجديدة جزءًا من الهند على سبيل الاحتقار.

ولم تكن القارة الأمريكية معقل التخلف كما ادّعى الإنسان الأوروبى؛ بل كانت تضم إمارات قبائلية ذات ثقافة وخصوصية ولغات وأديان متنوعة، ولكن المستعمر الأوروبى نظر إلى القبائل الأمريكية كما نظرت أوروبا إلى سكان فلسطين لاحقًا، وأيضًا السكان الأصليين لجزر أستراليا؛ حيث تم شن إبادة منظمة بالإضافة إلى إبادة ثقافية شملت إلغاء مصطلح القبائل الأمريكية والسكان الأصليين لأمريكا، وأطلق لقب الهنود الحمر ووصفهم فى كامل منتجات الثقافة الأمريكية باعتبارهم همجًا، ورعاعًا، ومتوحشين، وقتلة، ومغتصبين.

وبينما ماكينة الاستعمار الأوروبى لأمريكا تعمل بلا هوادة وتتسابق الدول الأوروبية على تأسيس «أمريكا الجديدة الخاصة بها»، ما بين أمريكا ناطقة بالإسبانية أو الفرنسية، وما بين أمريكا كاثوليكية أو بروتستانتية، وجدت شبكات المصالح الغربية أو النظام العالمى الجديد وقتذاك أن القارة الأمريكية فرصة استثنائية لتأسيس دولة عظمَى من الصفر بدلًا من الخصوصيات الثقافية فى أوروبا والشبكات الاقتصادية والسياسية المعقدة بطول وعرض القارة الأوروبية.

تأسيس أمريكا من أجل دور عالمى

كان رهان النظام العالمى على الهجرة الإنجليزية الأنجلوسكسونية ذات الهوى المتدين الإنجيلى البروتستانتى على وجه التحديد، هؤلاء نظروا إلى هجرتهم إلى أمريكا باعتبار ما يجرى هو حملة صليبية لتأسيس مملكة الرب، أو أورشليم السماء، وأنه حان الوقت لتأسيس إسرائيل الجديدة بعد أن أهدر المؤمنون الأوائل أورشليم القديمة.

هذه العقيدة المسيحية اليهودية فى رداء إنجيلى بروتستانتى، توطنت فى ثلاث عشرة مستوطنة بريطانية، تأسّست بالدم والذبح والقتل بحق القبائل الأمريكية باسم الدين، وباسم نصوص من العهد القديم والجديد وظّفَها رجالات الدين وقتذاك إلى المستوطنين لتطهير الأرض الجديدة من «الكفار والمشركين» على ضوء ديانات الأمريكان الوثنية، وعملوا على نشر الإرساليات الدينية وتعليم اللغات فى القارة الأمريكية.

وحينما حانت اللحظة التى أرادتها شبكات المصالح الغربية من أجل قيام القطب العالمى المستقبلى فى القارة الأمريكية، أو «دولة الرب» كما أطلق عليها المستعمرون البريطانيون الإنجيليون، لم تكن اللعبة على يد الدين السياسى، سواء «الإنجيلية السياسية» أو «البروتستانتية السياسية»، أو على يد حركة وطنية أو قومية؛ بل بداية توضح حقيقة أمريكا حتى اليوم؛ حيث بدأت دعوات استقلال المستعمرات الثلاث عشرة البريطانية عن لندن على يد الشركات الكبرى العاملة فى تلك المستعمرات، والتى رأت فى الضرائب والوصاية البريطانية على اقتصادها عائقًا أمام تمدد نفوذها وتجارتها عالميّا وامتلاء الخزائن الأمريكية بأرباح تجارية داخل المستعمرات الأمريكية ثم التصدير الخارجى إلى العالم.

وكما يحدث اليوم فى أمريكا، بدأت الشركات الأمريكية الكبرى فى التواصل مع الساسة والعسكريين من أجل تشكيل ميليشيات وطنية وحركات سياسية تطالب بالاستقلال الأمريكى عن بريطانيا، هذه الشركات المؤسِّسة لأمريكا هى التى لاتزال تدير الولايات المتحدة الأمريكية حتى اليوم بالنيابة عن النظام العالمى.

هكذا تمت صناعة جورج واشنطن والجيش القارى ويوم الاستقلال الأمريكى والكونجرس القارى وابتكار قومية أمريكية من اللا شىء، أبناء المستعمرين الأوروبيين قرروا أنهم هم الأمريكان، بينما الأمريكان الأصليون مجرد قبائل هندية همجية لا أكثر.

