الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

«تراثنا» بيتكلم مصرى!

منذ زمن طويل امتلكت مصرُ رصيدًا فريدًا من الحِرَف والفنون اليدوية التى بلورت ثقافة هذا الشعب العريق ورسمت هويّته وميّزت شخصيته، إذ امتزجت هذه الفنون والحِرَف مع الحضارات والثقافات المتعاقبة، منذ عهد الفراعنة، ثم الحقبة القبطية وحتى الإسلامية.



وللحفاظ على استمرارية هذا التراث، حرصت الدولة تحت رعاية السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى على إقامة معرض «تراثنا» للحِرَف اليدوية والتراثية، الذى ينطلق للعام الثالث على التوالى بتنظيم جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر؛ لتشجيع الشباب على تعلم الحِرف اليدوية، وإتقانها لإقامة مشروعات صغيرة توفّر لهم ولغيرهم فرصَ عمل.

 

 صديق «البامبو»

حرصت «روزاليوسف» على أن تكون بين أجنحة معرض هذا العام، إذ افتتح اليوم ويستمر حتى 15 من أكتوبر الجارى،  وكان لنا لقاءات مختلفة مع أبرز المشاركين فى المعرض، من بينهم هيثم محمد صلاح الدين، صاحب مشروع «البامبو»، الذى استهل حديثه عن مشروعه بنُبذة سريعة عن نبات البامبو، الذى يتكوّن من 70 فصيلة مُقسّمة إلى أكثر من 1200 نوع، وموطنه الأصلى شرق آسيا، ويُزرَع فى أنواع مختلفة من التربة، كما يُعتبر من أسرع النباتات نموّا على الأرض بعد الثلاث السنوات الأولى من الزراعة.

يوضّح صلاح الدين أن البامبو يتميّز بكونه نباتًا صديقًا للبيئة؛ لأنه يمتص ثانى أكسيد الكربون من الغلاف الجوى وينتج أكسجين بنسبة 35%، ويُسمَّى بالذهب الأخضر لاستخداماته المتنوعة وقدرته على الدخول فى مجموعة من الصناعات المختلفة.

يضيف أيضًا: «قبل دخولى مجال صناعة البامبو كنت أعمل فى تصدير الملابس، ثم شاء القدَرُ أن أهتم بمجال البامبو، ولم تكن لدىّ أى معلومات عن هذا النبات، اشتريت بعض البامبو، وبدأت أتعامل معه بكل أشكاله، وله مَراحل كثيرة جدّا بدءًا من تقطيعه، مرورًا بتجفيفه ثم معالجته حتى تشكيله ودهانه.

وعن أكبر التحديات التى واجهها صلاح الدين، يقول إنه حاليًا لا توجد عَمَالة متخصصة للتعامُل مع نبات البامبو، لذلك كان عليه تجربة العديد من الخامات حتى يتمكن من تقديم منتج عالى الجودة ومُعمّر، وهو ما نجح به بالفعل؛ حيث أدخل هذه الصناعة فى فوّاحات البخور والمقالم والأجراس ووحدات الإضاءة.

يواصل صلاح الدين حديثه عن علاقته بالبامبو ويؤكد أنه يحلم بتأسيس أول مدينة حرفية إنتاجية فى مصر والشرق الأوسط، تعمل على استخدام خشب نبات البامبو الطبيعى بشكلٍ منفرد أو بمساعدة الخامات الطبيعية المختلفة، وباستخدام الحِرَف اليدوية والفنية. مُعتبرًا أن هذه المدينة تساهم فى إعادة تدوير بعض المُخلّفات الزراعية والمختلفة لمنتجات صالحة للاستخدام، منها مخلفات «شجر الموز»، و«مخلفات قصب السكر» و«مخلفات النخيل» و«مخلفات قش الأرز».

وتابع: «نحتاج خلال الفترة المقبلة استخدام خام خشب نبات البامبو فى إنشاء منازل لتوفير سكن صحى وبيئى للمجتمع، مع جذب الخبرات الخارجية فى مجال صناعات البامبو، والعمل على تنفيذها داخل مصر، ما يساعد على نمو الاقتصاد المصرى بشكل مباشر والعمل على فتح أسواق تصدير خارجية لمجموعة من المنتجات.

