الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

سيد درويش.. لايزال نجمًا

فى الستينيات، قدم الفنان الراحل «محمد نوح» شخصية «سيد درويش» على المسرح، وقدمها أيضا «كرم مطاوع» فى السينما فى فيلم من إخراج «أحمد بدرخان»، كلا العملين يرويان قصة حياة الراحل العظيم منذ نشأته فى الإسكندرية حتى وفاته المفاجئة يوم عودة «سعد زغلول» من المنفى، لكن حياته الثرية، المليئة بالمحطات المهمة، سواء فى التلحين، والغناء، أو فى المواقف الوطنية التى خاضها بفنه ضد الاحتلال، لاتزال تثير شهية الكتاب على تقديمها مجددا رغم مرور ما يقرب من مئة عام على رحيله، ولا سيما أن فنه لا يزال باقيا فى الوجدان حتى اليوم، وعلى مسرح البالون يعرض حاليا وبنجاح عرض (فنان الشعب) عن قصة الفنان الراحل «سيد درويش، ويلعب بطولته «ميدو عادل» فى دور «سيد درويش» و«لقاء سويدان» فى دور «جليلة العالمة» التى وقع فى غرامها، وظلت تلاحقه بحبها رغم خيانتها له، والحقيقة أنه قبل مشاهدتى للعرض كانت أنباء الخلاف الدائر بين الفنان «إيمان البحر درويش» وبين صناع المسرحية هى المسيطرة على المشهد، خاصة أنه هدد بوقف عرضه باعتباره الوريث الشرعى لجده، ولم يتم استئذانه قبل تقديمها، لكن مستوى العرض، وما به من إبهار، سواء على مستوى الأداء الاستعراضى، والغنائى للأبطال، أو الملابس، والديكور، والإخراج، كلها عناصر جعلت من الحديث حول هذه الأزمة لا يأتى فى المقدمة.



 توهج فنى

فى العرض الذى كتبه «السيد إبراهيم» وأخرجه «أشرف عزب» يقدم الثنائى «ميدو ولقاء» حالة من التوهج الفنى، فعلى مدار ثلاث ساعات هي زمن العرض، يغنى «ميدو» أغانى سيد درويش، ويشتركان معا فى أداء تابلوهات فنية راقصة، أضافت نوعا من الحيوية والتجدد على المسرح، وحجزت لـ«لقاء» مكانا بين الفنانات القادرات على تقديم الاستعراض على المسرح - وهن قليلات- ومن الإنصاف أن نذكر هنا اسم مصمم الاستعراضات «وفيق كمال» فمن المؤكد أن له الدور الأكبر فى تفجير كل هذه الطاقة الاستعراضية الكبيرة على المسرح، بالإضافة إلى مصممة الملابس «نجلاء الفقى»، حيث أكملت بملابس الأبطال، والراقصين الصورة الجميلة التى رسمها مهندس الديكور «محمد عبدالرازق» حيث ينقل المشاهد من منزل البطل فى كوم الدكة، إلى داخل الكازينو فى حلب بسوريا، ثم على أحد مسارح القاهرة بسلاسة شديدة، ساعده فى ذلك شاشة العرض التى وضعت فى منتصف المسرح، والتى كانت تنقل أحيانا مشاهد من شوارع الإسكندرية، والقاهرة، وحلب، بالإضافة إلى مشاهد من ثورة 19، وتُشْرِك المتفرج فى كثير من الأحداث، وكأننا أمام مزيج ما بين عرض مسرحى، وسينمائى فى آن واحد، كل هذه العناصر زادت من توحد الجمهور مع الحالة الفنية المختلفة التى تقدم على خشبة المسرح.

ميراث ملك الشعب

التغلب على الإمكانيات البسيطة بالمقارنة بالمسارح الخاصة الذى نجح فيه كل صناع العمل لم يمنع من وجود بعض الملاحظات اللافتة فى دراما العمل، منها عدم اكتمال بعض الخطوط الدرامية، وانتهاء العرض دون معرفة مصيرهم، ومنها الميدلى الغنائى الذى يقدمه «ميدو عادل» بعد أدائه مشهد وفاة «سيد درويش» وغيرها من الملاحظات التى فضلنا أن نناقش فيها مؤلف العرض، ومخرجه.

يقول الكاتب «السيد إبراهيم» إن فنانا بحجم «سيد درويش» لايكفيه فيلم، أو مسرحية واحدة عن حياته وأعماله، خصوصا أن مسرحية «محمد نوح» قد أهملت بفعل فاعل، ولم يتبق منها سوى مشهد واحد، وهو الذى أوحى لى أن أكتب المسرحية، لأستكمل ما أراد «محمد نوح» تقديمه، حتى إننى اقتبست هذا المشهد فى العرض، بعد وضع قليل من التعديلات عليه، ولعل الخوف من أغانى «سيد درويش» لأنها كانت أيقونة الثورة كان وراء عدم تقديم عرض مسرحى طوال الفترات الماضية، لذلك، فإن السماح بتقديمه فى هذا الوقت يعنى مزيدا من الحرية.

