الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

كيف تحصل على نواقص الأدوية.. التفاصيل inbox

حالة من الفوضى شهدتها سوق الدواء، خلال الأشهر الخمس الأخيرة، استغلتها عصابات السوق السوداء، ومافيا غش الدواء، للتلاعب بأوجاع المرضى وآلامهم فى ظل نقص الدواء، فراح أصحاب الأمراض المناعية الذين يزيد عددهم على نصف مليون مريض يخوضون معركة جهنمية للبحث عن أدويتهم التى اعتادوا تناولها منذ سنوات، منها «البلاكونيل والهيدروكين»، بعد أن ثبتت فعاليتهما فى علاج بعض حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد.  



علامات استفهام كثيرة ثارت حول توافر عقار «هيدروكين» وهو إنتاج شركة «مينا فارم» و«بلاكونيل»، و«هيدروكسى كلوروكين» وهو علاج الملاريا والروماتويد وهو إنتاج شركة «ايفنتس سينوفى» بكميات كبيرة يتم بيعها عبر صفحات مجهولة على الإنترنت إضافة إلى توافرها أيضًا لدى باعة السوق السوداء الذين ينتشرون بمحيط منافذ صرفها التابعة لوزارة الصحة، ذلك فى الوقت الذى أصبحت فيه تلك الأدوية تحت تصرف وزارة الصحة المصرية، لاستخدامها كعقار استراتيجى.

«روزاليوسف» حاولت الكشف عن لغز حصول هؤلاء التجار على الدواء من خلال البحث عنه والتواصل مع بعض مرضى المناعة، إضافة إلى تعليق أحد الخبراء.

 تجارة خفية على مواقع التواصل 

بالتزامن مع اعتماد وزارة الصحة عقارات أمراض المناعة، ووضعها تحت تصرفها، أعلنت الصيدليات عدم توافر تلك الأدوية لديها، خاصة أن وجودها أصبح قاصرًا فقط على المستشفيات الحكومية ومنافذ توزيع الشركة المصرية للأدوية، لتظهر سوق سوداء خفية على مواقع التواصل الاجتماعى تروج إلى تلك الأدوية بأضعاف ثمنها، مستغلة حاجة المرضى لها خاصة من يداومون على تناولها، فالجرعة لها وقت محدد يجب أن يحصل عليها المريض فى الوقت المناسب وإلا ستتدهور حالته.

تتبعت روزاليوسف المتورطين فى هذه السوق الخفية من خلال إعلاناتهم على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، فقد وضعوا تسعيرة لدواء «البلاكونيل» تتراوح بين 600 حتى 1200 جنيه للعلبة الواحدة أو 200 جنيه للشريط، حيث تحتوى العلبة على ستة أشرطة، بينما سعره الأصلى 90 جنيهًا، ويحدد التجار الأسعار حسب الكمية المطلوبة فكلما زادت كلما قل سعر العلبة.

البداية كانت مع صاحبة أحد الإعلانات على «فيسبوك» تقول فيه: «متوفر بلاكونيل وأكتيمرا اللى محتاج يتواصل معايا خاص»، تواصلنا معها عن طريق الرسائل الخاصة وسألناها عن الأسعار والكمية المتوفرة قالت إن لديها استعداد لتوفير أى كمية نحتاجها، لنطلب منها التواصل هاتفيًا.

حينما تحدثنا معها عن طريق الهاتف كانت المراوغة سمة واضحة لحديثها، حيث قالت إنها تدعى الدكتورة ياسمين وأنها تعمل لدى شركة توزيع تابعة للشركة المصرية لتجارة الأدوية، وحينما سألناها عن طبيعة عملها أو مقر الشركة قالت إنه فى منطقة صفط اللبن بمحافظة الجيزة.

«كذا حد بيطلب كميات وبيطلع مش حقيقى علشان عايزين يعرفوا مصدرنا والمخزن اللى فيه البضاعة ويتعاملوا معاه مباشرة» لتؤكد أن لا أحد يستطيع الوصول إلى هذا المكان.