قاومت بريطانيا فى بادئ الأمر تلك اللعبة، قبل أن تستسلم أمام الهزائم العسكرية المتتالية، أمام قوة أمريكية لا يمكن أن تكون قد نشأت بشكل محلى؛ بل مدعومة من قوى دولية من أجل كسر شوكة بريطانيا، وقد دعمت فرنسا بعض المتمردين الأمريكان بالفعل علنًا، ولكن الدعم السرى القادم من شبكات المصالح الغربية وأوروبا الرافضة للهيمنة البريطانية المنفردة على العالم قد شكلت الجزء الأكبر من انتصار الثورة الأمريكية على ما أسموه الاحتلال البريطانى.

المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة تحولت إلى أول ثلاث عشرة ولاية فى الجمهورية الأمريكية الجديدة، التى كانت «الولايات المتحدة الإنجيلية» بامتياز، دولة قومية للسكان البيض الأوروبيين الإنجيليين البروتستانت فحسب. بدء المقاومة الأمريكية لهيمنة النظام العالمى

إن الآباء المؤسِّسين للولايات المتحدة الأمريكية كانوا يدركون مخاطر هيمنة النظام العالمى وشبكات المصالح الغربية أو شبكات الاقتصاد الأمريكى على السياسة والجمهورية الجديدة، ولطالما حفلت كتابات الآباء المؤسّسين بتحذيرات مباشرة أو غير مباشرة من جميع أنواع الهيمنة.

وبعد مرحلة التأسيس أتت مرحلة المشروع التوسعى، إذ كانت رؤية شبكات المصالح الغربية أن «أمريكا البريطانية» لا تكفى لصناعة القطب العالمى الجديد، وعلى أثر ذلك بدأت الولايات المتحدة الأمريكية فى أيديولوجيا تصدير الثورة الأمريكية إلى المستعمرات الفرنسية والبريطانية والإسبانية والروسية الموجودة بالقارة الأمريكية؛ لتبدأ مشكلة أمريكا التاريخية فى الظهور.

إن ضم مستعمرات فرنسا الجديدة، وإسبانيا الجديدة على وجه التحديد كان يعنى ضم سكان من الثقافتين، الإسبانية الكاثوليكية والفرنسية الكاثوليكية، مع كنائس غير إنجيلية وولايات كاملة تتحدث بالإسبانية والفرنسية، حتى إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قادرة على غزو أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية بالكامل فى مرحلة لاحقة، ولكن النظام العالمى وجد أنه لو ضمت أمريكا جميع تلك المستعمرات الإسبانية على وجه التحديد؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية ذات الثقافة الأنجلوسكسونية الإنجيلية سوف تتحول إلى جمهورية إسبانية كاثوليكية تتحدث الإسبانية وتشكل فجرًا جديدًا للكنيسة الإسبانية إن لم يكن كنيسة روما.

ولهذا السبب اكتفت أمريكا بالجنوب الأمريكى الحالى، تكساس وفلوريدا وجورجيا؛ بل إن أمريكا قبلت أن يتم تقسيم الساحل الغربى لأمريكا المسمى لاس كاليفورنياس ما بين كاليفورنيا الأمريكية وكاليفورنيا المكسيكية حتى اليوم.

وتم الاتفاق على صياغة مصطلح «الفناء الخلفى لأمريكا» فى إشارة إلى دول أمريكا الجنوبية والوسطى، وأن تحكم أمريكا تلك الدول دون أن تتحول إلى ولايات جديدة حتى لا تخل بالتوازن الديموجرافى والدينى والثقافى داخل الولايات المتحدة.

فشل أمريكا فى ضم كندا

ومثلما استوعبت أمريكا العرق الهسبانى أو اللاتينى وكاثوليك الكنيسة الإسبانية إلى أن قرر النظام العالمى عدم ضم المزيد إلى أمريكا؛ فإن أمريكا نجحت فى ضم جميع المستعمرات الفرنسية والروسية بالتراضى مع باريس وموسكو، وحينما حاول النظام العالمى تحريض الولايات المتحدة على مهاجمة آخر مستعمرات بريطانيا فى أمريكا الشمالية أو ما يُعرف بـ كندا اليوم، واختلقوا أزمة بين بريطانيا وأمريكا وصاغوا الدوافع الوطنية لقيام أمريكا بإعلان الحرب على بريطانيا فى 18 يونيو 1812 لتستمر الحرب حتى يوم 17 فبراير 1815.

