الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

دراسة فقه الدولة "5"

دارت الحلقات السابقة من الدراسة حول التأكيد- من الناحية الدستورية- على أصالة «مدنية الدولة» فى مصر.. وهو ما يتوافق- بطبيعة الحال- مع تركيبة الشخصية المصرية، الرافضة للاستغلال السياسى للدين، تحت مزاعم «الدولة الدينية».. إذ تبقى مصر- دائمًا، وأبدًا- هى بلد «اللا قبيلة» و«اللا عشيرة».. بل هى البلد الذى تذوب التكوينات جميعًا فى شخصيته  المستقلة، فتذوب القبائل والعشائر فى هوية نهره العظيم.



فالتاريخ فى مصر، هو «هوية» تتمدد وتتفتح، بينما هو لدى الكثيرين «هوية انغلاق» واكتفاء، وطرد.. إذ إن التنوع الثقافى المصرى يعبر عن تنوع إنسانى وقدرة على إدارة الاختلاف، واحترام ثقافة الآخر وحضارته وشخصيته.. فضلاً عن الاعتراف بها، على خلاف تنظيمات الإسلام السياسى، التى تنظر للآخر نظرة فوقية، تؤدى فى النهاية إلى لفظه وازدرائه، والانتقاص من حقوق مواطنته.

ومن هذا المنطلق.. بيًّنت دراسة التراث الدستورى المصرى (فى سياقه التاريخى)، أن بناء الدولة المدنية المصرية، هو جزء أصيل من أجزاء الهوية المتجذرة على ضفتى النيل.. لذلك، كان أن صدر دستور 1923م؛ ليرسخ حق مصر فى التمتع بما تتمتع به الأمم الحرة المتمدنة. وفى أعقاب ثورة الجيش فى 23 يوليو من العام 1952م، تم التأكيد على أن المصريين كافة، سواء أمام القانون.. وأن حرية العقيدة مطلقة ومصانة بالدستور.. كما نصت المادة الأولى من دستور 1971م بشكل مباشر على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة.. وهو ما حافظ عليه- كذلك- الإعلان الدستورى الصادر فى 30 مارس 2011م، وكان بمثابة تأكيد جديد على هوية الدولة المصرية فى مواجهة قوى الرجعية وأنصار الإسلام السياسى.

 

فى أعقاب سقوط حكم جماعة الإخوان «الإرهابية» فى مصر، بعد ثورة الغضب الشعبى فى 30 يونيو 2013م، ظهرت بقوة مقومات الدولة المدنية المصرية فى التحركات القانونية والدستورية التالية لهذا السقوط.. وهو ما عبَّر عنه- بشكل سريع وحاسم- دستور 3 ديسمبر 2013م، وامتدَّ هذا الأثر للدستور من خلال مطلبين أولهما: ديباجة الدستور، وثانيهما: ركائز مدنية الدولة فى نصوص الدستور.

1 - ديباجة دستور 2013

من خلال صياغة سطرت بوضوح معانى جلية لمقومات الدولة المدنية باعتبارها نص وثيقة الدستور 2013 أصلاً تاريخيًا لهوية الدولة المصرية.. إذ جاء فيها:

هذه الثورة امتداد لمسيرة نضال وطنى كان من أبرز رموزه أحمد عرابى ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وتتويج لثورتين عظيمتين فى تاريخنا الحديث:

ثورة 1919 التى أزاحت الحماية البريطانية عن كاهل مصر والمصريين وأرست مبدأ المواطنة والمساواة بين أبناء الجماعة الوطنية، وسعى زعيمها سعد زغلول وخليفته مصطفى النحاس على طريق الديمقراطية، مؤكدين أن الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة، ووضع طلعت حرب خلالها حجر الأساس للاقتصاد الوطنى.

وثورة «23 يوليو 1952» التى قادها الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، واحتضنتها الإرادة الشعبية، فتحقق حلم الأجيال فى الجلاء والاستقلال، وأكدت مصر انتماءها العربى، وانفتحت على قارتها الإفريقية، العالم الإسلامى وساندت حركات التحرير عبر القارات، وسارت بخطى ثابتة على طريق التنمية والعدالة الاجتماعية.