وأوضحت أن الكمية المباعة تكون بالطلب حيث تبيع عبوة الأكتيمرا- علاج لآلام المفاصل الروماتيزمية- بسعر 6100 جنيه لجرعة تركيز الـ200 ملى بينما جرعة الـ 400 يصل سعرها إلى 16 ألف جنيه لكن هناك صعوبة فى توفير تلك الجرعة، بينما السعر الأساسى للعبوة فى الصيدليات 1335 جنيها.

عرضت علينا بيع كميات تبدأ من 100 أو 50 علبة، لتسألنى عن السيولة المالية المتوافرة لدينا، لنؤكد أنها متوافرة، لترد بأنها ستجرى اتصالا هاتفيًا وترد علينا. 

ردت فى اتصال جديد قالت إنها ستتمكن من توفير 50 عبوة يوميًا، عن طريق سياسة «سلم واستلم»، بالنسبة للأدوية المناعية عدا دواء الأكتيمرا فسيكون عن طريق دفع «عربون» بالكمية التى سيتم طلبها معللة ذلك بأنه دواء «ثلاجة» ومستورد، مضيفة بأنها ستخفض سعره إلى 5500 جنيه، وحين سألنا عن طريقة التسليم ردت بأنه سيكون فى مقر الشركة بالمهندسين، لتؤكد أن المكان الذى ذكرته خلال المكالمة الأولى كان تمويهًا منها!

شبكة اصطياد الراغبين بمحيط «الإسعاف»

سوق سوداء أخرى لأدوية مرضى المناعة، تشكلت بمحيط «صيدلية الإسعاف - الشركة المصرية للتجارة الأدوية»، الموجودة فى منطقة رمسيس بوسط القاهرة، بعد أن أصبحت قِبلة لهؤلاء المرضى، فضلًا عن آخرين يأتون لصرف علاج الكورونا وأدوية الجدول كالصرع والسرطان، لعدم توافرها بالصيدليات، حيث جميعها أدوية يشترط صرفها من خلال تقرير طبى وروجيتة مختومة من طبيب.

ما يقرب من خمسة منافذ حديدية، لا يعمل منها سوى منفذ واحد والباقى مغلق، يقف أمامه طابور من عشرات المواطنين الذين جاءوا لشراء الأدوية، يتواصلون مع العاملين من خلال المنفذ الذى تحيطه شبكة حديدية، فالمنفذ للرجال والسيدات معًا، منهم من جاء للاستفسار عن توافر علاج ومنهم من جاء لصرفه.

ساعات طويلة يقضيها المواطنون لصرف العلاج، وقد يقضون تلك الساعات لكنهم يفشلون فى صرف الدواء لعدم توافره، كما حدث مع سيد إبراهيم، الذى اعتاد المجىء من منطقة الهرم إلى صيدلية الإسعاف، لصرف دواء بلاكونيل لوالدته التى تعانى من أمراض مناعية.

يحرص «سيد»، خلال تواجده دائمًا، على إحضار تقرير طبى يشخص حالة والدته، وكذلك روجيتة مختومة من الطبيب المعالج، تبثت احتياجها لهذا العلاج، مؤكدًا أنه من دون تلك الأوراق لا يستطيع صرف الجرعة، رغم أن وجهه أصبح مألوفًا للعاملين بالصيدلية لأنه دائم التردد عليهم.

وكشف أنه، خلال الأسبوع الأخير، هناك نقص شديد فى دواء البلاكونيل، فلم يستطع الحصول عليه من الصيدلية، مشيرًا إلى أن اختفاء الدواء مرة أخرى جاء بعد الحديث عن موجة ثانية من فيروس كورونا، إلى أن تم سحبه من جديد من السوق.

