الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

المعمرون فى الأرض!

تحوَّل أصحاب العمر الطويل، حديث العديد من وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية فى ظل أزمة فيروس كورونا المستجد الذى حصد  أرواح الملايين من البشر، واتجهت الأنظار مرة أخرى إلى جُزر المعمرين Blue zones أو المناطق الزرقاء؛ حيث انطلقت الدراسات والرحلات الاستكشافية من جديد إلى خمس مناطق حول العالم لكل منطقة نظامها الغذائى الخاص وأنواع متنوعة من التمارين وهيكلها المجتمعى المختلف.



 

جزيرة نسيها الموت

جزيرة إيكاريا اليونانية النائية الجميلة صُنِّفت كواحدة من أكثر الأماكن صحة على وجه الأرض وهى بقعة ذات عمر استثنائى؛ حيث تجمع أكبر عدد من الأصحاء الذين تزيد أعمارهم على 90 عامًا حول العالم، ويطلق عليها السياح «الجزيرة التى نسيها الموت»، وأصبح المزيد من الناس مفتونين بنمط حياة الإيكاريين والبحث عن أسرار تمتُّعهم بصحة جيدة.

عدد من العلماء والباحثين حاولوا معرفة ما الذى يجعل الإيكاريين ليسوا فقط معمرين؛ ولكن يتمتعون بحالة بدنيّة وصحة جيدة حتى فى عمر 100 عام، فهناك العديد من الدراسات التى تركز على حياة سكان الجزيرة الصغيرة.

وتوصل العلماء بعد عمل العديد من الدراسات والاستبيانات إلى بعض العوامل الرئيسية التى تجعل الإيكاريين يعمرون أكثر من غيرهم؛ حيث أظهرت الأبحاث أن ممارسة العمل اليدوى اليومى والحياة الريفية ورياضة المشى التى تشمل التنزه الجبلى وراحة منتصف اليوم، كلها عوامل أثبتت أنها تحمى وتُحسِّن وظائف القلب، فضلًا عن حمية البحر الأبيض المتوسط ​​مع المنتجات العضوية الطازجة التى يتم تناولها فى الجزيرة وتشمل الخضار والفواكه والأسماك وزيت الزيتون والعسل المحلى والنبيذ الأحمر الشهير واستهلاك القهوة اليونانية وشاى الجبل وهما من مضادات الأكسدة الرئيسية للجسم، والحد الأدنى من الأدوية الكميائية والاعتماد على الأعشاب وممارسة النشاط الجنسى حتى عند كبار السن والاهتمام، فضلاً عن اهتمامهم بالروابط الأسرية والاجتماعية والتمتع بالحياة اليومية المريحة دون قلق وتوتر والعيش بالتفاؤل.

 

سياحة فى زمن كورونا

وإلى جانب الجزيرة اليونانية، تُعد نيكويا فى كوستاريكا واحدة من أشهر المناطق الزرقاء حول العالم، وهى مجتمع شاطئى ريفى صغير يقع فى شبه جزيرة Guanacaste على الساحل الشمالى الغربى لكوستاريكا، وبحسب الباحثين يعيش معظم السكان فى الجزيرة حتى سن 99 عامًا على الأقل.

وتفتخر نيكويا بعدد كبير من معمرى العالم، والعديد منهم يعيش من دون دواء، ونجحت المنطقة خلال فترة أزمة كورونا فى جذب ملايين السياح، وأنعشت سوق العقارات، وزاد الطلب على المنازل الفاخرة فى كوستاريكا، وكانت الغالبية العظمى من الزوار والمشترين أجانب، ومن المتوقع استمرار النمو السياحى خلال 2020 مع تطوُّر جديد غير مسبوق ومبيعات منازل فاخرة جديدة على مدار الـشهورالمقبلة.

 

حياة من دون إلهاء

مجتمع لوما ليندا فى أمريكا يتكون من نحو 9000 من طائفة السبتيين فى منطقة لوما ليندا واحدة من مناطق المعمرين حول العالم؛ حيث يعيش سكانها ما يقرب من 20 عامًا زيادة عن بقية البشر بسبب النظام النباتى الذى يتبعونه فى حياتهم، يركز على الحبوب والفواكه والمكسرات والخضروات ويشربون الماء فقط وبعضهم يأكل كميات صغيرة من اللحوم والأسماك والسكر.

جارى فريزر طبيب القلب وعلم الأوبئة بجامعة لوما ليندا، كشف أن السبتيين الذين يتبعون تعاليم الدين عاشوا نحو 10 أو 20 سنة أطول من الأشخاص الذين لم يفعلوا ذلك وأن النباتيين الذين تناولوا نظامًا غذائيًا نباتيًا مع ما يصل لحصة واحدة من الأسماك يوميًا عاشوا أطول من السبتيين النباتيين.

وتشمل أفضل الأطعمة التى يقدمونها الأفوكادو والسلمون والمكسرات والفول ودقيق الشوفان وخبز القمح الكامل وحليب الصويا إلى جانب التمارين الرياضية المنتظمة، فضلاً عن عدم التدخين أو شرب الكحول، ويتجنبون التلفاز والأفلام وغير ذلك من وسائل الإلهاء.

وظهرت طائفة السبتيين فى الولايات المتحدة الأمريكية فى القرن التاسع عشر، يقولون عن أنفسهم إنهم متفقون مع الديانة المسيحية التاريخية والكتابيّة، رغم امتلاكهم العددى من العقائد المختلفة مع الاتجاه السائد للإيمان المسيحى.

