الأحد 17 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

خيري بشارة يكتب: رغبة متوحشة.. تجربة خبيثة عن حب السينما كما أحبها جيلى

كانت علاقات جيلنا تخلو تقريبًا من المصالح، كنا نتلاقى لأن كل واحد منا قد انجذب لأسباب ما إلى الآخر، ولم نعن كثيرًا بتقييم بعضنا البعض، ولم نهتم كثيرًا بمن هو الأفضل أو الأحسن، كنا نكمل بعضنا البعض ونستمتع فى لهونا وسمرنا ونقاشاتنا بخصوصية وتفرد كل منا، ومن ثم كانت جلسة «وحيد حامد» اليومية الاعتيادية سواء للكتابة أو لقاء من شاء من المنتجين والمخرجين والنجوم والنجمات، ومن الأصدقاء الخاصين تميز مائدته وتجعلها متفردة بين موائد المطعم المطل على النيل بفندق «جراند حياة – ماريديان سابقًا» المواجه لحى جاردن سيتى وعلى مقربة من قصر العيني. 



كان «وحيد حامد» الذى رغم ثقافته ووضعه الاجتماعى لم يفقد فطرته وبساطته وملاحته  الريفية، كان حكاءً يجذب آذان مستمعيه بذلك الفيض الزاخر لقصص لا تنتهى من تجاربه الثرية وملاحظاته الأريبة فى حياته سواء فى الريف أو المدينة، كنت أنجذب كثيرًا للذهاب إلى مائدته لأحتسى قهوة جيدة، وأنا أستمتع بقصص وحكايات تذهب بخيالى بعيدًا، وتزيد من عشقى للأرض التى أعيش فوق ترابها، والغريب أن الكثير مما حكاه «وحيد حامد» رغم غناه وجاذبيته لم يجد طريقه إلى الشاشة. 

ولأن علاقتنا فى ذاك الزمان كما قلت لم تنبنى على المصالح الضيقة، وإنما على متعة الصداقة الحقيقية، فلم أصنع مع «وحيد حامد» سوى فيلم واحد هو فيلم (رغبة متوحشة) عام 1991، وكانت تجربة تحدىٍ لي، فقد جاء بعد تمردى فى فيلم (كابوريا). ومن حسن حظى أن الفيلم لا ينتمى بطبيعته إلى الواقعية التى كنت قد بدأت أبتعد عنها فى ذاك الوقت، وكانت أحداثه تدور فى فضاء من الخيال الذى لا علاقة له بالواقع المصري، ويسبح عبر حبكة محكمة وهندسة درامية فى اختبارات للغرائز والعواطف والجشع والحب والحقد، كنت أشعر أننى أدخل إلى عالم غريب غير متجذر فى الواقع، ذلك الواقع الذى خبرته وعرفته على الأقل، فجأة ولدت الرؤية ووجدت نفسى أقع فى غرام هذا العالم الغريب العجيب وقلت لنفسى سوف أصنع فيلمًا من روح السينما، كل علاقتى البريئة ورغباتى الطفولية وأحلام يقظتى التى ترتع فى أعماقى عبر سنوات عشق الأفلام جاءتها الفرصة حتى تنتظم فى تجربة ناضجة. 

فيلم (رغبة متوحشة) هو فى جوهره ليس فى المقام الأول دراما رجل وثلاث نساء، ولكنه تجربة خبيثة عن حب السينما كما أحبها جيلي، وهكذا أتاح لى البناء الصارم الذكى لسيناريو «وحيد حامد» أن أمارس بحماس مجدداً متعة اللعب، وهو نوع من اللعب لم أجربه من قبل.

فى زياراتى المتكررة إلى مائدة «وحيد حامد» فى النصف الأول من تسعينيات القرن الماضى كنت أرى ابنه الوحيد «مروان» وهو يقفز إلى حمام السباحة، ويشاء القدر أن أكون أحد أساتذته فى المعهد العالى للسينما منذ منتصف التسعينيات حتى تخرج عام 1999، وها هو «مروان حامد» صار فارسًا مرموقًا فى عالم الإخراج السينمائي، مما يدعو لفخرى به، فليحفظه الله ويمنحه سعادة الحياة وبهجتها وكل الصحة والعافية.

«وحيد حامد»... فلترقد فى سلام أيها الموهوب العنيد الذى حفر روح مصر وهمومها على السيلولويد والديجيتال، كنت صديقًا جميلًا وكريمًا، كم من مرات فى شبابى أنقذتنى من ضائقتى المالية وأقنعتنى أنك بنكى المفتوح دومًا لأننى أوفى وعودى بالسداد عكس ابنك «مروان»، صنعت معك فيلم (رغبة متوحشة) الذى أحبه كثيرًا، كما أحببت أن أرى أفلامك التى كتبتها للآخرين.