هذه الثورات امتدت للمسيرة الثورية للوطنية المصرية، وتوكيد للعروة الوثقى بين الشعب المصرى وجيشه الوطنى الذى حمل الأمانة ومسئولية حماية الوطن، والتى حققنا بفضلها الانتصار فى معاركنا الكبرى، من دحر العدوان الثلاثى عام 1956، إلى هزيمة الهزيمة بنصر أكتوبر المجيد الذى منح للرئيس أنور السادات مكانة خاصة فى تاريخنا القريب.

ثورة 25 يناير- 30 يونيو، فريدة بين الثورات الكبرى فى تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التى قدرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة، وبحماية جيش الشعب للإرادة الشعبية وبمباركة الأزهر الشريف والكنيسة الوطنية لها، وهى أيضًا فريدة بسلميتها وبطموحها أن تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية معًا.

2 - هذا دستورنا

لقد جاءت ديباجة الدستور الجديد لتسطر توصيفًا شاملاً جامعًا لملامح هوية الدولة المصرية عبر تاريخها الممتد، وجسدت مسودة الدستور فكرة مدنية الدولة المصرية بمعناها الشامل الذى لا يتعارض مع الدين من ناحية، ولا يسمح باستخدامه لتحقيق أهداف سياسية من ناحية أخرى، واستعرضت تلك الديباجة مقومات مدنية الدولة التى تمثلت فى التعددية وقبول الآخر، والإيمان بالديمقراطية، والتداول السلمى للسلطة، وأرست مبدأ المواطنة والمساواة والحرية، واعترفت بالإرادة الشعبية مصدرًا للسلطات لبناء دولة ديمقراطية حديثة.

كما تضمنت الديباجة نصًا صريحًا على أن مصر دولة ديمقراطية حديثة حكومتها مدنية، وأعلنت إيمانها بالتعددية السياسية، وبالشعب كمصدر للسلطات، وبكتابة دستور يحقق المساواة فى الحقوق والواجبات دون أى تمييز، وأرجعت تفسير مبادئ الشريعة الإسلامية إلى مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا فى ذلك الشأن.

3 - ركائز مدنية الدولة فى نصوص الدستور

جسدت العديد من نصوص الدستور الصادر فى 3 ديسمبر 2013 مقومات وركائز الدولة المدنية بوضوح، وتمثلت تلك النصوص فيما يلي:

مادة (1): وتنص على (جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهورى ديمقراطى، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون...) 

ويأتى نص المادة الأولى ليؤكد بوضوح على أبرز مقومات الدولة المدنية المتمثلة فى الديمقراطية، والمواطنة، وسيادة القانون.

مادة (3): (مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية واختيار قيادتهم الروحية)

والمادة جاءت لتعترف بحرية العقيدة والتعددية الدينية.

مادة (4): (السيادة للشعب وحده يمارسها ويحميها وهو مصدر السلطات ويصون وحدته الوطنية التى تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين وذلك على الوجه المبين فى الدستور).

ويعبر مضمون هذه المادة تعبيرًا واضحًا عن أبرز مقومات الدولة المدنية المتمثلة فى الوحدة الوطنية، وتكافؤ الفرص والمساواة.

مادة (5): (يقوم النظام السياسى على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمى للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة واحترام حقوق الإنسان وحرياته، على الوجه المبين فى الدستور).. وتعدد المادة بوضوح أهم مقومات الدولة المدنية المتمثلة فى التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمى للسلطة والفصل بين السلطات.

مادة (47): (تلتزم الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية للمصريين بروافدها الحضارية المتنوعة)... وتتمثل أهمية هذه المادة فى إلزام المادة دستوريًا بحفظ هوية الدولة فى مواجهة أى محاولات لطمسها.

مادة (64): (حرية الاعتقاد مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون).

وتعبر المادة بوضوح عن الحق فى حرية الاعتقاد وبناء دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية.