وفى أبريل 1813 دخل الجيش الأمريكى مدينة يورك التى أصبحت اليوم تورنتو عاصمة كندا، ولكن بريطانيا أرسلت تعزيزات وردت الهجوم حتى العاصمة الأمريكية واشنطن، وأحرقت البيت الأبيض والكونجرس وبعض أحياء العاصمة فيما يتعرف تاريخيّا بـ حريق واشنطن فى 24 أغسطس 1814، ردّا على قيام الجيش الأمريكى بحرق برلمان كندا حينما دخل العاصمة الكندية فى 27 أبريل 1813.

عقب الحرب مع بريطانيا فى كندا أدرك صناع الولايات المتحدة أن كندا سوف تظل تحت التاج البريطانى، وكان يفترض للولايات المتحدة أن تلعب منذ اليوم الأول للاستقلال فى 4 يوليو 1776 الدور العالمى التى تأسّست من أجله، ولكن مقاومة القوَى العظمَى التقليدية وقتذاك مثل بريطانيا وفرنسا مخافة أن يزاحمها الوافد الجديد قد أجلت تلك الخطوة رُغم أن الولايات المتحدة قد حسمت الحرب العالمية الأولى عسكريّا للحلفاء، ولكن حتى بعد الحرب العالمية الأولى لم تسمح لندن وباريس لهذا الدور بأن يتمدد إلى أن أتت الحرب العالمية الثانية وقصمت ظهر الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية ما سمح بصعود أمريكا دوليّا.

وحتى فى سنوات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى؛ فإن أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين شهدت صراعًا خفيًّا بين الولايات المتحدة من جهة، وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى على من الذى يتسيد ويقود الكتلة الغربية، وهو صراع لم يهدأ إلا فى منتصف الستينيات بعد أن مالت الكفة لأمريكا أواخر الخمسينيات.

وإلى جانب العوامل الخارجية التى أثرت على تحول أمريكا إلى قطب دولى ما بين حرب الاستقلال والحرب العالمية الثانية، كان هنالك عوامل داخلية تمثلت فى مقاومة سياسية وشعبية فى تحوُّل أمريكا إلى جمهورية العولمة المنشودة، مثل الخلاف على الدستور الأمريكى الذى لم يكتب إلّا عام 1788 بعد أن ظلت الجمهورية الوليدة بلا دستور 12 عامًا.

الحرب الأهلية الأمريكية

الجنرال «أندرو جاكسون»، الذى حاول تنفيذ رؤية شبكات المصالح الغربية فى محاولة أمريكا غزو كندا وسحبها من بريطانيا حينما كان وقتها قائدًا للجيش الأمريكى، هو من أطلق الدعاية الشعبية للحرب لدرجة أنه أطلق عليها «حرب الاستقلال الثانى»، ولاحقًا بلور أفكار شبكات المصالح الغربية حول الديموقراطية إلى أيديولوجيا «الديموقراطية الجاكسونية» والتى تحولت لاحقًا إلى الحزب الديموقراطى الأمريكى.

كانت مهمة الحزب الديموقراطى الأمريكى هو فرض رؤية شبكات المصالح الغربية بأن أمريكا القرن التاسع عشر هى مجرد نسخة من بريطانيا؛ حيث تصدح القومية الإنجليزية بخطاب أمريكى فحسب، ولاتزال الهيمنة للبيض البروتستانت، وأن الولايات المتحدة بحاجة إلى حقنها بالمزيد من المهاجرين خاصة الكاثوليك من أجل عمل توازن داخل أمريكا لصناعة دولة متعددة القوميات والأعراق بلا لون عرقى أو قومى واحد فى إطار سعى الغرب وقتذاك وحتى اليوم إلى إلغاء الانتماء وتحويل الإنسانية إلى حالة حياد تدين لدين العولمة بكل شىء فحسب، إلغاء الانتماء الوطنى والقومى والدينى، وحتى الجندرى، وأن يصبح الجميع بلا دين معين أو وطن معين أو جنس معين، رُغم أنه فى واقع الأمر؛ فإن العولمة وهى تنفذ تلك السياسة فهى تنحاز إلى كل ما هو شاذ فى عوالم القوميات والأديان والجنس.

وللمفارقة؛ فإن الحزب الديمقراطى الأمريكى وقتذاك حتى مطلع القرن العشرين كان يسيطر عليه جوقة من المحافظين الليبراليين، عكس المحافظين القوميين الذين أسّسوا الحزب الجمهورى لاحقًا، ولكن ظل الحزب الديموقراطى هو معقل المحافظين فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، قبل أن يظهر المحافظون مجددًا فى السياسة الأمريكية خلال القرن العشرين عبر الحزب الجمهورى بشكل مكثف فى إدارات الحزب الجمهورى فى زمن الرؤساء نيكسون وفورد وريجان، وبوش الأب والابن.