إشادة رئاسية

ومن صناعة البامبو إلى الاكسسوارات والحُلى، التقينا بـ«ياسمين كشك»، إحدى المشاركات فى معرض هذا العام، وهى من ذوى الهِمَم ومتخصصة فى صناعة الحُلى والاكسسوارات الحريمى، حاصلة على تمهيدى ماجستير وخريجة كلية الآداب قسم لغة إنجليزية فى جامعة المنصورة.

تقول «ياسيمن» إنها بدأت تعلّم صناعة الاكسسوارات أثناء دراستها فى المَدرسة، وتطوّر الأمرُ أثناء دراستها فى الجامعة، بعد الاطلاع على التصميمات الحديثة، كما ساعدها بعض الأصدقاء فى تسويق منتجاتها التى لاقت اهتمامًا كبيرًا،  حتى سنحت لها الفرصة أن تلتقى أحد المسئولين فى جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ما مكنها من المشاركة فى الكثير من المعارض التى ينظمها الجهاز بعد ذلك، وتُعتبر هذه المشاركة الأولى لها فى معرض «تراثنا».

تتذكر «ياسمين» حين التقت الرئيس عبدالفتاح السيسى فى القرية التراثية أثناء مشاركتها فى مهرجان شرم الشيخ التراثى مطلع العام الجارى، وكان معه الشيخ محمد بن زايد ولى عهد أبو ظبى،  وكيف أُعجب الرئيسُ بإرادتها فى تحدّى الصعاب، وقدرتها على صُنع هذه الاكسسوارات والأحجار الكريمة.

 «ديكوباج» الجامعة البريطانية

ومن الفنون الجديدة فى «تراثنا» هذا العام، فن الديكوباج، وتشارك من خلاله فى المعرض «ندى هشام حافظ»، التى حرصت على توضيح صورة هذا الفن أثناء بداية حديثنا معها، قائلة: «الديكوباج هو طريقة استخدام الورق القديم وإعادة تدويره لإنتاج لوحات فنية جميلة من الأثاث القديمة، باستخدام خامات بسيطة متوافرة فى المنزل مع إضافات بسيطة، تُزيد من جمالها وتحافظ عليها، وقد اعتبر هذا الفن فى بداية ظهوره بالصين على أنه فن شعبى أو فن الفقراء؛ حيث استخدم لتجميل الأثاث القديم، ثم انتقل إلى دول أخرى مثل فرنسا».

تقول «ندى» إنها تخرّجت فى الجامعة البريطانية بعد أن درست علم التسويق، إذ عملت بعد التخرج فى مجال التسويق مدة 6 سنوات، وبَعدها  قررت إنشاءَ مشروع خاص بجانب عملها، ومنذ عاميْن تمكنت من صُنع فانوس رمضان، وحرصت على أن يكون ذلك عن طريق فكرة جديدة، لذلك لجأت إلى البحث على الإنترنت لتتعلّم أكثر، إلى أن وجدت نفسَها تتعلّم فن الديكوباچ.

تضيف «ندى» أنها واجهت صعوبات كثيرة فى الحصول على المواد الخام فى البداية، لكنها وجدت البدائل، لا سيما أن الخامات التى يمكن عمل عليها الديكوباچ تكون أى خامة قابلة للتدوير وإعادة الاستخدام؛ خصوصًا الورق المميّز بألوانه أو رسوماته، لذلك يمكن استخدام الأوراق المطبوعة بالأسود والأبيض أو كروت المعايدة، وأوراق التغليف ذات الألوان والرسوم المختلفة، وصور المجالات الملونة، وورق الجرائد، وأوراق الحلوى اللامعة، والرسومات واللوحات المرسومة يدويّا ومناديل المائدة بأشكالها المختلفة، ورق الحوائط، القماش، الطوابع البريدية، الإعلانات، ويمكنك طباعة أى رسمة من على الإنترنت واستخدامها.

