الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

مصر تضع قواعد جديدة لـ« التجارة العالمية»

يبدو أن نبوءة ساسة العالم بأن ما بعد الجائحة لن يكون كما قبلها، أصبحت حقيقة فى ظل المساعى الدولية لوضع قواعد جديدة للنظام التجارى الدولى، عبر إعادة تشكيل منظمة التجارة العالمية.



فى سبتمبر المقبل، ينتظر العالم الإعلان عن اسم المرشح النهائى لمنصب المدير العام الجديد لمنظمة التجارة العالمية، خلفا للبرازيلى روبيرتو أزفيدو الذى غادر منصبه بعد 7 أعوام قضاها فى المنظمة الدولية باستقالة مفاجئة وسط تردى أوضاع المنظمة العالمية على مدار أكثر من 10 أعوام، ومع وصول حلم تحرير التجارة العالمية باعتباره الهدف الرئيسى للمنظمة إلى طريق مسدودة بسبب فشل جولة تحرير التجارة العالمية، نتيجة الخلاف بين الدول الأعضاء حول تجارة الخدمات والمنتجات الزراعية.

وتواجه التجارة العالمية حاليا مخاطر جائحة فيروس كورونا المستجد التى أصابتها بالشلل تقريبا، وسط توقعات من المنظمة بتراجع حركة التجارة خلال العام الحالى بما يصل إلى 32 %.

وتكتسب عملية اختيار مدير عام جديد لمنظمة التجارة أهمية بالغة، خاصة أن المرشحين المصرى والسعودى هما الأقرب للفوز بالمنصب الرفيع، نظرا لأنه فى ظل رئاسته ستوضع قواعد جديدة للتجارة العالمية، لإنقاذ المنظمة والتجارة العالمية من الانهيار المحتم.

 

منظمة التجارة: التغيير حتمى 

واجهت منظمة التجارة العالمية، التى تتّخذ من جنيف السويسرية مقرًا لها كغيرها من المؤسسات المالية الدولية، انتقادات متعددة وهو ما يحتّم عليها مراجعة القواعد والقوانين الحالية والتى فشلت فى مواكبة التغيرات التى حلّت بالاقتصاد العالمى، وبجانب الانتقادات الشرسة التى وجهتها الولايات المتحدة للمنظمة، انضمت مجموعة العشرين مؤخرًا لقائمة المطالبين بإصلاح المنظمة الأممية، بعدما أكد فريق عمل التجارة والنمو والاستثمار بمجموعة العشرين، بداية يوليو الجارى، أن إصلاح منظمة التجارة العالمية بات أمرًا حتميًا لا بدّ منه مع فقدان المنظمة الأدوات الفعّالة فى منظومة حركة التجارة والاستثمار العالمية، وهو ما يستدعى معها وجود خريطة طريق لإصلاح المنظمة كمنصّة موثوقة وديناميكية التفاعل مع المتغيرات العالمية.

 وقالت المجموعة إن الإطار الذى تم تناوله فى مجموعة الفكر بمجموعة العشرين لم يقتصر على أوضاع التجارة العالمية فى ظل ظروف كورونا، بل امتد إلى جوانب متعددة من التحديات التى تواجه منظمة التجارة مع تقديم التوصيات نحو إصلاح عمل المنظمة.

وبرغم الإقرار بالنجاحات الأولية التى امتدت لعقود من الزمن، فإن منظمة التجارة العالمية تواجه، حاليًا، تحديات تهدد أساس وجودها، إذ إن أدواتها الرئيسية أصبحت «غير فعّالة»، على حد وصفه، وهو ما يشكّل أمرًا مُلحًا يدعو إلى إصلاح عمل المنظمة.