أدرك ساسة أمريكا منتصف القرن التاسع عشر أن المبادئ الجاكسونية الديموقراطية سوف تضعف الدولة الأمريكية واستقلالية قرارها الوطنى، وأنها موالية لشبكات مصالح خارجية تستهدف استخدام أمريكا، وتأسّس فى المقابل حزب اليمين والحزب الوطنى الجمهورى وحزب المعارضة الجنوبية بالإضافة إلى الحزب الوحدوى وحزب اللاأدرى Know Nothing party والحزب الفيدرالى وحزب مناهضة الماسونية Anti-Masonic Party.

كان البرنامج العام لتلك الأحزاب هو مناهضة مشروع العولمة أو النظام العالمى أو شبكات المصالح الغربية فى إلغاء الهوية القومية والوطنية، وحتى الدينية للولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث لاحظ التيار القومى الوطنى وقتذاك تآكل الهيمنة البروتستانتية على أيدى المهاجرين الكاثوليك؛ خصوصًا القادمين من أيرلندا، وللمفارقة؛ فإن أول وثانى رئيس أمريكى ينتمى إلى الكاثوليك، جون كيندى وجو بايدن، كلاهما من أصول أيرلندية بالفعل.

كما ناهض التيار القومى الوطنى ما أطلق عليه «قضايا حقوق السود»؛ حيث نظر إليها باعتبارها «تغليب للجنس الأسود على الجنس الأبيض المؤسّس لأمريكا».

وبحلول عام 1855 أصبح شعار «أمريكا للأمريكان» شعارًا سياسيّا لليمين القومى الأمريكى، بوجه الكاثوليكية السياسية والتغير الديموجرافى شرق أمريكا بسبب صفقة شراء مستعمرة «فرنسا الجديدة» أو مستعمرة لويزيانا الفرنسية، وهى صفقة سلمية جرت بين الإمبراطور نابليون بونابرت والرئيس الأمريكى، جرى على أثرها ضم مستعمرة لويزيانا أو فرنسا الجديدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد سنوات من الاستعمار الفرنسى الذى تخلله بعض سنوات الاستعمار الإسبانى والبريطانى.

بطبيعة الحال كانت المستعمرة الفرنسية تعج بالثقافة الفرانكوفونية الكاثوليكية، مواطنون فرنسيون يتحدثون اللغة الفرنسية التى لاتزال حتى اليوم تهيمن على لويزيانا الأمريكية، ولكن لويزيانا الفرنسية أو فرنسا الجديدة لم تكن لويزيانا الحالية فحسب، ولكنها كانت رصيفًا قارىّا ضخمًا، تم تقسيمه إلى أجزاء ضمن 15 ولاية أمريكية حالية منها لويزيانا وتكساس ونيومكسيكو وكولورادو.. هذه الإضافة الفرنسية الكاثوليكية الضخمة أشعلت غضب الأنجلوفون الإنجيليين البروتستانت، الذين نظروا إلى خطوة ضم «أمريكا الفرنسية» إليهم باعتبارها مؤامرة من النظام الدولى والغرب تقودها الإمبراطورية الفرنسية لتغيير الديموجرافية الأمريكية.

New France, Nouvelle-France, La Louisiane; La Louisiane française.

وعلى ضوء صعود التيارات الجمهورية قبل توحدها فى الحزب الجمهورى، حان وقت تأديب الولايات المتحدة الأمريكية وإخضاعها للنظام الدولى من أجل أن تشغل الدور العالمى المطلوب منها، هكذا أتى التأديب عبر الحرب الأهلية الأمريكية، وكعادة الغرب والنظام العالمى تم استخدام قيم الإنسانيات والحريات والمساواة لشيطنة القوميين، وبالمثل؛ فإن القوميين انزلقوا إلى فخ الإرهاب ورفع السلاح وترجمة التطرف الدينى الذى صنع الولايات المتحدة إلى حقيقة على أرض الواقع.

انتهت الحرب الأهلية الأمريكية بانتصار الشمال الموالى للنظام العالمى ضد الجنوب الموالى لقومية الأنجلوساكسون البيض البروتستانت المؤسّسين لأمريكا، حاول العقلاء فى الولايات المتحدة عقب الحرب احتواء الجنوب، عبر اعتبار تاريخ الولايات الكونفيدرالية الأمريكية، تلك الدولة التى أعلنت استقلالها جنوب أمريكا خلال الحرب، بأن يتم اعتبارها جزءًا من تاريخ أمريكا أو الولايات المتحدة الأمريكية دون نبذ لشعاراتها وتاريخها ورجالاتها وحتى رئيسها الوحيد، وعدم سن شعارات انتصار الشمال أو هزيمة الجنوب بل الحديث عن توحيد الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى.