تسطرد قائلة: «بعد 8 أشهُر من تجربة عدة خامات، احترفتُ الديكوباچ، ونجحت فى عرض منتجاتى على الصفحة الخاصة بى على فيسبوك وإنستجرام، وحين علمت بمعرض «تراثنا» وهو أكبر ملتقى لصناع الحرَف اليدوية حرصت على المشاركة.

 المعرض الأهم

أثناء جولتنا داخل أجنحة المعرض، التقينا الدكتور «وليد الشامى»، رئيس المجلس التصديرى للحرَف اليدوية، وصاحب شركة نايل فلاورز المتخصصة فى المنتجات اليدوية،  الذى قال إن معرض «تراثنا» هو المعرض الأهم على مستوى العالم للحرَف التجارية، وحجم التصدير من هذا القطاع يتعدى 300 مليون دولار. مضيفًا إن حجم العَمَالة فى الحرَف اليدوية يصل إلى 2 مليون عامل. مؤكدًا أن القيادة السياسية تهتم بالمنتجات اليدوية، لذلك تم توفير أكثر من 550 عارض، يمثلون كل الحرَف اليدوية من كل محافظات مصر، ويُعد «تراثنا» أكبر مُلتقى ومعرض ومتحف لكل الحرَف اليدوية فى مصر.

يتمنّى «الشامى» خلال الفترة المقبلة أن تشهد مبيعات الصناعات اليدوية انتعاشًا. مشيرًا إلى أنه يتم حاليًا دراسة سوق التصدير، الذى يختلف من دولة إلى أخرى، ضاربًا مثالًا بدولتَى النرويج واسكتلندا. موضحًا أنهم يُفضّلون الألوان «الأبيض والأسود والرمادى»، ولا يميلون إلى الألوان الأخرى فى إنتاج أى حرَف يدوية، وبالتالى لا بُدَّ من دراسة ذوق كل شعب واحتياجاته.

وفى أحد أروقة  المعرض التقينا أحد المتخصّصين فى رسم اللوحات والتابلوهات، وهو الفنان «جمال حلمى سيد»، من ذوى الهمَم.. تحمل لوحاته حالة روحانية متصوفة تعكس ملامح شخصيته البسيطة وجمال اعتزازه بمصريته وهويته وانصهاره مع ما تعلمه على يد شيوخ المهنة.

يقول «سيد» إنه على تواصُل دائم مع وزراة التضامن الاجتماعى وجهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويقدم أعماله منذ نحو 20 عامًا. مؤكدًا أن من أشهَر أعماله التى يفتخر بها أحد التابلوهات الخشبية  لسبيل أم العباس فى شارع الخليفة. 

 العودة

فى ختام جولتنا التقينا «طارق صبور»، مدير إدارة المعارض فى جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة، الذى قال إن هذا العام يضم المعرض 630 عارضًا من مختلف قرى ومدن ومحافظات مصر. مشيرًا إلى أن «تراثنا» يُعتبر أول معرض مباشر للجمهور من نوعه بعد تداعيات أزمة «كورونا» التى لحقت بكل بلدان العالم منذ عدة أشهُر وفى ظل توقف كل فعاليات المَعارض المباشرة للجمهور. وأوضح أن المَعرض يضم السجاد والكليم اليدوى والمنتجات النحاسية والزجاجية والصُّدَف والخيامية وغيرها من مختلف الصناعات اليدوية.

يتابع «صبور» حديثه قائلًا: إن مصر بها نحو 250 تجمُّعًا للحرَف اليدوية والتراثية، تضم نحو 120 حرفة توفر عشرات الآلاف من فرص العمل الدائمة والمؤقتة بالمشروعات والمصانع المسجلة، بالإضافة إلى عدد كبير من المشروعات بالقطاع غير الرسمى، التى تعمل الدولة على ضمّها للقطاع الرسمى لتتمكن من توفيق أوضاعها والحصول على التمويل والتدريب لتطوير منتجاتها، ما يؤهلها للتصدير وزيادة قدرتها على المنافسة فى الأسواق المحلية والعالمية.