 

4 - الشريعة الإسلامية فى الدستور المصري

 

تركزت وضعية «الشريعة الإسلامية فى الدستور المصرى (ديسمبر 2013) من خلال مطلبين:

الأول: بشأن النصوص المتعلقة بالشريعة الإسلامية فى الدستور المصرى.

الثانى: تفسير المحكمة الدستورية العليا لمبادئ الشريعة الإسلامية

المطلب الأول: النصوص المتعلقة بالشريعة الإسلامية:

استهل الدستور مشروعه بديباجة مُحكمة رصدت كل ركائز ومقومات الدولة المدنية، وعبرت عنها فى صياغة قدمت للدولة المدنية باعتبارها أصلاً لهوية الدولة المصرية عبر تاريخها الممتد.. ونصت الديباجة على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، ولم تترك مفهوم الشريعة متسعًا من دون تحديد بل التزمت بما أقرته مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا فى تفسير مفهوم مبادئ الشريعة.

.. ونستعرض النصوص المتعلقة بالشريعة الإسلامية على النحو التالي:

مادة (2): وتنص على (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع).. ونص المادة يتطلب شرحًا تفصيليًا من خلال استعراض المفاهيم التالية:

أولاً:- مفهوم مبادئ الشريعة الإسلامية:

إن الاسم العلمى لمبادئ الشريعة وكلياتها وأهدافها هو (مقاصد الشريعة)، ومقاصد الشريعة هى الغايات والمصالح والمعانى والأهداف والعلل والحكم والأسباب والتى أتت الشريعة لتحقيقها فى دنيا الناس والأساس الفلسفى الذى بنيت عليه هذه المقاصد هو أن الله عز وجل لا يفعل شيئًا عبسًا، وهو قد من علينا بإرسال الرسول- صلى الله عليه وسلم- وإنزال هذه الشريعة وهذا لم يكن عبثًا ولكنه لتحقيق مصالح وغايات أهداف ومعانٍ معينة، ومن أهم هذه المقاصد العدل وهو من مقاصد الشريعة العامة والكلية.

والمقاصد والمبادئ بهذا المعنى هى من الفقه والفهم للشريعة وليست هى الشريعة فى ذاتها؛ وإنما هى نظريات وفهم عميق ومهم لهذه الشريعة، ولذلك فإن هذا الفقه له: نظريات متعددة وليس نسقًا واحدًا؛ وإنما بعض التقسيمات تتعلق بما يسمى الضرورات والحاجيات، والتحسينات.

وهناك تقسيمات أخرى تتعلق بما يسمى بالكليات العامة، فقد قال العلماء إن العدل من مقاصد الشريعة الكلية، وقالوا إن مراعاة الفطرة التى فطر الله عليها الناس من مقاصد الشريعة الكلية أيضًا، وقالوا كذلك إن مراعاة السنن الإلهية بمعنى النظم والقوانين الكونية التى جعلها الله عز وجل حاكمة على حركة الكون والحياة، وقالوا إن الشريعة تتغير مراعاة هذه القوانين ولا تقصد أبدًا أن تصطدم معها، وذكروا «حفظ نظام الأمة» ضمن المقاصد الكلية العامة التى تستهدف الشريعة بتفاصيلها المختلفة.

ومن معانى الكليات العامة التى ذكرها علماء المقاصد كذلك: السماحة والتيسير، والحكمة، والمصلحة العامة، والتعاون، والتعايش، والتكافل، والأمانة، والتطوع، وغير ذلك من القيم المجتمعية التى نطلق عليها اليوم «قيم مدنية».

إذن فالرجوع إلى كلِّ هذه المعانى والغايات المذكورة أعلاه والتى تغيتها الشريعة وراعتها كمصالح وحقوق مطلقة.

وهذا الرجوع ميزته أنه لا يختلف فيه العقلاء نظرًا لأن هذه المقاصد مراعاة فى كل ملة ويقبلها العقل السليم بداهة ولا يجادل فيها أيًا كانت ديانته أو أيديولوجيته، فهى أرضية مشتركة بين جميع القوى السياسية فى أى مشروع سياسى عام.