 

أرض الخالدين

وتمتلك اليابان واحدة من أكبر تجمعات المعمرين فى العالم أكثر من 34.7 لكل 100.000 نسمة فى عام 2010، حيث يرتفع متوسط ​​العمر المتوقع لسكان جزر أرخبيل أوكيناوا فى جنوب غرب اليابان بشكل خاص؛ حيث تم تسجيل 66.7 من المعمرين لكل 100.000 نسمة فى هذه المنطقة، حيث تشتهر الجزر الواقعة فى الطرف الجنوبى من اليابان بطول عمر سكانها، والتى كانت تسمى بـ«أرض الخالدين».

سكان أوكيناوا لا يعانون من السرطان وأمراض القلب والخرف مثل غيرهم فى جميع أنحاء العالم، كما تعيش النساء فترة أطول من أى امرأة على الأرض، وربما يكون السر فى ذلك التفانى القوى للأصدقاء والعائلة وحفاظهم على شبكة اجتماعية قوية تسمى moai عبارة عن دائرة من الأصدقاء مدى الحياة تدعم الأشخاص فى سن الشيخوخة.

تقدم شبكات الأمان دعمًا ماليًا وعاطفيًا فى أوقات الحاجة وتمنح جميع أعضائها الأمان الذى يخفف التوتر، كما يتمتع سكان أوكيناوا بإحساس قوى ورغبة ملحة فى الحياة وهى القوة الدافعة التى يسميها اليابانيون ايكيغاى.

أسَّس سكان أوكيناوا أسلوب حياة وبيئة ليعيشوا حياة طويلة وصحية،  أهمها؛ نظام غذائي نباتي فوجباتهم من الخضر المقلية والبطاطا الحلوة الغنية بالعناصر الغذائية ومنخفضة السعرات الحرارية، ونظام أوكيناوا الغذائى غنى بالأطعمة المصنوعة من الصويا مثل حساء التوفو والميسو، وتساعد مركبات الفلافونويد فى التوفو فى حماية القلوب والوقاية من سرطان الثدى، وتساهم أطعمة الصويا فى الحفاظ على بيئة معوية صحية.

 

حليب الماعز

فى إيطاليا توجد جزيرة سردينيا الواقعة فى وسط البحر المتوسط، التى يعيش على أرضها​​ نسبة كبيرة من الرجال والنساء أصحاب المائة عام، ويعتمد معمرو سردينيا القدامى فى غذائهم على حليب الماعز وجبن الضأن حوالى 15 رطلاً من الجبن سنويًا فى المتوسط وتناول كمية معتدلة من الكربوهيدرات مثل الخبز المسطح والخبز المخمر والشعير ولتحقيق التوازن بين هاتين المجموعتين من الأطعمة فإن المعمرين يأكلون الكثير من الشمر والفول والحمص والطماطم واللوز والشاى بالحليب والنبيذ من عنب غريناش.

 

سر العمر الطويل

المناطق الزرقاء التى تضم أكبر معمرى العالم لم تحظ باهتمام كبير حتى عام 2005، عندما انبهر بها الصحفى دان بوتنر بعد أن قرأ أن 80 % من العمر الافتراضى يعتمد على أسلوب الحياة، لذا قرر الدخول فى شراكة مع ناشيونال جيوغرافيك وجمع فى عام مجموعة من علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الديموغرافيا وعلماء الأوبئة وغيرهم من الباحثين للسفر حول العالم لدراسة المجتمعات التى بها نسب عالية من المعمرين؛ حيث أجرى مقابلات مع مئات الأشخاص الذين وصلوا إلى سن 100 عام حول كيفية عيشهم.

بدأت البعثات الاستكشافية بالمنطقتين المعروفتين أوكيناوا فى اليابان وسردينيا بإيطاليا، وواصل الصحفى العمل عن كثب مع الباحثين لاكتشاف ودراسة منطقتين أخريين هما نيكويا فى كوستاريكا وإيكاريا فى اليونان، وعثر على نفس جين طول العمر الشديد فى لوما ليندا كاليفورنيا، لكن هذا مجتمع دينى وليس منطقة جغرافية وأطلق عليها اسم المناطق الزرقاء بعد أن حددها بوتنر على الخريطة باللون الأزرق.

يذكر أن إجمالى عدد المعمرين الأحياء فى العالم لا يزال غير مؤكد؛ حيث قدَّرهم قسم السكان فى الأمم المتحدة بـ 23000 فى عام 1950 و110.000 فى عام 1990 و150.000 فى عام 1995 و209000 فى عام 2000 و324000 فى عام 2005 و455000 فى عام 2009 ومع ذلك فإن هذه التقديرات القديمة لم تأخذ فى الاعتبار التعديلات المعاصرة للتقديرات الوطنية التى أجرتها عدة دول مثل الولايات المتحدة، ففى عام 2012 بحسب آخر إحصائية قدَّرت الأمم المتحدة أن هناك 316600 فقط من المعمرين فى جميع أنحاء العالم.

 

نادى الـ100

وفى العديد من البلدان يتلقى المعمرون هدية أو تهنئة من المؤسسات الفيدرالية أو الحكومية بمناسبة عيد ميلادهم الـ100 ففى أيرلندا يتلقى المعمرون المولودون هناك 2.540 يورو مكافأة المئوية، وفى هولندا يرسل الملك ومفوض برسالة فى الذكرى المئوية، وفى إيطاليا يتلقون رسالة من رئيس جمهورية إيطاليا، وفى السويد يتلقون برقية من ملك وملكة السويد، أما فى المملكة المتحدة وعوالم الكومنولث الأخرى يرسل الملك تحياته التى كانت تُعرف سابقًا ببرقية فى عيد الميلاد المائة.