الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

سوق الكمامات تعاقب «تجار الأزمة»

كمن جلس يراقب الماء وهو يتسرب من لوح الثلج الذى بين يديه.. هكذا كان حال بعض «تجار الأزمات» فى سوق المستلزمات الطبية الذين خزنوا كميات كبيرة من الكمامات على أمل استغلال الجائحة فى تحقيق أرباح كبيرة تقودهم إلى الثراء السريع.



 

حالة من السخط سيطرت على تجار السوق السوداء للكمامات، بعد أن انخفضت أعداد الإصابات وتراجع الطلب على بضاعتهم التى راكموها فى المخازن ولم يفلح رهانهم على حدوث موجة ثانية للفيروس، جشعهم جعلهم يقدمون على شراء كميات كبيرة بأسعار مرتفعة، لتأتى الرياح بما لا تشتهى سفنهم وينخفض سعر العلبة التى كانت تباع بـ130 جنيها ليصل الآن إلى 50 جنيها فقط.

بعد أن أنعش فيروس كورونا سوق الكمامات خفت حدة الأزمة فرفع التجار شعار «خسارة قريبة ولا مكسب بعيد»، ليفقد بعضهم مبالغ طائلة بسبب عدم قدرتهم على التصرف فى الكميات الكبيرة الموجودة فى المخازن، وحول هذا الشأن رصدت «روزاليوسف» ملامح حالة السخط التى بات عليها تجار الكمامات مؤخرًا.

الأباطرة يتخلصون من الدخلاء

«بيوتنا اتخربت» هكذا يلخص «كريم.ز» وضعه الآن هو وبعض شركائه بعد أن حلموا بثروة سريعة على غرار أصدقاء آخرين حالفهم الحظ بعد استثمارهم خلال الأزمة.

طمع «كريم» الذى التحق حديثًا بالعمل فى مجال المستلزمات الطبية وتحديدًا تجارة الكمامات، مع بدء أزمة كورونا بعد أن كان يعمل فى إحدى ورش تصنيع الملابس، خاصة أنه لاحظ ازدهار هذه السوق والمكاسب التى تحقق من خلالها، ليقنع بعض الأصدقاء بأن يتشاركوا لشراء كميات من الكمامات بدلًا من تصنيع الملابس خاصة أن السوق فيها «نايم والحال واقف» بحسب وصفه.

حاول كل منهم تدبير أقصى مبلغ بقدر استطاعتهم لشراء أكبر كمية من الكمامات وتخزينها وبيعها بمكسب، فيقول كريم: «حالنا زى حال ناس كتير اشترينا بأى سعر معروض لأننا ضامنين المكسب»، ليوضح أنهم قاموا بشراء كمية تخطت ربع المليون جنيه، حيث اشتروا 2000 علبة من الكمامات من دون دعامة بسعر 115 جنيهًا، بينما كان سعر العلبة من الكمامات بدعامة 135 جنيها. 

كان كريم وشركاؤه يخططون للبيع بأسعار متفاوتة لضمان المكسب، فيقول إنهم جُنوا طمعًا بعد أن علموا أن بعض التجار جنوا أرباحا يومية تقترب من المليون جنيه، لكنهم فوجئوا بهبوط سريع فى الأسعار، ليصل سعر العلبة إلى 70 جنيها فقط، يقول بندم شديد: «كل ذنبنا إننا فى وقت الأزمة اشترينا بالغالى مش أكتر».

أصبح مصير الكميات الكبيرة التى اشتروها هو الركنة فى المخازن، لعدم استطاعتهم التصرف فيها بعد هبوط الأسعار، ويتابع حديثه باستغراب شديد فى ظل الورطة التى أصبح بها: «الدنيا كلها وقفت مرة واحده مفيش حد بيشترى».

وأرجع كريم هبوط أسعار الكمامات إلى عدة أسباب على رأسها محاولة أباطرة سوق المستلزمات الطبية التخلص من الدخلاء، خاصة أن الكثيرين أصيبوا بهوس تجارة الكمامات لتحقيق مكاسب سهلة وسريعة، ليستعيدوا سيطرتهم على السوق ويقودوها بطريقتهم، ليصفهم بـ«مافيا» قاموا بإشباع السوق وشجعوا التجار من خارج السوق على الشراء بأسعار مرتفعة وجعلوهم الآن يبيعون بأسعار رخيصة.

وأضاف أنه فى ظل إغراق السوق بالكمامات لم يعد هناك إقبال من المصريين على الشراء كما حدث مع بداية الأزمة، لافتًا إلى أن ركود حركة البيع يدل على استهانة المواطنين بالفيروس بعد تخفيف قيود مواجهة الوباء وعدم التزامهم بارتداء الكمامة، فضلًا عن اعتماد الكثيرين على استخدام الكمامات القماشية التى تباع بأسعار رخيصة على الأرصفة.

واستكمل: «كلنا كنا متوقعين إن ده هيحصل والأسعار هتنزل بس مش مرة واحدة»، مؤكدًا أنه يحاول تلك الفترة التخلص من كل البضاعة الموجودة بأسرع وقت وأى طريقة حتى وصل به الأمر أن يبيع العلبة بسعر 55 جنيها بعد أن اشتراها بـ135 أى بخسارة أكثر من النصف، «مش لاقى حد يشترى والبضاعة مركونة والله ما طالب أكسب أنا عايز ألم فلوسى بس، إحنا مش تجار والله ولا عندنا جشع ولا بنستغل ظروف الناس».