ثانيا: مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع: 

القانون بمعناه الواسع هو فى جوهره تعبير عن إدراة الدولة، فهذه الإرادة من دون غيرها تمثل المصدر الوحيد للقواعد القانونية، ولكن الدولة لا تعبر عن إرادتها بأسلوب واحد بعينه؛ وإنما تختلف طرق التعبير عن هذه الإرادة باختلاف السلطة العامة الموكل إليها التعبير عنها، ومن هنا تتعدد مصادر القاعدة القانونية لتعدد السلطات العامة التى تعبر عن إرادة الدولة، وإذ  من المحتمل وقوع التعارض أو التناقض بين هذه القواعد، ومن ثم التنازع بين السلطات أو الهيئات العامة التى تولت إقرارها، فقد استقر الأمر على تدرج القواعد القانونية من حيث قوتها أو مرتبتها الإلزامية، بحيث تعلو بعضها على بعض فتخضع القاعدة الأدنى مرتبة للقاعدة الأعلى مرتبة فلا تستطيع مخالفتها وإلا غدت غير مشروعة وحق عليها البطلان والإلغاء، كما أن المرجع فى تحديد القوى القانونية للقاعدة يعود إلى مرتبة السلطة التى أصدرت هذه القاعدة والإجراءات المتبعة لذلك.

5 -مدلول اصطلاح الشريعة الإسلامية : 

يغفل الكثير من المشتغلين بدراسة الدين الإسلامى – سهوًا أو عمدًا- أن يشيروا فى كتاباتهم إلى أن الأحكام الشرعية الإسلامية تتنوع إلى أحكام إلهية قطعية وأحكام فقهية اجتهادية، وإن التزام المسلم والدولة الإسلامية باتباع الدين الإسلامى يقتصر كأصل عام على الالتزام بالأحكام الإلهية القطعية من دون الأحكام الفقهية الاجتهادية، ولذلك فإننا نفضل أن توصف الأحكام الإلهية القطعية وحدها بأنها أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها أحكاما أو بالأحرى قواعد ملزمة بطبيعتها، خلافا للآراء الاجتهادية التى لا تحظى بصيغة الإلزام ولا بطبيعة الأحكام وهى ما يمكن وصفها بأنها الفقه الإسلامى،وترجع أهمية التمييز بين الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامى إلى أن عملية التشريع فى الدولة الإسلامية أو التى ينص دستورها على أن دين الدولة هو الإسلام، تختلف باختلاف النصوص التى يستمد منها المشرع قواعده وأحكامه.

وقد تواترت أحكام المحكمة الدستورية على الربط بين مبادئ الشريعة الإسلامية والأحكام القطعية فيها، فقضت صراحة (بأن الأحكام الشرعية التى اعتبرها الدستور المصدر الرئيسى للتشريع بموجب نص المالدة (2) منه هى تلك القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى لا تحتمل اجتهادا، وليست كذلك الأحكام الظنية فى ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معا، وهى التى تتسع لدائرة الاجتهاد فيها تنظيما لشئون العباد وحماية لمصالحهم، وبأنه لا يجوز لنص تشريعى أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، والتى يكون الاجتهاد فيها ممتنعا؛ لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلا أو تبديلا ومن غير المقصود تبعا لذلك أن يتغير مفهومها بتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل ولا يجوز الخروج عليها أو الالتواء بها عن معناها، ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معا، وذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان؛ لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، كما قضت المحكمة بأن (الاجتهاد إن كان حقا لأهل الاجتهاد فأولى أن يكون هذا الحق مقررا لولى الأمر، يبذل جهده فى استنباط الحكم الشرعى من الدليل التفصيلى،ويعمل حكم العقل فيما لا نص فيه توصلا لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بعباده، وتسعها الشريعة الإسلامية التى لا تضفى قدسية على آراء أحد من الفقهاء فى شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها وتقييمها وإبدال غيرها بها بمراعاة المصلحة الحقيقية التى لا تناقض المصالح العليا للشريعة، فالآراء الاجتهادية لا تجاوز حجيتها قدر إقناع أصحابها بها، ولا يصاغ تبعا لذلك اعتبارها شرعا مقررا لا يجوز نقضه). 