 

منافسة شرسة على كرسى المنظمة

على وقع هذه الاستقالة، تقدم عدد من المرشحين لشغل منصب المدير العام بالمنظمة، وضمت قائمة المرشحين المنافسين لشغل هذا المنصب المرشح المصرى عبدالحميد ممدوح الذى يعمل محاميًا دوليًا فى جنيف، والمرشح البريطانى وليام فوكس، وزير التجارة الدولية السابق المؤيّد لـ«بريكست»، والمرشح المكسيكى خيسوس سيد، الذى ساعد فى التفاوض على اتفاقية تجارية جديدة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

 كما تضم القائمة مرشحة نيجيريا نجوزى أوكونجو إيويالا، وهى وزيرة المالية السابقة فى نيجيريا، رئيس مجلس إدارة التحالف العالمى للقاحات والتحصين، والمرشح المولدوفى وزير الخارجية السابق تيودور أوليانوفشى، والمرشحة الكورية الجنوبية يو ميونج هى، التى تشغل منصب وزيرة التجارة فى بلادها حالياً، وكذلك مرشحة كينيا وزيرة الخارجية والتجارة السابقة ووزيرة الرياضة والثقافة أمينة محمد،  وأخيرًا مرشح المملكة العربية السعودية الدكتور محمد التويجرى، المستشار فى الديوان الملكى.

وبدأ تقدم المرشحين بأوراقهم فى 8 يونيو وانتهت 8 يوليو الجارى، لتبدأ عقب ذلك المرحلة الثانية وهى مرحلة الحملات الانتخابية لكل مرشح والتى تم اختصارها إلى شهر واحد بدلا من 3 أشهر نظرا لفراغ المنصب بعد استقالة المدير الحالى وتفشى كورونا، والتى بدأت بإلقاء كل مرشح رؤيته للمنصب وموقع منظمة التجارة العالمية ودورها، ثم المرحلة الثالثة والأخيرة والتى جاءت تشاورية بين الدول الأعضاء؛ لاختيار مرشح للمنصب بتوافق الآراء بين الدول الأعضاء وليس بالتصويت.

 

عربيان أقرب للفوز

 وتشير أغلب التقارير إلى أن المرشحين السعودى والمصرى هما الأقرب للفوز، وتعززت فرص الأخير للفوز بالمنصب الرفيع بعدما قررت قمة ميامى أن يكون المدير العام القادم لمنظمة التجارة العالمية إفريقيا؛ لأن المنصب لم يتقلده أى إفريقى فى السابق، وتم الاتفاق على أن أى دولة إفريقية لديها مرشح تتقدم فى تاريخ أقصاه نوفمبر 2019 وبالفعل تقدمت 3 دول بالمرشحين وهى: مصر، نيجيريا، وبنين، وتم إغلاق باب تلقى الطلبات وتمت الموافقة من جانب لجنة الترشحات على المرشحين، على أن يتم اختيار واحد منهم لتمثيل القارة.

 وسحبت نيجيريا مرشحها السابق، الذى وافق عليه الاتحاد الإفريقى، وتم اختيار مرشحة جديدة لم تأخذ موافقة الاتحاد الإفريقى، كما اتفقت نيجيريا مع بنين على سحب مرشحهم لدى المنظمة، ليصبح موقف المرشحين الثلاثة غير السابق، فلم يعد موجودا من المرشحين المعتمدين لدى الاتحاد الإفريفى غير المرشح المصرى؛ لانسحاب بنين وتغير مرشح نيجيريا، وبناءً على ذلك اتخذت القاهرة موقفًا قانونيًا تثبت فيه عدم شرعية المرشحة النيجيرية؛ لأنها لم تلتزم بقواعد الترشح من خلال الاتحاد الإفريقى.

 

رؤية مصرية للمنظمة العالمية

من ناحيته، عبّر المحامى الدولى عبدالحميد ممدوح، المرشح المصرى لمنصب مدير عام منظمة التجارة العالمية عن رؤيته لإصلاح المنظمة من خلال عدة مسارات أهمها إرساء قواعد قانونية جديدة تتماشى مع المتغيرات التى طرأت على الاقتصاد العالمى، بجانب إعادة التوازن بين الوظيفة التفاوضية للمنظمة وبين وظيفة حل المنازعات.

وقال ممدوح إن التجارة العالمية مرّت بمراحل متعددة من الانخفاض والانكماش، لكن خلال السنوات العشر الماضية كان الانكماش له طبيعة خاصة؛ لأنه جاء على أثر الأزمة المالية العالمية فى 2008.