أمريكا تصعد فى القرن العشرين

الحرب الأهلية أسست النظام الأمريكى الموالى للنظام العالمى، حيث يمكن للجيش الأمريكى أن يتحرك إلى أوروبا لنجدتها فى الحرب العالمية الأولى والثانية، أو غزو العراق وأفغانستان من أجل إثراء خزائن العولمة وشبكات المصالح الأمريكية دون استفادة أمريكية حقيقية، بل دفعت أمريكا الثمن من خزائنها ومن أرواح جيشها، إلى جانب رعاية وتأسيس أمريكا للمنظمات الدولية التى تنفق عليها ببذخ سنويًا تحت مسميات الدور الأمريكى العالمى، بينما منظمات الصحة العالمية والتجارية الدولية لا تعمل لصالح الولايات المتحدة بل لصالح النظام العالمى.

لقد تربى الوعى الجمعى للمصريين عبر سنوات أن النظام العالمى هو أمريكا وأمريكا هى النظام العالمى ولكن ذلك غير صحيح، النظام العالمى يسيطر على الحكومات الغربية وليس العكس، وإذا كانت الحرب الأهلية قد أسست لنظام أمريكى تحت سيطرة النظام العالمى فإن الأزمة الأمريكية الداخلية مستمرة حتى اليوم، وتتلخص فى حقيقة أن العرق والجنس والدين المؤسس لأمريكا يرفض فكرة دولة متعددة القوميات أو الثقافات ويرفض فكرة دولة العولمة ويرفض فكرة التلاعب بالديموجرافية الأمريكية «عمدًا» كما جرى عبر تاريخ أمريكا القصير.

ولقد نفذت الولايات المتحدة المطلوب منها على أكمل وجه خلال القرن العشرين، مقابل أن يصبح القرن هو القرن الأمريكى بلا منازع، لتصعد أمريكا إلى سدة حكم العالم، وتقهر الاتحاد السوفيتى، وتفكك يوغوسلافيا وأوروبا الشرقية، ويصبح منفذو سياسات النظام الدولى فى البيت الأبيض هم عمالقة السياسة فى القرن العشرين.

وبالمثل فإن التيار القومى الوطنى لم يكن بريئًا أو مسالمًا فى حقبة ما بعد الحرب الأهلية، إذ إلى جانب العمل السياسى عبر تيار المحافظين، شكّل المتطرفون والإرهابيون منهم الميليشيات العسكرية المسلحة، على ضوء أن الدستور الأمريكى يكفل حرية شراء السلاح بما فى ذلك العربات العسكرية والدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة والمدفعية متى امتلكت جهة ما التمويل الكافى لهذا التشكيل العسكرى، ولقد جاب المتطرفون القوميون الولايات الأمريكية خاصة الجنوبية وقتلوا وروعوا المئات من السود والكاثوليك واليهود، عكس الأسطورة الصهيونية بأن اليهود يديرون أمريكا، فإن الأراضى الأمريكية شهدت حتى سبعينات القرن العشرين مؤسسات دينية محافظة رسمية حكومية تعمل على تحويل اليهود إلى الدين المسيحى.

ولم يكتف التيار الوطنى الأمريكى بالفكر القومى ولكن ظهر تيار النازيين الأمريكان، على ضوء صعود أيدولوجيا تفوق الرجل الأبيض فى المانيا على يد «أدولف هتلر» فى ثلاثينات القرن العشرين، وهكذا عمل التيار النازى الأمريكى بجانب التيار القومى الأمريكى داخل جماعات اليمين القومى، ورغم انهيار النازية الألمانية فإن النازية الأمريكية استمرت بجانب القوميين الأمريكان حتى اليوم فى تيار اليمين القومى، ولقد ألهب دونالد ترامب حماسهم بالصعود إلى سدة الحكم على ضوء الأصول الألمانية والثقافة الجرمانية لعائلة ترامب.