 6 - مدلول اصطلاح الفقه الإسلامى : 

يخلط جانب كبير من علماء الدين الإسلامى بين أحكام ومصادر كل من الفقه الإسلامى والشريعة الإسلامية، فبعضهم يراها كلها فقها إسلاميا وآخرون يرونها جميعا شريعة إسلامية، وفريق يرى أن الفقه الإسلامى هو العلم بالأحكام الشرعية أيا كانت مصدرها، على حين يذهب فريق آخر منهم إلى أن الفقه الإسلامى هو تلك الأحكام ذاتها، والصحيح فى تقديرنا أنه إذا كانت أحكام الشريعة الإسلامية وفقا لما تقدم هى الأحكام القطعية ثبوتا ودلالة فى القرآن والسنة الصحيحة، وهى بذلك لا تتغير ولا تتبدل لصلاحيتها لكل زمان ومكان وفى جميع الأحوال بسبب مصدرها الإلهى،فيلتزم المشرع بتقنينها وإعمالها، فإن الفقه الإسلامى يتمثل فى الفهم البشرى للأحكام الشرعية غير القطعية، نصوصا ومقاصد، وهذا الفهم قابل للاختلاف والتغيير باختلاف الظروف والأحوال، فالفقيه يعبر عن فهمه لدلالة النصوص غير قطعية الدلالة، وقد يوافقه على ذلك الفهم غيره ويخالفه آخرون، وقد يعدل الفقيه نفسه عنه، فاجتهادات الفقهاء ليست هى الشريعة حتى وإن كانت مقبولة فى عصرهم، إذ قد تكون غير مقبولة فى عصرنا لتغيير الأحوال، ومن ثم يرجع إليها الاستئناس والاسترشاد وليس للتقيد والالتزام، وبالتالى لا يتقيد بها المشرع إلا إذا رأى أنها تتوافق مع متطلبات العصر الحاضر، ولا تخالف بالطبع أحكام الشريعة الإسلامية القطعية، وتتسق مع مبادئ ومقاصد هذه الشريعة، وبذلك يمكن أن نطلق على هذه الأحكام الاجتهادية اصطلاح الفقه الإسلامى،ومصادرها الرأى والاجتهاد بصفة عامة، وعليه يمكن تعريف الفقه الإسلامى بأنه تراث الأمة من الأحكام الاجتهادية الظنية، وضعها واستنبطها المجتهدون وأصحاب الرأى فى العصور الماضية فى مسائل المعاملات التى اقتضت حاجة جماهير المسلمين ومصالحهم تشريعها، وذلك من خلال طرق الاستنباط والاجتهاد والاستدلال من الأدلة الكلية أو العلم بها، وتخضع هذه الأحكام لقاعدة (تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والأحوال).

خلاصة القول.. إنه لا يجوز الخلط فى الأحكام الشرعية الإسلامية بين الأحكام القطعية وتلك الظنية فى النصوص، فمن الضرورى التمييز بين الثابت بالنص والثابت بالاجتهاد وبين الأصول والفروع، فالالتزام كل الالتزام للأحكام القطعية التى تمثل أحكام الشريعة الإسلامية، وما عداها فهى الاسترشاد والاستفادة، وبصفة عامة يلتزم أولو الأمر فى الدولة الإسلامية وعلى رأسهم الحاكم ومن يفوضه وأعضاء السلطتين التشريعية والقضائية بالنصوص القطعية ثبوتا ودلالة فقط، سواء تضمنت أحكامًا شرعية أو مبادئ للتشريع، وهى التى يتوافر بشأنها الخصائص التى تميز الشريعة الإسلامية، على خلاف الأحكام الظنية الاجتهادية التى تندرج تحت مدلول الفقه الإسلامى، ما يدفعنا  إلى التساؤل عما إذا صارت أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها مصدرا رسميا للقانون يلتزم بها أو بالأحرى بعدم مخالفتها المشرع عند التشريع، كما يلتزم بها القضاء فى أحكامه باعتبارها من عناصر البناء القانونى فى الدولة، وفى الوقت ذاته يمكن لكليهما - أى المشرع والقاضى – أن يستعين ويستفيد بالأحكام الاجتهادية أو الآراء الفقهية كمصدر مادى أو موضوعى للتشريع بالنسبة للمشرع، ولاستخلاص المبادئ العامة للقانون المستمدة منها لإعمالها فى الأحكام القضائية بالنسبة للقضاء، إذا كانت فى تقديره تتوافق وتتلاءم مع الفلسفة القانونية السائدة فى المجتمع وكل ذلك على نحو ما سنفصله تاليا. 