موظف يبيع 300 علبة بـ«الواحدة»

لجأ «حاتم.ا»، موظف بإحدى شركات الاتصالات، بعد أن أطاح هبوط الأسعار المفاجئ بأحلامه فى الثراء لأن يبيع 300 علبة كمامات كان اشتراها بسعر 130 جنيها للواحدة، بالواحدة، على الجروبات النسائية بموقع التواصل الاجتماعى فيس بوك، فلم يجد حلًا سوى ذلك وإلا سيخسر مبلغًا ماليًا كبيرًا جمعه من خلال الجمعيات والسلف من المقربين ليتمكن من شراء تلك الكمية.

يرى «حاتم» أن التجار يقومون بحرق الأسعار ما تسبب فى هذا الهبوط، متوقعًا ارتفاعها مرة أخرى مع موجة أخرى جديدة للوباء خلال الفترة القادمة، بحسب توقعاته، ويتابع: «اللى مستعجل على فلوسه بيبيع بالخسارة ويدخل فلوسه فى شغل جديد يعوض بيه.. دايرة بتلف».

مكاتب التوريد تجند سماسرة     لخلق فوضى

اتهم حاتم مكاتب التوريد بالتلاعب بالأسعار وحرقها حتى تتمكن من الاستحواذ على السوق، لتشترى كميات كبيرة بأسعار رخيصة ومن ثم توردها للشركات والمصانع ذات العمالة الكبيرة، إضافة إلى أن بعض الشركات تقوم بتجنيد سماسرة لخلق فوضى بأسعار الكمامات، والنزول بالسعر حينما تكون هناك صفقة كبيرة، ليستطيعوا الفوز بها بأقل سعر ممكن وتخزينها، وأضاف أن هؤلاء التجار يتلاعبون بعد ذلك بالأسعار برفع سعر العلبة خمسة جنيهات، مستطردًا: «السوق بقى كل يوم بحال وبيقوده تجار الخسارة وحرق الأسعار».

تاجر يصاب بحالة جنون:             بأخسر اللى كسبته

«أنا عايز أبيع بالخسارة راضى حتى لو اللى هيشترى فى الصين هروح أسلمه بنفسى»، هكذا بدأ «حازم. م» الذى يعمل بسوق المستلزمات الطبية منذ عامين حديثه، مشيرًا إلى أنه لأول مرة يتعرض لتلك الخسارة على الرغم من أنه استثمر فى تجارة الكمامات مع بداية أزمة كورونا وحصل على مكاسب جيدة، قائلًا: «البداية كانت فيها أرباح لكنى بخسر اللى كسبته».

40 ألف جنيه هو حجم خسارة «حازم» خلال صفقة واحدة، موضحًا أنه اشترى 1000 علبة كمامات بسعر 70 جنيها للواحدة، أصبح يعرضها للبيع بـ45، وعلى الرغم من الدعاية على الجروبات المختلفة إلا أنه لا يوجد مشترون.

 أصيب حازم بحالة من الجنون بعد خسارته، فعبر عن حزنه الشديد قائلًا: «من الزعل كنت عايز أفتح الماسكات كيسة كيسة وألبس واحد واحد فيهم عشان أحس إنى استفدت».

السوق تنقى نفسها من          «سائقى التوك توك»

ولفت تاجر المستلزمات إلى أن التجار العاديين كما اعتادوا على المكسب فاعتادوا الخسارة أيضًا، حتى ولو كانت كميات كبيرة لأن هناك مبدأ التجارة مكسب وخسارة، لكن الدخلاء هم من ندموا على الخسارة، قائلًا: «بعد كورونا لقينا بتاع البليلة وبتاع التوكتوك والصنايعية وشباب النواصى بيشتغلوا فى الكمامات.. لازم سعرها يوصل لكده».

وأضاف أن هؤلاء الدخلاء بخلاف أنهم أثروا على الأسعار إلا أنهم أيضًا تسببوا فى إنتاج كمامات رديئة، متابعًا: «دلوقتى بيسرحوا أولادهم يبيعوها للصيدليات بخسارة».

وأثنى على الوضع الراهن بسوق الكمامات، مؤكدًا أن تلك الحالة ستؤدى إلى تنقية السوق من الدخلاء والإنتاج الشعبى الردىء، ليعود من جديد الإنتاج النظيف المصنع عن طريق الكبس الحرارى وبأسعار جيدة، لتعود السوق إلى طبيعتها مرة أخرى.

رئيس شعبة المستلزمات: السوق تعود لطبيعتها خلال شهر

ويعلق محمد إسماعيل عبده، رئيس الشعبة العامة للمستلزمات الطبية بغرفة القاهرة التجارية، بأن هذا الوضع طبيعى بعد دخول مصانع بير السلم غير المسجلة والتى تصنع كمامات مغشوشة مستغلة عدم وجود رقابة لتغرق السوق بإنتاجها.

كما أرجع انخفاض الأسعار إلى انتشار الكمامة القماشية، التى بدورها أدت إلى انخفاض الطلب على الماسك الطبى خاصة أن استخدامها يكون لأكثر من مرةعن طريق غسلها، متابعًا: «وقت الأزمات أى سلعة يكون عليها طلب من الذهب إلى الصفيح تتعرض لارتفاع ثم انخفاض بالسعر بسبب الدخلاء».

وتوقع إسماعيل أن تعود سوق الكمامات إلى طبيعتها التى كانت عليها قبل أزمة كورونا خلال فترة شهر، فإن الوضع يذكره بأوضاع مشابهة حينما ظهرت فيروسات مثلث سارس وإيبولا وأنفلونزا الطيور والخنازير، ظهرمستغلون واختفوا مع اختفاء الوباء، مستطردًا: «اللى عنده كمامة هيرميها واللى عنده ماكينات اشتراها بملايين مش هيقدر يتصرف فيها.. الفيروس بياخد وقته وينتهى».