أشار المرشح المصرى إلى أن جائحة (كوفيد 19)، لها طبيعة خاصة وغير مسبوقة، متوقعًا أن تكون آثارها أكثر حدة بكثير من الأزمة المالية العالمية؛ لأن الجائحة أدت إلى إغلاق الاقتصاد العالمى من جانبى الإنتاج والاستهلاك، والتى تلعب التجارة دور الوصلة بين الجانبين، وبالتالى إذا كان هناك انخفاض حاد فى الإنتاج والاستهلاك، فلا بدّ أن ينعكس على التجارة العالمية الذى توقعت المنظمة أن تصل معدلاته لنحو 32 % خلال العام الحالى.

 

منظمة التجارة وعدم الاتزان

وشدد على أن الخلاف التجارى بين الولايات المتحدة والصين كان له تأثير غير إيجابى على التجارة الدولية، لافتًا إلى أن النزاع نشب نتيجة لتطور طبيعى بعدما حدث تغير فى قوى التجارة العالمية بعدما أصبحت الاقتصادات البازغة مثل الصين ودول نامية أخرى تحقق أداءً اقتصاديًا وتجاريًا غير مسبوقًا، بالتالى غيرت قدرتها التنافسية التوازنات السابقة على ساحة التجارة الدولية.

وتابع أن هذا يعد تطورًا طبيعيًا، لكن المشكلة تكمن فى كيفية التعامل مع هذه التطورات، وهنا يأتى دور منظمة التجارة العالمية كإطار تفاوضى لطرح هذه المشاكل والتوصل إلى حلول توافقية تأتى كنتيجة لعملية تفاوض ناجحة.

وقال ممدوح، للأسف، منظمة التجارة العالمية حتى قبل أن نصل إلى جائحة كورونا، كانت تعانى من حالة عدم إتزان فى وظائفها الحيوية، خاصة عدم التوازن ما بين الوظيفة التفاوضية ووظيفة حل المنازعات، مشددًا على أن المنظمة كأى نظام قانونى لا بدّ أن يكون هناك توازن بين السلطتين التشريعية والقضائية.

ولفت إلى أنه فى إطار الوظيفة التفاوضية، فإن المنظمة أخفقت إخفاقًا واضحًا على مستوى طرح اتفاقيات جديدة أو سن قواعد قانونية جديدة بما يتماشى مع تطورات الاقتصاد العالمى، سواء المتعلقة بالتجارة الإلكترونية أو المتعلقة بسلاسل القيمة أو سلاسل التوريد أو غيرها.

وأوضح أن فرض القيود هى ممارسات غير مطلوبة وغير منتجة ومن الممكن أن تضر بشدة بالاقتصاد الذى يفرض تلك القيود، موضحًا أن جميع الاتفاقيات التجارية توفر هذه الرخصة بأن يكون من حق الدول بصفة استثنائية فرض بعض القيود على التصدير لمواجهة احتياجات السوق المحلية.

 

ترامب يشعل فتيل الحرب لا يمكن النظر إلى الجدل الدائر حول ضرورة التغييرات فى قوانين وقواعد منظمة التجارة العالمية بعيدًا عن سياق الحرب التجارية التى أطلقها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على الصين فى مارس 2018، عبر فرض تعريفات جمركية على الواردات القادمة من بكين وبلدانا أخرى، فعلى الرغم من الاتفاقيات التجارية الجديدة التى نجحت فى إبرامها واشنطن مع عدد من شركائها التجاريين وكان آخرها الاتفاق المبدئى مع الصين فى 15 يناير الماضى، والذى اعتبره ترامب انتصارًا كبيرا له، إلا أن هذا الاتفاق لم يدفع الرئيس الأمريكى للكف عن التهديد بسحب بلاده من منظمة التجارة العالمية، التى يتهمها على الدوام بأنها تحابى الصين على حساب الولايات المتحدة على غرار منظمة الصحة العالمية.

ولم تكن الولايات المتحدة هى الدولة الوحيدة المتضررة من اتفاقيات التجارة القديمة، بل إن العديد من دول العالم بما فيها مصر تضررت من تلك الاتفاقيات المجحفة التى أدت إلى اتساع الفجوة فى الميزان التجارى للدول، لذلك فمن الضرورى تغيير تلك السياسات القديمة ووضع قواعد أكثر عدالة تجعل التبادل التجارى العالمى عاملاً لتطور وتنمية جميع بلدان العالم وليس إثراء دول على حساب أخرى.