 

7 - الشريعة الإسلامية مصدر موضوعى للتشريع:

يتجه الرأى الراجح فقهًا إلى أن القاعدة القانونية لها على الأقل مصدر مادى أو موضوعى ويقصد به الحقائق الموضوعية التى تقدم جوهر القاعدة القانونية ومادتها الأولية سواء كانت حقائق تاريخية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو دينية، وغير ذلك من الحقائق التى تكون مضمون أو موضوع القاعدة ومصدرًا رسميًا، وهو الذى يحدد شكل القاعدة القانونية ويضفى عليها صفة الوضعية أو الشرعية، ومن ثم يصيغ على القاعدة قوة الإلزام، وهى تتمثل فى مصر فى التشريع بصوره الثلاث ( الدستور والقانون واللائحة) والعرف والقضاء أو بالأحرى المبادئ العامة للقانون التى يستنبطها القضاء ويكشف عن وجودها ويقررها فى أحكامه والمبادئ العامة للقانون هى فى الأصل مصدر مادى أو موضوعى للقانون، فهى تختلف عن مصادر القانون الأخرى فى  أنها تسبق خلق القواعد القانونية الوضعية التى تعبر عن إرادة الدولة، إذ تمهد هذه الإرادة الطريق الذى تعبر به عن نفسها، فإنها ستوحى للمشرع القواعد والأحكام التى يضمنها التشريعات التى يسنها وفيها يجد القاضى الحل العادل للنزاع المطروح أمامه إذا لم يعثر على قاعدة تشريعية يمكن تطبيقها عليه، بيد أن طبيعة المبادئ العامة للقانون تتغير عندما يستقبلها المشرع فى نصوص القانون أو الدستور مثلا، وعندما يرجع القاضى إليها ويقررها فى أحكامه ويستند إليها فى تحديد القواعد القانونية اللازمة لحل المنازعات أمامه، فهنا تتحول المبادئ العامة إلى مصدر رسمى للقانون، حيث تغدو هذه المبادئ  من القواعد التشريعية  فى الحالة الأولى وتعد مصدرا مستقلا ومتميزا فى الحالة الثانية مادام عنصر الإلزام قد توفر فى هذه القاعدة القانونية. 

ولا ريب فى أن اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرا موضوعيا للتشريع هو أمر لا يحتاج إلى النص عليه، فأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية مازالت بعد النص فى المادة (2) من الدستور فى مصر – كما كانت قبله مصدرا موضوعيا أو ماديا للتشريع – ولذلك ذهب غالبية الفقه فى ظل النص بأن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع، إلا أن هذا النص ينصرف بطبيعة الحال إلى اتخاذها مصدرا موضوعيا إذ يسبغ هذا النص على أحكام الشريعة قوة إلزام ذاتية، ولذلك فإن أحكامها مازالت بعد النص كما كانت قبله مجرد قواعد دينية لا تكسب قوة الإلزام التى تحظى بها قواعد القانون إلا إذا تدخل المشرع فقننها، وفى هذه الحالة تصبح تلك الأحكام ملزمة بتقريرها تشريعيا لا بذاتها أى بسلطان الدولة لا بسلطان الدين، بدليل أن النص موجه للمشرع لا إلى الكافة ولا إلى القضاء فهو يلفت نظر المشرع إلى وجوب استلهام فى كل ما يعرض له من أمور مما تقرره الشريعة الإسلامية. 

