السبت 25 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

خواطر سفر..

حكاية الست جميلة

الست جميلة؛ امرأة نوبيَّة اسمُها «جميلة»، وهى جميلة بالفعل؛ أطلق عليها والدُها ووالدتُها هذا الاسم لأنها فعلاً جميلة؛ وتعيش هذه المرأة البسيطة فى واحدة من أكثر الجُزر النوبية صعوبة فى العيش؛ حيث تتسم بطبيعة جبلية مرهقة جدّا فى التنقل؛ الست «جميلة» اعتادت مثل باقى سيدات الجزيرة النزول إلى شاطئ النيل والصعود مرّة أخرى؛ حيث تكمن البيوت؛ ورُغْمَ وجود مرشّح للمياه فى هذه المنطقة؛ فإنه لا يعمل للأسف، وهو ما جعل المياه تندر فيها؛ ومع الوقت ومع عدم توافر خدمات على الجزيرة من مدارس أو وحدة صحية؛ هاجر معظم سكانها، وممن بقوا عليها الست جميلة، التى تسكن بيتها مع ابنتها الشابة المثقفة «سميرة»؛ لفتنى البيت من الخارج بينما كنت أقوم بجولة بداخل الجزيرة، المَنظر الخارجى للمنزل ساحر ببساطته؛ خصوصًا أنه مبنىٌّ بالطريقة النوبيَّة القديمة الأصلية، وبمجرد أن اقتربت من المنزل رأيت مقامًا صوفيّا على أحد أطرافه وعليه عَلَم أخضر يُعد من أعلام الصوفية؛ دخلت المنزل عندما فتحت لنا البابَ الست «جميلة» واستقبلتنا استقبالاً رائعًا، أبهرنى المنزل من الداخل كما أبهرنى من قبل من الخارج، فجأة انتابنى شعورٌ وكأننى دخلت معبدًا فرعونيّا بكامل هيبته ورَونقه؛ فمن المتعارف عليه أن بيوت النوبيين وأيضًا شوارع الحى النوبى على درجة عالية جدّا من النظافة والنظام، المنزل لونه أبيض وتحمل جدرانه بعض النقوش النوبية القديمة؛ ويسود الزخارف اللون الأزرق النيلى، ومُعَلق على الباب من الداخل قرنُ ماعز وكفٌّ ورأسُ ثوم مجففة وفردَة شبشب وأخيرًا جُعرانة زرقاء؛ للحماية من الحسد والطاقة السلبية.. تحدثت معنا السيدة «جميلة» وأخبرتنا عن المقام الذى يكمن بخارج منزلها، وقالت: لقد حلمت بولىّ من أولياء الله وجاء ليُصَلى فى هذا المكان.. وطلبَ منها أن تبنى له مقامًا؛ وبالفعل صدقت الرُّؤيا وبَنَتْ له مقامًا على طرف منزلها وتحتفل به مع باقى الأولياء فى مواسم الحضرات الصوفية وموالد النبلاء؛ حيث توجد بالفعل فى أسوان مقابر النبلاء ويتم عمل مولد لها كل عام. وطول فترة مكوثنا فى منزل الست «جميلة» لم تخلُ عيناها من الابتسامة والدعاء لنا، وتتسم هذه السيدة العظيمة بالصبر وقدرة التحمل العجيبة على المُضى قُدُمًا فى الحياة رُغم ظروف العيش شبه المستحيلة على الجزيرة؛ خصوصًا مع تقدُّم سنّها؛ ولكنها كالنخيل تمتد جزورُها فى عُمق الأرض ولا تقوَى على الحياة خارج الجزيرة.. إن الذكريات والأهل والصحبة وإن باتت شبه مهجورة فهى باقية مثل جدودها الفراعنة العظماء ظلّوا على مدار السنين منتمين للجذور ومرتبطين بالأرض؛ ودَّعَتنا الست «جميلة» بابتسامتها الجميلة وعيونها المليئة بالحب والحياة؛ وتركت فينا بصمة لنموذج من العطاء والرضا والصبر والحكمة يحتذى به على مَرّ العصور.