وعن التحدى باختيار بطل شاب لأداء الدور، ولا سيما أنه يتطلب غناء واستعراضا يقول، «ميدوعادل» عرفناه يغنى ويمثل فى العديد من المسلسلات، وكان الاختيار الأفضل لنا، لأنه أحب الشخصية، وتحمس لها وهو مناسب جدا من ناحية الشكل، والسن، والأداء، أما بخصوص عدم وضوح مصير علاقته بـ«جليلة» ومصير زوجاته الأخريات يقول، علاقته بـ«جليلة» معروف أنها انتهت بالزواج بعدما لحن لها أغنية (ياعشاق النبى) لكن لقلة المعلومات عن حياته الشخصية، فضلت عدم الدخول فى تفاصيل ليس لها مرجع مؤكد، فكان التركيز على أهم علاقتين فى حياته وعلى ما قدمه من روائع تمس وجدان الناس، ومازالت تعيش حتى اليوم.

وعن مشاهد النهاية التى تم تقديمها بعد وفاة البطل يقول: «النص المسرحى الذى كتبته ينتهى بموت «سيد درويش» بينما يسأل عنه الناس لأنه تأخر، ولم يأت لاستقبال «سعد زغلول» معهم، ثم يبدأ(فوتومونتاج) للجماهير وهى تغنى أغانيه حتى اليوم، لكن عند التنفيذ كان للبطل والمخرج وجهة نظر مغايرة للنص، ليظهر بملابس عصرية بعد خروجنا من زمن العرض المسرحى ويغنى أغانى «درويش» التى تعيش بيننا إلى اليوم».

أما عن المشاكل بين صناع العرض، والفنان «إيمان البحر درويش» فيقول، انتهت بلقاء المستشار القانونى، ودكتور «خالد عبدالجليل» مستشار وزير الثقافة للشؤون السينمائية ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية من جهة، و«إيمان البحر» من جهة أخرى، وتم الاتفاق على أن ميراث «سيد درويش» قد مر عليه أكثر من (50 عاما) وأصبح ملكا للشعب، وأن وزارة الثقافة تريد أن تقدمه بشكل مشرّف للأجيال القادمة، والحفاظ على «سيد درويش» لا يعنى أن يترك إنتاجه فى الأدراج، أو يتاجر شخص باسمه، وبالتالى حصلنا على التصريح باستمرار العرض بعد أن أوقفه «إيمان البحر» بأن أرسل لنا سيارة شرطة إلى المسرح.

موسيقى تتخطى الزمن

ومن جانبه يقول المخرج «أشرف عزب» أن هناك فرقا جوهريا بين المسرحية، والفيلم الذى قدمه «كرم مطاوع» منذ وقت بعيد، حيث يتناول الفيلم سيرة ذاتية كاملة له منذ ميلاده حتى وفاته، تشمل الجوانب الاجتماعية، والشخصية، لكن عرضنا يركز على ست سنوات من حياة «درويش» وهى فترة ازدهاره الفنى، وتألقه، ولم نقصد التطرق لحياته الشخصية غير المرتبطة بإبداعه بشكل مباشر، وعند اختيارى للأبطال لفت نظرى أن «سيد درويش» توفى فى عمر 31 عاما، لذلك تركز بحثى على نجم شاب، يعرفه الجمهور، حتى يحقق لى الجزء التسويقى المتعلق بالحضور الجماهيرى، بالإضافة إلى رغبتى فى أن يكون قريب الشبه من «سيد درويش» فكان «ميدو عادل» اختيارا نموذجيا بالنسبة لى، ولا سيما أنه مؤدٍ جيد جدا للأغانى، وله تجارب جيدة فى الغناء فى مسلسلات سابقة، كما أنه من عشاق «سيد درويش» ويحفظ كل أغانيه.

أما «لقاء سويدان» فأعرفها منذ التسعينيات، حيث شاركت معى عام 1994 فى مسرحية على مسرح السلام، كما أنها خريجة الكونسير، وتجيد الغناء، وهى خريجة قسم تمثيل، وإخراج بالمعهد، فكان ترشيحى لها هو الأول، لكننى بحثت عن بدائل بسبب قرار اعتزالها، وعندما عدلت عن القرار، تحدثت معها، وبدأنا بروفات، وكانت على قدر المسئولية كما توقعت، فهى ممثلة مجتهدة جدا.

أما عن وجهة نطره فى مشهد النهاية فيقول، قصدت ألا ينتهى العرض بوفاته، وظهور الأبطال فى نهاية العرض يغنون أغانيه بملابسهم العصرية يعنى أن موسيقاه تتخطى الزمن.

وعن تدخل الرقابة لحذف بعض الأغانى يقول، الرقابة لم تتدخل، بل أبدت ملاحظات عند قراءة النص، ولاسيما على الأغانى التى بها نوع من التحرر مثل (الحب دح دح، أرخى الستارة اللى فى ريحنا) وغيرهما، لكننا شرحنا وجهة نظرنا فى أن أهمية وجود هذه الأغانى هو التأكيد على رفض «درويش» الاستمرار فى تقديمها، لنبين الفرق بين المرحلتين، فتمت الموافقة.