انهيار أمريكا التى نعرفها

وبحلول القرن الحادى والعشرين بدأت تظهر تلك المشكلة بشكل أقوى، ففى سنوات بوش الابن انهار الحزب الجمهورى وتيار المحافظين الجدد الموالى للنظام العالمى، وأصبح التيار القومى الوطنى الصاعد فى أمريكا عمومًا ومن الجنوب تحديدًا يشكل الخطر الأكبر على قواعد الحزب الجمهورى والنظام الأمريكى والثنائية الحزبية الأمريكية، وعلى ضوء تلك المعطيات التى تشابكت مع معطيات متشابهة فى أوروبا بل والعالم أجمع حينما جرت صحوة لفكرة الدولة الوطنية القومية على ضوء فشل الاتحاد الأوروبى وأيديولوجيا الجامعة الإسلامية والقومية العربية فى تشييد إمبراطوريات مترامية الأطراف، قرر النظام العالمى هيكلة أفكاره بضم اليمين المحافظ والوسط الليبرالى واليسار التقدمى والخضر إلى أچندة سياسية موحدة تحت عنوان الليبرالية الجديدة، أو النيوليبراليين.

يعتمد النيوليبراليون على فكرة توحيد الأقليات لتصبح كتلة واحدة ذات أغلبية انتخابية وديموجرافية أمام الأغلبية التقليدية للدول المستهدفة، فإذا كان السكان البيض البروتستانت فى أمريكا يمثلون أغلبية انتخابية وديموجرافية، فإن توحيد الكتلة الانتخابية من السكان ذوي أصول أفريقية وآسيوية وعربية ومسلمة ويهودية وكاثوليكية، والأمريكان السود واللاتين، بالإضافة إلى التيارات الفكرية الرافضة لفكرة القومية والذين استسلموا لشيطنة فكرة الدولة الوطنية ووجدوا فى العولمة مساحات للتحرر مثل النسويات والمثليين، والملحدين، واللا دينيين، والمتحولين جنسيًا، والعابرين جنسيًا، وثنائيى الجنس، وغيرها من الطوائف الجندارية التى ابتكرها الغرب، لنرى تحالفًا فضفاضًا غير مسبوق فى التاريخ، حيث يمكن أن نرى فى هذا الحلف الملحد والإرهابى المتدين مع رجل دين كاثوليكى معتدل وممثلة أفلام إباحية معًا فى منصة واحدة.

هذا التحالف النيوليبرالى الذى مثل عماد الثورة الصناعية الرابعة وثورة الاتصالات والإنترنت والثورة الرقمية والتطبيقات الذكية، أصبح عمليًا ذا الأغلبية السكانية فى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وهو التحالف الذى أوصل أول أمريكى أسود من أصول أفريقية وآسيوية للسلطة الأمريكية ألا وهو باراك حسين أوباما، كما أوصل الليبرالى جاستين ترودو إلى السلطة فى كندا.

مع اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية فى سبتمبر 2008 وبدء المد القومى فى اجتياح أوروبا ومعاقل القوى السياسية التقليدية الموالية للنظام العالمى، وجدت شبكات المصالح الغربية أن توطين الدول الأوروبية والأمريكية باللاجئين العرب والمسلمين والأتراك والمهاجرين حتى غير الشرعيين سوف يلعب دورًا مهمًا فى التصدى للمد القومى وتوسيع القواعد الانتخابية للتيارات غير القومية على ضوء حقيقة أن أبناء المهاجرين واللاجئين يرفضون أفكار التيار القومى التى تندد بسقوط هيمنة السكان الأصليين للدولة على يد المهاجرين.

وأتى الربيع العربى فرصة ذهبية لشبكات المصالح الغربية من أجل تهجير سكان سوريا والعراق وليبيا إلى أوروبا وأمريكا، حيث كانت ألمانيا وفرنسا هما المستهدف الأول من أجل ضرب اليمين القومى الألمانى والفرنسى، أما فى الولايات المتحدة الأمريكية فإن المشكلة كانت مزدوجة ما بين مهاجرين من الدول العربية والإسلامية بالإضافة إلى معاناة الجنوب الأمريكى من المهاجرين من أمريكا اللاتينية أو الجنوبية عبر الحدود المشتركة مع المكسيك.

صعود الترامبية

فى تلك الظروف السياسية كان منطقيًا أن يظهر دونالد ترامب، الرافض لفكرة توطين المهاجرين فى الدول الأوروبية والأمريكية، والتلاعب بالديموجرافية لصالح تمكين الأقليات على حساب السكان الأصليين أو الحاليين لتلك الدول، ما بين حماية أمريكا من توطين إرهاب الإسلام السياسى القادم من دول الربيع العربى وحماية أمريكا من المهاجرين اللاتينيين الإسبان الكاثوليك القادمين من أمريكا الجنوبية، مع تفكيك ارتباط الأچندة الأمريكية بالإسلام السياسى، وإنهاء الحروب العبثية التى ورط فيها النظام العالمى الدولة الأمريكية ومواردها وجيشها، كانت سياسات ترامب بعثًا جديدًا للحزب الجمهورى الذى عانى ما بين سنوات بوش الابن وترامب من سقوط شديد لم يسعفه سوى وجود جناح أو حركة حزب الشاى التى ينتمى إليها مايك بنس، وسارة بالين، وبول رايان، الذين ترشح ثلاثتهم لمنصب نائب الرئيس، وكان الفوز من نصيب بنس.

