الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

هل تتفاءل إيران بفوز «جو بايدن» وهزيمة ترامب؟

فاز المرشح الديمقراطى «جو بايدن» بنتائج الانتخابات الأمريكية بعد انتهاء أربع سنوات من إدارة الرئيس «دونالد ترامب».  وخلال نصف مدة إدارة الرئيس ترامب طبّق سياسة الضغط الأقصى على إيران.



فقد شهدت تلك الفترة  العديد من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، كان أبرزها انسحاب إدارة ترامب عام 2018 من الاتفاق النووى، متعدد الأطراف الذى تم إبرامه عام 2015 فى ظل إدارة الرئيس باراك أوباما وكان حينها «جو بايدن» نائبًا للرئيس. لم يكن رد الفعل الإيرانى تجاه سياسة ترامب ساكنًا؛ بل لجأت إلى التصعيد فى منطقة الخليج، التى شهدت توترات منها التحرش بالسفن التجارية واحتجاز بعضها، ومهاجمة بعض المنشآت والبِنَى التحتية النفطية للخليج، على غرار الهجمات التى وجهت للإمارات والسعودية.  فضلًا عن الهجمات الصاروخية على المنشآت التى يستخدمها العسكريون الأمريكيون فى العراق، كما  قللت من امتثالها لبنود خطة العمل الشاملة المشتركة. خلال تلك الفترة المليئة بالتوترات أرسلت كل من إيران والولايات المتحدة رسائل مفادها الانفتاح على التفاوض، لكن كل منهما أراد التفاوض وفقًا لشروطه، مما عرقل إمكانيات التفاهم واستمرار التصعيد الذى توقفت عنه إيران  قرب موعد الانتخابات الأمريكية رغبة منها فى تجنُّب أى رد فعل انتقامى من ترامب لاستغلاله فى الانتخابات الأمريكية. وانتظار ما تسفر عنه الانتخابات الأمريكية، وفى تصورى كانت إيران تستعد للحوار والتفاوض وتقديم تنازلات إذا كان الفائز ترامب؛ لأنه لم يعد لديها قدرة على تحمُّل مزيد من سياسات ضغط الأقصى التى قال وزير النفط الإيرانى بشأنها أنه لم يتبقَّ ما يمكن فرض مزيد من العقوبات عليه إلا إذا تم فرض عقوبات على موظفى الوزارة. وهو تصريح يشى بما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية وتدهور حاد فى العُملة الإيرانية نتيجة توقف حركة التجارة الخارجية وتصدير النفط. لكن فى الوقت نفسه كانت تتمنى إيران سقوط ترامب ونجاح المرشح الديمقراطى. لاسيما أنه أكد أثناء حملته الانتخابية أنه إذا فاز فى الانتخابات فسوف يدخل الاتفاق النووى مجددًا، وسيلتزم بمنع إيران من امتلاك سلاح نووى. ولكن السؤال المطروح هنا: كيف ترى إيران مستقبل العلاقة مع «جو بايدن» كإدارة أمريكية جديدة؟ هل تتنفس إيران الصعداء بعد رحيل ترامب وتستعد لانفراجة اقتصادية وسياسية فى علاقتها بالولايات المتحدة ومن ثم العالم؟ 

واقع الأمر أنه رُغْمَ إبداء رأى المسئولين الإيرانيين بأن نتائج الانتخابات لا تعنيهم  بدءًا من المرشد الأعلى على خامنئى الذى قال إن سياسة إيران لن تتغير أيّا كان الرئيس المريكى، وحديث الرئيس حسن روحانى عن أن بلاده خططت أوضاعها انتظارًا لظروف أصعب مستقبلا؛ إلا أنه بعد فوز «بايدن» أكد «روحانى» خلال اجتماع مع حكومته على الاستفادة من أى ظروف مناسبة لو أتيحت لإلغاء الحظر على البلاد، معتبرًا أنه ليس من حق أحد إهدار الفرصة، كما قال وزير الخارجية جواد ظريف إن وضع الاتفاق النووى القادم  يعتمد على تصرفات أمريكا. ليست هناك نظرة تفاؤلية فيما يخص مجىء «بايدن»، وإن كان أفضل من استمرار سياسة الضغط الأقصى التى لاتزال تنتهجها إدارة ترامب والتى صرّحت بأنه سيتم تنفيذ مزيد من العقوبات على إيران حتى انتهاء الفترة الانتقالية واستلام الإدارة الأمريكية الجديدة.



