الأربعاء 28 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

مراد ظاهرة عمرها أكثر من 13 عامًا.. فكيف يمكن تجاهلها؟!

الكتابة عن أحمد مراد شائكة؛ لأسباب تتعلق بعدم اعتراف مجموعة من المثقفين به؛ حيث يعتبرونه كاتبًا تجاريّا، رُغْمَ أن أعماله جنبًا إلى جنب مع أعمال نجيب محفوظ والغيطانى وغيرهما ممن يبيعون، وليس هذا معناه أن أعمال مراد تساوى أعمال محفوظ أو غيره، لكنه ظاهرة فى غاية الأهمية للتعرف على ذائقة القراءة فى مصر العالم العربى.



بدأ مراد فى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، برواية «فيرتيجو» و«تراب الماس» فى دار ميريت، التى تنشر الأعمال الجادة ونشر بها أهم المثقفين المصريين، قدّم روايات طويلة لم يدّعِ فيها أنه يبحث عن نوبل، بل اعترف كثيرًا بأنه يكتب لمتعته ومتعة القارئ، وبالمناسبة أيضًا هذه واحدة من أهداف الأدب، أمّا أن نقول إن الهدف إعادة بناء الذائقة فهذا نوع من التضليل وإفك مقصود.

 لذلك نبحث فى الأغراض الحقيقية لموجات إنكار أحمد مراد وظاهرة وجوده على رأس المبيعات فى الكتابة المتعلقة بالمتعة، أنت غارق فى ذائقة جمالية لم تتحقق، ورُغم ذلك فأنا معك، دعنا نعترف بالحقيقة، أين مجلات الكوميكس فى مصر؟ مجلات الكوميكس التى تصنع الخيال، والتى تُعَد العتبة الأولى للثقافة.. لا يوجد، لكننا ضد فكرة المتعة ونتحين الفرصة دائمًا للحديث عن الأدب الجاد، من دون أن نقدم إلّا القليل جدّا منه.

ما حجم صناعة النشر فى مصر؟.. سأعود لتصريح سعيد عبده (200 مليون جنيه) أى 12 مليون دولار أمريكى.. اقتصاد دولة بأكمله فى صناعة النشر 12 مليون دولار!!.. هذه فضيحة. 

العلم يدرس الظواهر المتكررة فى أحد مضامينه، وأحمد مراد ظاهرة عمرها 14 عامًا، ظاهرة تنمو وتكبر كل يوم، وأنت تريد أن تُحَدثنى عن الذائقة.. كيف وأنت ليس لديك أى معرفة ولا معلومات عن النشر فى العالم واتجاهاته.. هذا خلط متعمد للأوراق.

سواء أعجبك الغلاف أمْ استفزك كمثقف فهذا أمرٌ مقصودٌ فى حد ذاته؛ لأنك للأسف لا تعرف شيئًا عن صناعة الكاتب وصناعة الكتاب وصناعة النشر.. انتبهت لقبح الغلاف الخاص بأحمد مراد ولم تنتبه أن المجلة نفسها فى الشهريْن الماضييْن، قدّمت غلافًا عن كتابات المرأة واضعة شعار الأمم المتحدة المتعلق بالتحرش وخريطة التحرش على غلافها، وفى أغسطس قدّمت غلافًا لواحد من أنبغ النقاد المصريين هو على الراعى احتفاءً بمئويته، معنى ذلك أن هناك كيلًا بمكياليْن، وأن الحُكم كان على الصورة، وهو أمرٌ يدفعنى للعودة لكتاب كنت قد كتبته عام 2009م عن العقل المصرى وكيف يفكر، لا يختلف فى ذلك العامّة عن المتعلمين، نحن نفكر بعيوننا ولا نفكر بعقولنا، ونبنى مواقفنا كلها على ذلك. 

لم يتحدث أحدٌ عن أن عدد أحمد مراد 216 صفحة، لا يحتل مراد سوى أقل من 10 % من صفحات العدد، وهناك 196 صفحة تتحدث عن الكتاب والنشر والمؤلفين والأدب والفن فى محاولة لإمساك العصا من المنتصف بتقديم وجبتيْن إحداهما عن صناعة الكتاب، والأخرى عن الذائقة الجمالية، إذن أنا لم أذهب بعيدًا، بل أحاول أن أساعد فى ترميم اقتصاد فى مجال الثقافة تحديدًا، وأحاول أيضًا أن أعيد للشارع ذائقته التى فقدها لأسباب شتّى وهو جزءٌ كبيرٌ من هاجسى فى الحياة والكتابة، فلا يزايد علينا أحدٌ فى تلك المسألة.

عالم الكتاب فى هذا العدد الذى يضم أحمد مراد تضم أكثر من 60 مقالًا، منها سبع مقالات (نعم سبع فقط) خاصة بأحمد مراد وظاهرة البست سلر، واستعراضها تاريخيّا فى مقال للمستشار حسام العادلى، وبجانب المقالات السبع فصل من آخر رواية للأستاذ أحمد مراد، أعترف بأن الغلاف ربما كان يجب أن توضع عليه بقية الملفات، وأن الصورة كانت فى حاجة إلى تقليل حجمها، لا بأس من الاعتراف بذلك، هناك ملفٌّ عن الكتب والموسيقى، وتحقيقان عن الكتب المسموعة وآخر عن تجاوز الكاتبات العربيات للكُتّاب العرب، وملف (رؤى) ويضم عروضًا لـ 27 كتابًا جدّيّا من العالم ككل، وأربعة حوارات عن محمد الحمامصى والكاتب الجزائرى عيساوى، وحوار مع باربارا غرينى عن النشر الشخصى، وحوار لأميرة دكرورى مع نورا ناجى، ومجموعة من الأبواب الثابتة، وافتتاحيتى عن الكتاب والموسيقى وجموح الخيال الإنسانى، ومقال مهم جدّا للأستاذ شعبان يوسف، نائب رئيس التحرير عن اتحاد الكُتّاب، وألاعيب على الزيبق، وترجمة للكاتب الشاب محمد عبدالنبى عن الكتابة والخوف لستيفن كنج.

الأمرُ الأخيرُ يتعلق بأن أحمد مراد فى كتاباته هو جسر بين الكتابة للمتعة والكتابة الجادة، وبحصوله على جائزة الدولة ودخوله قائمة البوكر القصيرة، عليه أن يتفهم أن جيلًا كاملًا يقرأ أعماله ويعشقونه، ومن هذه النقطة عليه أن يفكر فى بدايات جديدة لكتابة جادة يَعبر فيها بهؤلاء الشباب إلى قراءات تؤثر فى حياتهم، مع الاحتفاظ بنكهة المتعة التى يقدمها، فهو لاعب مهم لا يمكننى إقصاءه علميّا وثقافيّا. 