وكشف عن وجود شبكة من تجار السوق السوداء بمحيط الصيدلية لاصطياد المرضى، فأحدهم عرض عليه بيع شريط عقار البلاكونيل بسعر 140 جنيها، مستطردًا: «هجيب منين وأنا شغال بياع على باب الله».

ندرة الأدوية تنشط عصابات الغش!

يقول الدكتور محمود فؤاد، رئيس المركز المصرى للحق فى الدواء، إنه فى الخمسة أشهر الأخيرة حصل نقص شديد فى أدوية مرضى المناعة، واصفهم بأصحاب الأمراض الأشد خطورة خاصة مرضى الأورام منهم، مرجعًا ذلك إلى وجود فوضى وتجارة سوق سوداء، وعدم وجود استيراد، إضافة إلى عدم سيطرة وزارة الصحة على الأسواق، وعدم وجود معلومات حقيقية حول الأدوية المتوفرة فى مصر وتناسبها مع أعدادالمرضى.

واتهم رئيس المركز المصرى للحق فى الدواء، فى تصريح لـ«روزاليوسف» الشركة المصرية لتجارة الأدوية بالتخاذل والتواطؤ، موضحًا أنها لم تقوم بدورها لتوفير الأدوية للمستشفيات الحكومية أوالمعنية، لأنها الجهة المنوط بها ذلك، مستنكرًا عدم توافر أدوية المناعة فى المستشفيات العامة والمركزية والتعليمية والجامعية.

وأضاف أيضًا عن تواطؤ الشركة بأنها لم توضح الكمية المتاحة لديها من الدواء الذى قامت باستيراده والجهات التى باعته لها، مشيرًا إلى أن عقار ريمديسيفير المخصص لعلاج الحالات المتأخرة لكورونا وتحت إشراف طبى يباع على الإنترنت فى حين الشركة أنتجت منه 1200 عبوة فقط، مشددًا على أن مسئولية الشركة إبلاغ وزارة الصحة أن منتجها موجود فى السوق فقد يكون سرق من المستشفيات.

وكشف رئيس المركز المصرى للحق فى الدواء، أنه قد تكون تلك الأدوية تم ضربها فى مصر بمصانع بير السلم وغلفت فى عبوات مماثلة للأصلية، لتباع على الإنترنت، فى حين أن المريض «يتعلق بقشة»، محذرًا من أن «الدواء المزيف» لن يعطى نتيجة لكنه يزيد من مضاعفات المرض، فى الوقت الذى لم يستطيع فيه أحد سواء مريض أوطبيب من التعرف على العقار الأصلى من المغشوش، قائلًا: «كلما ندرت الأدوية كلما نشطت عصابات الغش». 

وتابع بأن 10 % من الأدوية المتداولة فى مصر مغشوشة، فى ظل غياب الرقابة والعقوبة، فإن مصر لا يوجد فيها أى بلاغ مقدم من الجهات المعنية ضد أى عملية غش، فى حين أنه عقب تعاظم جريمة الغش غلظت الصين العقوبة حتى وصلت إلى الإعدام، وفى الهند تصل إلى السجن لمدة 15 عام.

واستكمل: «عقار البلاكونيل يباع فى منطقة المهندسين بسعر 6500 جنيه، وبعض المستشفيات الكبرى تضيف ثمنه على الفاتورة بـ 11 ألف جنيه، والأكتيمرا سعره 11 ألف جنيه ويباع بالسوق السوداء بسعر 35 ألف جنيه»، مؤكدًا أن السوق السوداء تحقق أرباح تصل إلى مليارات الجنيهات.

وشدد على ضرورة أن تقوم الدولة بالسيطرة تماما على سوق الدواء، خاصة بعد تأسيس هيئة خاصة بالدواء متسائلًا: «لماذا لم تقم الهيئة بدورها وإلى الآن تسمح بوجود أدوية غير معروفة وتباع بالسوق السوداء أو صفحات مجهولة؟»