ومن المؤكد أن الرئيس حسن روحانى ووزير خارجيته يتمنيان إعادة انضمام الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووى خلال فترة «روحانى» الرئاسية، لكن تنتظر إيران أن تقوم إدارة «بايدن» بتعويض إيران عن الأضرار الاقتصادية التى لحقت بها جراء سياسة «ترامب» ضدها. فتوقعات إيران كانت كبيرة لدى إتمام الاتفاق النووى عام 2015 باندماج فى الاقتصاد العالمى وفتح الباب للاستثمارات الأجنبية إلى سوق كبيرة مثل السوق الإيرانية، لكن إعادة فرض العقوبات حرّم إيران من الاستفادة من الاتفاق الذى اعتبره المتشددون فى الداخل الإيرانى مفيدًا للغرب ولم تجنِ إيران سوى تقييد برنامجها النووى ووضعه تحت مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفى المقابل انخفضت شعبية الرئيس حسن روحانى وضعفت شرعية النظام الإيرانى بأكمله، وشهدت إيران مظاهرات موسعة لمدة عامين، فضلا عن عدم قدرتها على التعامل مع جائحة «كورونا» وتسجيلها أعلى المعدلات عالميّا وفى الشرق الأوسط من حيث الإصابات والوفيات. 

فى ظل هذا السياق؛ فإن فوز «بايدن» ورُغم أن من المتوقع أن تكون قضية إيران هى محور سياسة الإدارة فى الشرق الأوسط.  ورُغم إعلانه من قبل عن عودة الولايات المتحدة للاتفاق؛ فإنه لم يوضّح خطة عمل لذلك؛ خصوصًا فى ظل طوفان العقوبات والقرارات التنفيذية التى أصدرتها ولاتزال إدارة ترامب لتعقيد أى مسارات أمام إيران وبايدن للتفاوض أو استفادة إيران من الاتفاق النووى مجددًا. 

فالكونجرس قد يكون إحدى هذه العقبات، لاسيما أن تسمية الحرس الثورى أحد الكيانات الإرهابية على لائحة الإرهاب ورد طهران بتسمية الجيش الأمريكى منظمة الإرهابية.  يمكن القول أيضًا إن لدى «بايدن» نفس شروط «ترامب» لعودة التفاوض، فكل منهما تحدّث عن  اتفاق موسّع يتناول معالجة التوترات الإقليمية، فى الوقت ذاته أعلن «ظريف» أن إيران لن تتفاوض على اتفاق جديد. 



ربما تتفاءل إيران بشأن عدم تصعيد الولايات المتحدة مستقبلا أو التهديد باستخدام القوة، لاسيما أن قناعات «بايدن» تقوم على عدم استخدام القوة إلا إذا كان ذلك ضروريّا ومستدامًا، وهو سابقًا كان رافضًا للحرب على العراق عامَى 1991، 2003. كما أنه من غير المتوقع أن يفرض أى عقوبات جديدة على إيران، بل سيبحث عن مسار يمكنه تلافى العقوبات التى فرضها «ترامب»؛ خصوصًا أنه مقتنع بأن العقوبات كان من شأنها تحلل إيران من التزاماتها فى الاتفاق, ومن ثم لا بُد من إعادتها للالتزام به، ربما أيضًا تحاول إيران التفاهم مع «بايدن» بشأن التهدئة وأمن الخليج. فبالنظر إلى قضية  أمن الخليج وانسحاب الولايات المتحدة المتدرج من الشرق الأوسط, لاسيما بعد اكتشافات الغاز الصخرى، لا ينبغى النظر إلى أن النفط أهم أولويات الولايات المتحدة، فقد تراجعت معدلات شراء النفط الخليجى، ولكن يظل استقرار أسعار الطاقة عالميّا ما يهم الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين، لذا ستتم التهدئة سياسيّا مع إيران، التى ستحاول أن تبرز أهميتها لدعم الأمن الإقليمى فى منطقة الخليج.