ولم يكن ترامب هو الفرز الوحيد لثورة الشعوب ما بين عامى 2008 و2013 بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية التى تسببت فيها العولمة والنيوليبرالية الرأسمالية، ولكن ظهر إيمانويل ماكرون فى فرنسا رافضًا توطين الإسلام السياسى فى ضواحى بلاده وأعلن الحرب على المجتمعات الإسلامية الموازية، كما ظهر تيار بريكست فى بريطانيا من أجل غلق الأبواب أمام الاتحاد الأوروبى وأقلياته المستوردة من الدول العربية والتركية والإسلامية لاجتياح بريطانيا، إلى جانب حزب البديل الألمانى، وحزب رابطة الشمال الإيطالى، وحزب التجمع الفرنسى، بزعامة مارين لوبان، وحزب فوكس الإسبانى، وصعد اليمين القومى للحكم فى النمسا بشكل مستقر، وفى إيطاليا لبعض الوقت إلى جانب حكومات المجر والتشيك.

ولقد سارعت شبكات المصالح الغربية إلى شن موجة سياسية يمكن أن نطلق عليها «صحوة النيوليبرالية»، عبر استخدام اليسار حول العالم لمقاومة اليمين القومى، سواء اليسار الألمانى الذى قبل بحكومة ائتلافية مع حزب أنجيلا ميركل المحافظ، أو الائتلافات اليسارية الحاكمة فى البرتغال، وإيطاليا، وإسبانيا طيلة العام 2020، وصولًا إلى استخدام اليسار المتطرف الراديكالى التقدمى الأمريكى بزعامة بيرنى ساندرز فى تشكيل ائتلاف مع الوسط الليبرالى داخل الحزب الديموقراطى بقيادة جو بايدن وجون كيرى وهيلارى كلينتون، بل وانضم إليهم أجنحة من اليمين المحافظ داخل الحزب الجمهورى مثل جناح آل بوش وجناح جون ماكين، من أجل القضاء على حكم دونالد ترامب.

إذا كان حزب الشاى قد أحيا الحزب الجمهورى فى سنوات ما بين إدارات بوش الابن وترامب، فإن ترامب يعتبر المؤسس الثانى أو الجديد للحزب الجمهورى عبر تيار الترامبية أو اليمين القومى الترامبى الذى نجح فى تجميع القوميين الجدد والنازيين الجدد أو القوميين الوطنيين والنازيين الأمريكان فى تحالف ضخم مدعوم من قومية الجنوب الأمريكى والبيض البروتستانت الإنجيليين إضافة إلى لوبى الاقتصاد الوطنى والرأسمالية الوطنية بوجه لوبى العولمة والشركات متعددة الجنسيات التى تعتبر عماد شبكات المصالح الغربية.

صعود اليمين القومى الجديد، أو القوميين الجدد فى الحزب الجمهورى لم يرض النظام العالمى فحسب، بل وحتى الزعامات التقليدية داخل الحزب الجمهورى سواء تيار المحافظين الجدد والجمهوريين الجدد، فقبل بعضهم العمل مع الترامبية بإخلاص أو برجماتية للاستفادة منها بينما وقف الجزء الأكبر من الحزب الجمهورى نفسه ودولته العميقة داخل المؤسسات الحكومية الأمريكية ضد ترامب سواء آل بوش وجون ماكين وميت رومنى وأسرة ديك تشينى أهم نائب رئيس فى تاريخ أمريكا.

إن تكتل الجمهوريين والديموقراطيين ضد الترامبية كان الغرض منه الحفاظ على الثنائية الحزبية من السيطرة الترامبية على الحزب الجمهورى والحفاظ على الشكل التقليدى للحزب الجمهورى الموالى للنظام العالمى من الهيمنة الترامبية، وأخيرًا الحفاظ على شبكة المصالح المشتركة بين الحزبين الكبيرين، وإسقاط مسعى ترامب لتحرير أمريكا من هذه الشبكة والمصالح التى يرعاها آل بوش والأسر الكبرى التى تدير الحزب الجمهورى، خاصة أباطرة النفط فى ولاية تكساس.

