الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

كليات ما بعد كورونا

سعت وزارة التعليم العالى، على مدى أربع سنوات ماضية، لتغيير مفهوم الطلاب حول ما يسمى بـ«كليات القمة»، وتغيير تشبث مئات الآلاف من الطلاب بالالتحاق بكليات القطاع الطبى وتوجيههم وتحفيزهم على التوجه نحو التعليم التكنولوجى وكليات الذكاء الاصطناعى التى بدأت بالفعل فى بنائها العام الماضى باعتباره المجال الأكثر طلبا فى المستقبل، والباب الحقيقى أمام شباب الخريجين للعمل بأكبر مصانع السيارات، والأجهزة التكنولوجية فى أكبر الدول الأوروبية، وبالتحديد ألمانيا، وبالفعل لاقت هذه المساعى استجابة من جانب قطاع كبير من الأسر المصرية ممن وجهوا أبناءهم نحو الالتحاق بهذه الكليات.



 

بعد كل تلك المحاولات والتحفيز بإنشاء جامعات بالفعل وقبول أعداد كبيرة من الطلاب فيها العام الماضى، جاءت جائحة كورونا لتغير مخطط التعليم العالى، وتؤكد على أن كليات الطب ما زالت فى المقدمة ولن تعلو كلية أخرى أمامها وبقيت كليات القطاع الطبى فى المقدمة محتفظة عن جدارة بلقب «كليات القمة».

الأزمة الطارئة لم تظهر فقط الأهمية الكبرى للقطاع الطبى بوصفهم الجيش الأبيض وخط الدفاع الأول عن المجتمع فى مواجهة الأمراض والأوبئة، وإنما سلطت الضوء على معاناة القطاع الطبى فى ظل قلة الأجور وتراجع عوامل الأمان فى بيئة العمل ونقص الاحتياجات، ما جعل من هجرة الأطباء ذوى الكفاءة والخبرة من مستشفيات الصحة إلى المستشفيات الخاصة أو إلى خارج البلاد ظاهرة فى ازدياد مضطرد، مما يفرغ البلاد من الكفاءات فى هذا المجال. 

ورغم تأكيد سيد عطا، المشرف على التنسيق بوزارة التعليم العالى والبحث العلمى، عدم تحديد الأعداد التى سيجرى قبولها فى كليات القطاع الطبى أو غيره من الكليات هذا العام، وقوله إن القرار النهائى فى هذا الشأن سيتخذه المجلس الأعلى للجامعات فى اجتماعه المقبل عقب عيد الأضحى، فإن أحد المصادر أكد لنا أن الكليات العلمية بشكل عام سيكون هناك زيادة فى أعداد المقبولين بها من طلاب الثانوية العامة شعبة علمى علوم وعلى رأسها كليات الطب.

ومن جانبه، قال الدكتور أشرف حاتم الأمين العام للمجلس الأعلى للجامعات سابقا، إن جائحة كورونا جاءت لتؤكد على أهمية القطاع الطبى بالكامل وليس كليات الطب فقط، وإنما امتدت للتمريض والصيدلة، والأسنان، موضحا أن القطاع الطبى بجميع فصائله كان فى الصفوف الأولى لمواجهة هذا الوباء، وهذا يؤكد على أهمية كليات القطاع الطبى أكثر من أى فترة أخرى.

وكانت المستشفيات الجامعية على قدر المسئولية كما شاهدنا بـ27 جامعة، وأيضا حجم الأبحاث السريرية التى تقوم بها الجامعات، والتى أثبتت أن مصر كان لها القدرة على تخطى الأزمة بشكل يصل إلى 70% عن دول كبرى فشلت بحق فى مواجهة الفيروس، مضيفا أن كليات إدارة الأعمال، تعتلى مكانة كبرى أيضا بعد جائحة كورونا، حيث إن إدارة الأزمات كان لها دور لا يستطيع أحد أن ينكره، حيث ساهمت بشكل فعال فى عدم تفشى الوباء كما حدث ببعض الدول الكبرى.

الأمين العام للمجلس الأعلى أشار إلى أن البحث العلمى أثبت للجميع أنه الوحيد القادر على التحكم بمصير العالم أجمع، كما شاهدنا بجامعة إكسفورد، حيث إن هناك دولا تنفق مليارات الدولارات على البحث العلمى بجامعتها، بينما ما ينفق فى جامعات مصر لا يتعدى الـ«ملاليم».

موضحا أن ما يثار أن كليات الذكاء الاصطناعى فى مقدمة الكليات التى نحتاج إليها بعد أزمة كورونا فهذا ليس صحيحا تماما، حيث إن كليات الذكاء الاصطناعى فى مصر ما هى إلا كليات حاسبات ومعلومات وتم تحويل المسمى فقط، وليس تغيير المنظومة، حيث إن الذكاء الاصطناعى فى الخارج هو خلط ما بين العلوم والهندسة بجميع المجالات، وذلك للتوصل لمعلومة يمكن بها حل العديد من الأزمات فى مقدمتها الكورونا كما حدث فى سنغافورة، والعديد من الدول الأخرى، التى استخدمت الذكاء الاصطناعى فى التعرف على الأماكن الأكثر إصابة ومتابعة الحالات وتحركاتها فى أى مكان من خلال الموبايل، والبلوتوث، وذلك لمنع اختلاطهم خارج الإطار المحدد لهم لوقف تفشى الوباء.