وبالرغم من تعديل النص على النحو الذى أشرنا إليه إلا أن الغالبية الفقهية رأت أن هذا التعديل لا يغير من الأمر شيئا فإنه فقط، - كما ورد فى تقرير اللجنة الخاصة المشكلة فى مجلس الشعب للنظر فى مبدأ تعديل الدستور – يزيل من الأذهان أى مظنة فى عدم التزام المشرع بالالتجاء إلى مبادئ الشريعة الإسلامية لاستمداد الأحكام المنظمة للمجتمع منها فى كل نواحى الحياة، وقد أيد القضاء بصفة عامة هذه الاتجاهات – فى ذلك الوقت – حيث ذهب القضاء الإدارى إلى اعتبار النص الوارد فى المادة الثانية من الدستور خطابًا  موجهًا إلى السلطة التشريعية (المشرع) وأنه ليس للمحاكم أن تمتنع عن تطبيق القوانين السارية بحجة تعارضها مع أحكام الشريعة الإسلامية لما فى ذلك من تعرض لدستورية هذه المواد مما يخرج عن اختصاصها حيث تختص بذلك المحكمة الدستورية العليا فى مصر دون غيرها، ولأن نص المادة الثانية – حتى بعد تعديلها – هى خطاب موجه إلى السلطة التشريعية لدراسة الشريعة الإسلامية دراسة شاملة وتتولى بالتنظيم الأحكام التفصيلية مدنية كانت أو جنائية أو اقتصادية او دولية أو غيرها، وعلى السلطة التشريعية أن تبحث فى التشريعات الوضعية القائمة لتنقيتها من النصوص التى تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية لتتدفق نقية فى شرايين التشريعات المختلفة. 

وإلى أن ينبثق هذا النظام التشريعى وتكتمل قوته الملزمة فإن التشريعات السارية فى الوقت الحاضر تظل نافذة بحيث لا يسوغ لأى جهة إدارية مخالفتها بحجة تنفيذ قواعد الشريعة الإسلامية، أو تضع منه القواعد ما يتعارض مع هذه القوانين بمقولة تطابقها مع أحكام هذه الشريعة، وإلا أصبح النظام القانونى فى الدولة مسخا تبرأ منه كل الشرائع. 

8 - مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رسمى للقانون : 

 من المؤكد أن قراءة نص المادة الثانية من الدستور تعطى انطباعا أوليا بأن الدستور قد اعتبر الشريعة الإسلامية مصدرا موضوعيا رئيسيا للتشريع، بل والمصدر الموضوعى الرئيسى له لأن اصطلاح مصدر للتشريع يختلف فى دلالته عن أقوال بأنها مصدر للقانون، غير أننا نتفق مع أستاذنا الدكتور عبدالحميد متولى – رحمه الله – فى أن مبادئ الشريعة الإسلامية تمثل نوعين من المصادر فهى تعد أولا مصدرا موضوعيا، وتعد ثانيا مصدرا رسميا حيث إن النص عليها فى الدستور كمصدر للتشريع قد أسبغ على مبادئها (أى الشريعة) صفة الإلزام.. والحقيقة أن المصادر الموضوعية للتشريع يجوز أن تكسب صفة الإلزام بالنسبة للمشرع على وجه الخصوص، ولكنها لا تكون قابلة للإعمال بذاتها كقواعد قانونية عامة مجردة إلا إذا أخذ المشرع بها وأتم صياغتها صياغة قانونية أو بالأحرى فإن بتقنينها ومن ثم حولها إلى قواعد تشريعية قابلة للتطبيق المباشر، كما أنها تتحول أيضا إلى مصدر رسمى للقانون إذ أقر القضاء باعتبارها من المبادئ العامة للقانون وكشف عن استقرارها فى ضمير الجماعة باعتبارها قواعد قانونية أساسية تعكس مقومات المجتمع العليا أو على الأقل باعتبارها قواعد عرفية ملزمة لمن تعارف عليها من أفراد أو سلطات فى المجتمع، وعليه فإن المصادر الموضوعية تتحول إلى مصادر رسمية إذا توفر لها عنصر الإلزام  إما عن طريق العرف أو القضاء من خلال المبادئ العامة للقانون.