ومع شغب الكونجرس واقتحام الكابيتال هيل فى 6 يناير 2021 إلى جانب الدعم القوى من النظام العالمى لإدارة جو بايدن، أصبح واضحًا أن أمريكا تمر بمرحلة «اجتثاث الترامبية» كما فعلت فى العراق مع قوانين «اجتثاث البعثية» نسبة إلى حزب البعث العربى الاشتراكى العراقى، وأن هنالك قوانين عدة سوف يصدرها الحزبان الكبيران من أجل تمشيط القواعد الشعبية للحزب الجمهورى من رواسب الترامبية.

فى اليوم الأول لبايدن فى البيت الأبيض، بدأ بتوقيع حزمة قرارات أملاها النظام العالمى والنيوليبرالية الرأسمالية الحاكمة داخل شبكات المصالح الغربية، عودة أمريكا إلى منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة الدولية ومعاهدات المناخ، فى واقع الأمر أن أمريكا تنفق على تلك المنظمات لصالح النظام الدولى وليس لصالح أمريكا، بينما تتأهب أمريكا النيوليبرالية فى زمن بايدن لتنفيذ أچندة العولمة فيما يتعلق بتطويق روسيا بالجماعات الإسلامية وتوطين الإسلام السياسى واليسار التقدمى فى الدول المستهدفة لوقف المد القومى والوطنى، استكمال أچندة الربيع العربى والتوظيف السياسى لوباء كورونا، تحسين العلاقات مع الصين التى تحتفظ بالحزب الشيوعى من أجل نظام الحزب الواحد للنخبة الحاكمة ولكنها دولة اقتصادية نيوليبرالية بامتياز، دعم الاتحاد الأوروبى بوجه بريكست ودعم النيوليبراليين بوجه القوميين، والقضاء على التيار القومى فى إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا على وجه التحديد.

مستقبل اليمين القومى الأمريكى

انقسم الحزب الجمهورى إلى اليمين القومى واليمين المحافط، وقد سيطر اليمين الترامبى على تيار اليمين القومى، ولكن على ضوء خيانات الجمهوريين المتعددة للتيار الترامبى فإن الرئيس الأمريكى السابق ترامب يدرس تأسيس الحزب الوطنى الأمريكى، على أن يضم قيادات التيار الترامبى، سواء ستيف بانون أو الجنرال مايكل فلين، ومن غير المعروف حتى اليوم، أوائل فبراير 2021، حجم الانشقاق المتوقع داخل الحزب الجمهورى، ليس على مستوى القواعد الشعبية والجماهيرية والانتخابية فحسب، ولكن أيضًا على ضوء عدد الساسة أعضاء مجالس النواب والشيوخ وحكام الولايات وأعضاء المجالس المحلية النيابية والعمداء والعسكريين ورجالات القضاء، وإن كانت الضربة الكبرى التى قد تؤدى إلى تفكيك حقيقى للحزب الجمهورى هو أن يعلن السيناتور تيد كروز ذهابه إلى الحزب الجديد.

سوف يستمر التوتر فى أمريكا بين الشمال والجنوب، ما بين القوميين البيض الإنجيليين، والأقليات التى توحدت لتشكل الأغلبية الجديدة، ما بين التيار القومى، والتيار النيوليبرالى، ما بين اليمين القومى واليسار الراديكالى التقدمى داخل الحزب الديمقراطى، والأخطر هو وجود ميليشيات لليمين وميليشيات لليسار، مستعدين للاشتباك متى وجد النظام العالمى أن الذهاب إلى «الحرب الأهلية الأمريكية الثانية» هو الحل الوحيد لكى تتخلص أمريكا من بعض الولايات الجمهورية مقابل تأسيس الولايات المتحدة الثانية بدون الأغلبية البيضاء التى أسست الولايات المتحدة فى نسختها الأولى.

إن الاختبار الحقيقى والوحيد للترامبية فى ثوبها الحالى هو انتخابات الكونجرس وحكام الولايات فى نوفمبر 2022، ثم الانتخابات الرئاسية فى نوفمبر 2024، لنعرف هل كانت الترامبية مرحلة زمنية فحسب فى تاريخ اليمين القومى والقوميين الأمريكان أم أنها حزب ثالث أتى ليبقى فى معادلات السياسة الأمريكية، وربما يشكل انقلابًا ثانيًا على المشهد الأمريكى كما جرى الانقلاب الأول يوم فاز ترامب بانتخابات الرئاسة نوفمبر 2016.