قال الدكتور محمود علم الدين الأستاذ بكلية الإعلام والمتحدث الرسمى باسم جامعة القاهرة أن أزمة وباء كورونا أثبتت للجميع أن هناك مهنًا لا يجب أن يستهان بها فى مقدمتها كليات الطب بجميع طوائفة، وأيضا الذكاء الاصطناعى، ولكن للإنصاف لا بد أن نعلم جيدا أن هناك بعض التخصصات داخل مهنة الطب يمكن التعامل معها خلال السنوات المقبلة بطريقة الذكاء الاصطناعى، والتأكد من أن هناك مهنا على وشك الانقراض، وهذا طبقا للعديد من الأبحاث وفى مقدمة المهن «المحاسب».

موضحا أنه لا بد أن تنظر جميع الجامعات المصرية للمستقبل القريب أي مدة الـ25 عاما المقبلة، وبحث احتياجات سوق العمل خلال تلك الفترة، وبحث المهن التى سوف يحتلها الذكاء الاصطناعى، الذى سوف يخفى العديد من التخصصات الموجودة حاليا ببعض المهن، لذلك يصبح الذكاء الاصطناعى فى المرتبة الثانية بعد القطاع الطبى خلال تلك الفترة.

ولن نتغافل نهائيا عما أفرزته مخلفات كورونا من أضرار نفسية، واجتماعية لذلك لا بد من الاهتمام بشكل كبير بالعلوم الإنسانية، والاجتماعية خلال السنوات القادمة، وأيضا كليات إدارة الأعمال والأزمات والتى كان لها دور فعال خلال تلك الأزمة، لذلك لا بد أن يكون لكل جامعة مشروعها الفكرى، والذى بدأت به جامعة القاهرة بالفعل منذ العام الماضى كمحاولة لتطوير العقل المصرى، وعمل لقاءات بعدد كبير بين المفكرين والطلاب لفتح آفاق جديدة يمكن أن تغير نظرة الطالب للمستقبل فيما بعد.

فيما أكد الدكتور مصطفى عبدالرحمن، رئيس جامعة المنيا، أن أزمة كورونا أثبتت للعالم أجمع أن القطاع الطبى كان له دور فعال فى تخطى الأزمة، ولكن كان هناك تغافل كامل عن دور طلبة وخريجى كليات طب الأسنان، حيث إن الطب الوقائى تخصص بكليات طب الأسنان، لذلك كان لهم دور فعال فى تعقيم وتجهيز العديد من مستشفيات العزل، ولهذا لا بد من الاهتمام بتخصصات مكافحة العدوى، والطب الوقائى خلال الفترة القادمة.

رئيس جامعة المنيا أشار إلى أن تكنولوجيا المعلومات ساهمت بشكل كبير فى تخطى الأزمة داخل العديد من الجامعات من خلال شبكات الإنترنت وإنهاء العديد من الاختبارات إلكترونيا، حيث تم توفير 1080 جهاز كمبيوتر داخل معامل جامعة المنيا لإجراء اختبارات نهاية العام.

قال الدكتور أحمد بيومى، رئيس جامعة السادات، إن هناك العديد من التكهنات فى مصر أننا نحتاج بعد أزمة كورونا عددا أكبر من الأطباء، وأطقم التمريض، ولكن فى الواقع مصر تحتاج الكثير من خريجى كليات الآداب قسم علم النفس وعلم الاجتماع، وذلك بعد التشوهات النفسية، والاجتماعية التى يعانى منها الشعب المصرى بعد تلك الأزمة.

موضحا أن كليات الذكاء الاصطناعى أصبحت فى مقدمة تلك الكليات التى نحتاج إليها خلال الفترة الحالية والمقبلة، وذلك بعد التوجه للتعلم عن بعد، والذى سيطبق بشكل رسمى، حيث إنه اكتشفنا أنه خلال السنوات القادمة، وخاصة بعد تفشى ذلك الوباء، سيتم استخدام روبوتات كممرض لتوزيع الأدوية على المرضى تجنبا لإصابة الممرضات، كما سيتم الاستعانة به للمرضى بالمنازل لمساعدتهم فى منازلهم بدلا من عدوى ذويهم، أو اختلاطهم بهم وزيادة نسبة العدوى.

ولا يخفى علينا أن هناك دولا سباقة دائما كما شاهدنا فى بريطانيا، وروسيا، وخاصة جامعة أكسفورد، والتى كان لها الريادة فى اكتشاف لقاح لهذا الوباء، لذلك لا بد من وجود متخصصين فى علم اللقاح، والأوبئة فقط، وأيضا معامل على درجة عالية من الجودة لإنتاج الأمصال والأوبئة، والتصدى لأى فيروس يمكن أن يطرأ على الساحة مرة أخرى كما شاهدنا من قبل، لذلك لا بد أن يكون لجهات البحث العلمى فى مصر الريادة عن أى مجال آخر لأننا اكتشفنا أن البحث العلمى هو الفيصل العام فى تلك الأزمة التى اجتاحت العالم أجمع.

ولن تصل مصر لمرحلة بحث علمى سليم إلا فى حالة توفير حياة آدمية للعلماء، وتوفير ماديات مناسبة للعالم لكى يعمل بهدوء دون التفكير فى «لقمة العيش» وتسخير طاقة بالكامل للبحث العلمى فقط، وعدم الهروب للخارج كما نشاهد فى عدد كبير من علمائنا.